الملائكة الصغار ..يتحدون الإعاقة بالإبداع

لأول وهلة عندما تنظر إلى المشغولات التي اصطفت إلى جانب بعضها في المشغل الخاص
بجمعية الحق في الحياة تعتقد بأن من صنعها رجلاً ماهراً ومبدعاً ولا يعاني من أي
إعاقة، نظرا لإتقان العمل ودقته ومدى الإبداع به، لكن قد تشعر بالمفاجأة عندما ترى
من صنعوها .. إنهم شباب يعانون من البله المنغولي “متلازمة دوان” يعملون بمهارة
وإتقان منقطع النظير في مجال السجاد والخيزران، مشغولاتهم تتحدث بلسانهم، ينافسوا
بعضهم البعض في خروج القطعة بأسرع وقت وإبداع أكثر .. فآثر القلم إلا أن يخرج عن
صمته مرغماً ليتحدث عن إبداع هؤلاء الشباب..
قهر إعاقته بإبداعه
جمعية الحق في الحياة هي احدى الجمعيات القليلة التي ترعى وتؤهل المصابين
بمتلازمة دوان “البله المنغولي”، وما شد انتباهنا هي تلك الورشة الكبيرة المتواجدة
على الطرف الأيسر من الجمعية ، هذه الورشة هي التي تخرج منها إبداعات هؤلاء
الملائكة الصغار ، وما أن اقتربنا من الشاب ” محمد أبو تايه ” 21 عاما حتى حدثنا
ببراءة طفولية لا تُقارن بسنه الحقيقي، وبكلمات ثقيلة على لسانه ومتقطعة تحدث:” كيف
شغلي .. أنا أشطر من زملائي ” ثم خرج من وراء “النول” وبدأ يعرض مشغولاته قائلا”
كيف.. مش جميلة” وعندما سألناه هل تعطي المال لوالديك وتساعدهم في مصروف البيت؟ كان
السؤال صعب على عقله ، فتدخل المدرب كي يوضح له معنى السؤال، فقطاعه بعفوية وكأنه
فهم المعنى: “أنا بأعطي أبوي المصاري إلي بأخدها كلها” ..

أما “محمد النجار 22 عاماً” ذلك الشاب الذي بدأ يبذل جهداً مضاعفاً كي ينهي
قطعته قبل “أبو تايه”، فقد كانت هناك صعوبة في الحديث معه لانهماكه في العمل، بدأ
ينسق في ألوان السجادة بتركيز كبير يفوق الإنسان العادي، كانت القطعة تبهر العيون
من شدة جمالها وتناسق الألوان فيها، ثم أشار إلى مدربه كي يتابع معه العمل ويأخذ
التوجيهات وعندما لمس شدة الإعجاب والتقدير من المدرب ضاعف جهده لما وجد من تشجيع
وحافز نفسي.
تدريب وتأهيل
ثم توجهنا إلى مشرف التدريب المهني بجمعية الحق في الحياة الأستاذ نبيل جنيد
والذي حدثنا عن قسم التأهيل المهني قائلا: عندما يأتي الطفل المصاب بالبله المنغولي
إلى الجمعية يتم إدراجه ضمن الروضة ومن ثم ينتقل لمدرسة التربية الخاصة ومن بعدها
يصل إلى مرحلة ما قبل التدريب المهني والتي تشمل جانبين أكاديمي ومهني، وهنا يتم
تأهيلهم وتهيئتهم ونقلهم للبرنامج المهني، والعمل في الورش المهنية إلى أن يصل سنه
حتى 18 عام، حيث ينتقل كلياً للعمل في ورش التشغيل، وعن أهم الحرف التي يتعلمها
الشاب المصاب بالبله المنغولي يشير جنيد إلى هناك عدة حرف يتم تعليمها لهؤلاء
الشباب منها السجاد والخيزران والزراعة والنظافة، كما نقوم بتدريبهم خارج الجمعية،
وخاصة في مشتل وزارة الزراعة ومستشفى شهداء الأقصى بالمحافظة الوسطى، بالإضافة إلى
مستشفى الدرة وكلية المجتمع للعلوم المهنية والتطبيقية وجامعة الأقصى في عمل
المراسلات والنظافة حتى أنهم يتقاضون رواتب على عملهم هذا، كما سعينا إلى دمج هؤلاء
الشباب بعمل وكالة الغوث من خلال إرسال طلب بتوظيف 15 طالب على بند البطالة.

ويؤكد جنيد أن هؤلاء الشباب يؤدون عملهم على أكمل وجه ويتم الاعتماد عليهم في
الأماكن التي أُرسلوا إليها كما، وأنهم تعاملوا مع الأشخاص الأسوياء بطريقة سهلة،
ولا يعانون من أي مشاكل قد تواجه أي شاب في وضعهم الصحي، وعن رضا الشاب عن عملهم
وتأهيلهم في الجمعية يشير جنيد : إن الشباب يشعرون بارتياح في الجمعية ويتقبلون أي
توجيه أو تدريب بابتسامة، فقلوبهم نقية كالأطفال الصغار وخير مثال على ذلك هو زيادة
عدد هؤلاء الشباب كل عام حيث بدأنا بـ4 حتى وصلوا الآن إلى 30 شاب.
ويشير المشرف جنيد إلى أن هذه الفئة نجد صعوبة في تأهيلهم مع بداية انتقالهم إلى
مرحلة التدريب المهني بسبب ضعف التركيز الذي يعانوا منه المصابون بمتلازمة دوان،
إلا أننا نتابع تأهيلهم أولا بأول كي يكونوا متميزين ومبدعين في مشغولاتهم، حيث
يوجد في كل ورشة مدرس لضبط سلوكيات الشباب ومدرب للحرفة (صنايعي)، وعن كيفية تسويق
منتجاتهم ومشغولاتهم يؤكد جنيد أن مشغولات هؤلاء الشباب يتم تسويقها عبر معرض
الجمعية الدائم، بالإضافة إلى المشاركة في معارض خارج الجمعية، كالمعرض الذي أقيم
على ارض الجامعة الإسلامية وجامعة الأقصى ومحافظة غزة.
إبداع وتميز
وعن تقيمه لمشغولات هؤلاء الشباب يفيد جنيد: هناك إبداع وتمييز في مشغولات هؤلاء
الشباب خصوصاً في السجاد والخيزران، والدليل هو حصولهم على جوائز مالية نظيراً
لإبداعاتهم من الملتقى الإبداعي في كلية مجتمع العلوم المهنية والتطبيقية، وعن وجود
منافسة بينهم كالحرفيين العاديين يعلق جنيد: مع أنهم أبطأ بكثير ويأخذون وقت أكبر
في الانتهاء من القطعة لأن قدراتهم العقلية منخفضة، إلا أن لديهم قابلية ورضا عن
عملهم مضيفاً أن هناك منافسة وغيرة بينهم فيمن يتقن عمله وينتهي منه بسرعة وينال
التشجيع والإعجاب ومن ثم المال.