تكية الخليل.. ومدينة لا تعرف الجوع

في فلسطين، حيث حرم الحصار الجائر الطفل من كوب حليب.. والمريض من جرعة دواء.. والأب من فرصة عمل يسد بها رمق أولاده.. والأم من جواب شاف ترد به على أسئلة أطفال قرصهم الجوع، لم يعد هناك فارقا ما بين الواقع والدراما.. فالقصص والروايات القديمة عن التكايا التي يجد فيها الفقراء ما يسد رمقهم باتت حقيقة معاشة في مدينة خليل الرحمن بالضفة الغربية، حيث أدت الأزمة الاقتصادية الخانقة، ما بين حصار وإغلاق وبطالة، إلى تدفق المئات يوميا إلى تكية سيدنا إبراهيم للحصول على حصتهم من الطعام، الذي يوزع ثلاث مرات يوميا، ولعل ذلك ما جعل مدينة الخليل تكتسب شهرة واسعة بأنها “المدينة التي لا تعرف الجوع أبدا”.
خط الدفاع الأول
ورغم أن تكية سيدنا إبراهيم عرفت على مدار سنوات طويلة بأنها تقوم بتقديم الطعام
المجاني يوميًّا وعلى مدار السنة لمن يعانون الفقر والفاقة من أهالي المدينة غير
أنها أضحت في الآونة الأخيرة خط الدفاع لسكان المدينة في مواجهة الأزمات الاقتصادية
والحصار، وهو ما دفع العاملين على التكية لإعداد الوجبات بكميات أكبر.
“إنسان أون لاين” قامت بزيارة “تكية الخليل”، للاطلاع عن قرب على جهودها
المضاعفة لإطعام المحاصرين، حيث يعيد المشهد هناك إلى الأذهان زمن النكبة وأيام
التهجير، حيث وجدنا رجالاً وأطفالاً ونساءً باتوا يتجمعون في ساعات مبكرة أمام بات
التكية للحصول على الغذاء الذي يعينهم على اتقاء ألم الجوع.
وكان من بين الجموع الغفيرة، الطفل أحمد الذي قال لـ “إنسان أون لاين” إنه يجاور
التكية في السكن، ويأتي إليها يوميًّا للحصول على الشوربة له ولأسرته التي تعاني
الفقر بفعل الحصار الاقتصادي الخانق على الشعب الفلسطيني كله.

أما أبو فادي فأكد بمزيد من الألم أنه لم يعتد أن يأتي إلى التكية يوميًّا
للحصول على الغذاء المجاني وإنما الظروف الاقتصادية الحالية اضطرته إلى المداومة
على المجيء للتكية فلم يعد يملك مصدراً للرزق يوفر من خلاله أبسط احتياجات أطفاله
الستة.
مضاعفة كميات الطعام
التكية المقامة منذ القرن التاسع للميلاد لم تشهد اكتظاظاً في أعداد الوافدين
إليها كالذي تشهده في الآونة الأخيرة بفعل فقد العديد من الأسر الفلسطينية مصدر
رزقها في ظل سياسة التجويع والحصار المفروضة الشعب الفلسطيني كعقاب جماعي على خياره
الديمقراطي، وفي هذا الصدد يوضح الشيخ عمار الخطيب، أحد المشرفين على التكية أنه تم
تكثيف ومضاعفة كميات الطعام التي تقدمها التكية لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة
التي يمر بها الشعب الفلسطيني بكل فئاته وقطاعاته المختلفة، لافتاً إلى أن الناس
يأتون إلى التكية في أعداد مطردة خاصة يومي الإثنين والجمعة، حيث تقدم التكية في
هذين اليومين وجبات طازجة من الخضار بالإضافة إلى اللحوم إلى جانب الوجبات اليومية
من القمح المجروش والتي تضاعفت كميتها ثلاث مرات للإيفاء باحتياجات الوافدين على
التكية.
ولفت الشيخ الخطيب إلى أن التكية لها أرصدة من المواد العينية يقدمها أهل الخير
كتبرع للتكية كالبقوليات واللحوم التي تشرف على استقبالها من المتبرعين وزارة
الأوقاف الفلسطينية وتعمد إلى إيصالها بشكل مباشر إلى التكية، داعياً إلى زيادة
التبرعات لتتناسب مع أعداد المنتفعين الذين يتزايدون بشكل مطرد.
التكية قديماً
يقول محمد أبو صالح مؤلف كتاب “الخليل عربية إسلامية”، والذي عمل مدرساً في
الحرم الإبراهيمي الشريف، أن التكية لقيت اهتماماً كبيراً من قبل الدولة الإسلامية
بمختلف حقبها التاريخية بداية من الفتح الإسلامي على يد صلاح الدين الأيوبي، حيث
عمد صلاح الدين إلى تكليف 10 عائلات في مدينة الخليل بخدمة الحرم الإبراهيمي الشريف
وأمر بصرف الشعير لخيول تلك العائلات ليبقوا في رباط دائم إلى يوم القيامة، كما
أقام وقف التكية الإبراهيمية التي كانت تطعم الوافدين إليها.
وحول طبيعة عمل التكية في تلك الفترة، يؤكد صالح أن التكية منذ أن وجدت راحت
تقدم الطعام للوافدين على المدينة ثلاث مرات يوميًّا في الصباح وبعد الظهر وبعد
العصر، وتتكون وجبة الطعام من خبز السماط والحساء، حيث كانت التكية تستهلك من الخبز
يوميًّا 14 ألف رغيف، وأحيانا يصل العدد إلى 15 ألف رغيف، وتابعت التكية عملها في
تقديم الطعام للوافدين على المدينة في حربي 48 و67، حيث احتضنت الآلاف من
الفلسطينيين المهجرين بفعل الاحتلال من أراضيهم.
وأوضح صالح أن التكية في زمن النكبة كان تعمد إلى طبخ ما يزيد عن 24 قدراً من
الطعام يوميًّا لإطعام المشردين الفلسطينيين الذين وجدوا في الخليل مكاناً آمناً.