تنظيف السمك.. حرفة نسائية في مواجهة البطالة والحصار

ليست هذه قصة من وحي الخيال، أو من حكايات ألف ليلة وليلة، ولا تدور أحداثها فوق كوكب آخر أو على شاشات السينمات أو فوق خشبة المسرح، فمكان قصتنا هذه هو فلسطين، حيث وطن عاش شعبه طوال حياته مجاهدًا في سبيل تحرير أرضه وساعيًا لتوفير حياة كريمة، وتحديدًا في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين بقطاع غزة.
أما الزمان فهو ذلك الوقت الذي أصبحت فيه الحياة الكريمة ومتطلبات الحياة الأساسية حلمًا لكل مواطن فلسطيني في ظل الحصار والجوع وقطع المعونات، أما الشخصيات فهن نساء حاولن العيش والانخراط في مجتمع نسبة البطالة تصل فيه إلى أعلى معدلاتها في العالم، حيث بلغت حسب تقرير لمنظمة اليونيسيف العالمية 68% بين أفراد الشعب الفلسطيني.
نساء حاولن البحث عن عمل من أجل الاستمرار في هذه الحياة وتوفير متطلباتها المتزايدة لأبنائهن، خاصة بعد أن أصيب أزواجهن بالمرض أو الإصابة من قوات الاحتلال أو يتواجدن قيد الاعتقال أسرى في زنازين الاحتلال أو معتقلاته.
أم أحمد (45 عامًا) من سكان مخيم الشاطئ للاجئين هاجرت مع أهلها عام 1948 من عكا إلى غزة، وقد وجدت لها في مخيمات الإيواء التي أعدتها الأمم المتحدة خيمة تسكن هي وأهلها فيها إلى أن يعودوا إلى بيتهم في عكا، ولكن يبدو أن الانتظار قد طال فانخرطوا مع المجتمع بغزة وأصبحوا جزءًا منه، تزوجت من أبو أحمد وهي في السادسة عشرة من عمرها وأنجبت منه 3 أولاد وبنت وما أن بلغت البنت الشهر الرابع من عمرها حتى أصيب والدها برصاصة من قوات الاحتلال فأسقطته شهيدًا على الفور.
وهنا أصبحت أم أحمد الأم والأب لأبنائها، في الوقت ذاته بدأت تبحث عن عمل يناسب طبيعتها كونها امرأة في محاولة لتوفير كل متطلبات الحياة الضرورية لأبنائها من مأكل وملبس ومشرب ومصاريف الحياة العادية والمدارس، بالرغم من أنهم يدرسون في مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي توفر تعليمًا مجانيًّا للاجئين، إلا أنهم يحتاجون إلى الدفاتر والملابس الخاصة بالمدرسة.
أم أحمد عملت في مجالات عدة مثل الخياطة والزراعة وبيع الأدوات المنزلية، حتى وصل بها المطاف أخيرًا أن تعمل في تنظيف السمك، فهي واحدة من النساء اللواتي يعملن في هذا المجال وهم قلّة لا يتعدين عددهم أصابع اليد الواحدة.
كيف وصلت لك الفكرة للعمل في هذه المهنة وكيف تمارسونها؟ سؤال وجهناه إلى أم أحمد فقالت: “كنت جالسة يومًا من الأيام أفكر في عمل جديد بدلاً من أعمال الخياطة التي بدأت لا يكفي عائدها في مجرد سد الجوع، فأتت إليّ إحدى الجارات وقالت لي “إن عمر صاحب مطعم السمك يريد أحد الأشخاص أن يعمل معه في تنظيف السمك، وسألتني أن أرسل ابني أحمد أو محمد للعمل عنده في هذا المجال، ففكرت في الموضوع وذهبت إلى عمر وقلت له أنا مستعدة أن أنظف لك كل وجبات السمك التي تريد تنظيفها وأنا بالبيت على أساس أن ترسل لي السمك وأنا أنظفه وأرسله لك جاهزًا وكاملاً كما أنت تريد وأكثر”.
وتتابع أم أحمد روايتها قائلة: وافق عمر على هذا الحل الذي وجدت فيه أنه أفضل بكثير من إرسال أحد أبنائي للعمل فيه، ذلك حتى لا يؤثر عملهم على دراستهم، وقد نجحت فعلاً والحمد لله.
أما سعاد (20 عامًا) وهي ابنة أم أحمد فقد أجابت على سؤالنا لها حول ما إذا كنت تشعر بالخجل من مهنة أمها قائلة: “أنا سأشعر بالخجل لو انحرفت أمي وعملت في أعمال غير مشروعة، وسأشعر بالخجل لو لم تربّني أنا وإخوتي تربية جيدة ولم تدخلنا الجامعات والمعاهد من أجل الرقي بنا ومحاولة تعويضنا ما فقدناه من فقدان أبي، أنا فخورة جدًّا بهذه المرأة التي فعلاً استطاعت أن تربي الأجيال دون أن تشاركنا نحن أولادها بهمّها يومًا من الأيام”.
أما عمر صاحب مطعم السمك فلم تكلفه أم أحمد للعمل في تنظيف السمك بعد أن عمل على توسيع مطعمه وازداد عدد الزبائن الوافدين على مطعمه، مما أدى به إلى أن قام بتوظيف امرأة أخرى من نفس الحي للعمل في هذا المجال، بالإضافة إلى أم أحمد.
أم علي تقيم في مخيم الشاطئ أيضًا أصيب زوجها بمرض الانزلاق الغضروفي، مما اضطره إلى عدم العمل في أية أعمال شاقة حسب توصيات الطبيب، أبو علي أب لخمسة أولاد أكبرهم الآن يدرس في الثانوية العامة وحلم حياته أن يلتحق بالجامعة ويدخل كلية الحقوق، لكنه شعر أن آماله قد تحطمت على صخرة الواقع المرير بعد أن أصبح أبوه عاطلاً عن العمل.
لكن أمه بعثت الأمل في عروقه من جديد وقالت له “لا تخف يا بني، والله إن شاء الله ستدخل كلية الحقوق، وما عليك سوى أن تدرس واترك البقية على الله فإنه لن يتركنا وهو خير معين”.
من هنا بدأت أم علي بالبحث عن عمل لا يشغلها كثيرًا عن زوجها المريض الذي يحتاج إلى عناية من زوجته، فبدأت بالبحث حتى عثرت على عمر صاحب المطعم فطلبت منه أن تعمل لديه في مجال أم أحمد في تنظيف السمك، فلم يرفض عمر؛ لأنه كان بحاجة إلى عاملة أخرى بجانب أم أحمد.
أم علي بدأت بالعمل فعلاً في هذا المجال وبالرغم من أن متطلبات الحياة كثيرة جدًّا فإنها تحاول قدر الإمكان توفير كل ما هو لازم للبيت ولأبنائها ولزوجها من دواء لمرضه، وهي دائمًا تؤكد لعلي أنه سيدخل كلية الحقوق بإذن الله.
أم علي رغم مرارة الحياة وصعوبة العمل وفقًا لظروفها الخاصة فإنها تشعر بعزة نفسها واحترامها لذاتها ومدى إنجازها، خاصة في هذا الوقت بالذات الذي تشهد فيه الأوضاع الفلسطينية صعوبة في العمل وسوء في الحالة الاقتصادية: “أنا الآن أشعر نفسي كملكة خاصة في هذا الوقت الصعب الذي عزّ فيه العمل وكثرت نسبة البطالة، كما أني أشعر بالفرح عندما أضحي براحتي من أجل سعادة أبنائي وأسرتي، خاصة عليّ الذي يريد دخول كلية الحقوق، وأنا عاهدت نفسي أن ألبي له رغبته ورغبتي في أن يكون لي ابنًا متعلمًا، فاليوم تعب وعناء وغدًا عندما يتخرج عليّ بالتأكيد أنه لن ينسى هذه الوقفة، وأنا واثقة من أنه سيعوضني كل أيام الحرمان والتعب أنا وأبوه”.
أما عمر صاحب المطعم فقال حول عمل النساء لديه من بيوتهن: “أنا لم أفكر يومًا في أن تقوم بتنظيف السمك لمطعمي نساء، ولكن كنت أبحث عن عمال يعملون هنا في المطعم، ولكن عندما أتتني أم أحمد وافقت على الفور، المهم أن يكون السمك في المطعم نظيفًا ومجهزًا في أي وقت للزبائن، فوافقت على عمل أم أحمد وهي في بيتها، ثم بعد ذلك على أم علي”.
وحول طبيعة الأجر الذي تتقاضاه النساء مقابل هذا العمل تابع عمر بقوله: “أنا أحب الخير للغير، ولكن الجود من الموجود كما يقولون، وأنا إذا قمت برفع الأجر كثيرًا فهذا سيؤثر على ربحي القليل أصلاً، ولكن إذا تحسنت أوضاع البلد اقتصاديًّا وزاد عملي فأنا سأعمل جاهدًا من أجل زيادة رواتبهم بكل تأكيد”.
إذن كل ما فات ليس من وحي الخيال إنها أسر تعيش داخل المجتمع الفلسطيني وهي تعاني من لعنة الجوع والفقر، وتعاني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتي تزيد صعوبة يومًا بعد يوم جراء الحصار الخانق المفروض على الحكومة وعلى الشعب الفلسطيني وانقطاع الرواتب، ولكن بالرغم من ذلك تبقى تلك النساء أوسمة، حيث تحاولن رغم الحصار والجوع الوصول بأبنائهم وأسرهم إلى أعلى المراتب وتوفير لهم الحياة الكريمة التي يستحقونها.