نساء غزة يقهرن الحصار والفقر بالطابون والصابون

صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها قطاع غزة ، دفعت مجموعة من نسائه للبحث عن
فرص للعمل بما يتناسب مع طبيعتهن ليكن شقائق للرجال في تحمل أعباء المعيشة التي
باتت بحاجة للمزيد من العمل كي تتوفر أدنى متطلبات الحياة بعد الحصار الذي يزداد
شدةً .
**البحث عن عمل
فتعتبر ام محمد التي تجاوزت الخمسين عاما وأما لعشرة أبناء ، وتسكن وسط قطاع غزة
مثالا للمرأة العاملة ، حيث تبدأ رحلة عملها اليومي منذ الصباح لتنتهي بعد أن تبيع
كل ما لديها من خبز الفراشيح ” الصاج ” الذي كان بمثابة الحل الوحيد لكي تخرج من
الازمة المالية .

فقد قررت أم محمد أن تخرج ولو قليلا من دائرة الفقر المدقع الذي تعاني منه
أسرتها ، وبحثت عن عمل لتحسين ظروف عائلتها المعيشية ، التي تقطعت بها السبل بعد
مضي أكثر من عام ونصف على الحصار المفروض على الاراضي الفلسطينية ، مما نتج عنه شح
في الاعانات التي تتلقاها أم محمد من الشئون الاجتماعية ، حيث يعمل زوجها كأجير
يتنقل بين مزارع الدواجن تارة وورش البناء تارة أخرى التي بدأت بالاختفاء من شوارع
غزة بعد أن طال الحصار .
**انطلاق العمل
فيما تحدثت أم محمد عن تجربتها فقالت ” فكرت بمشروع يحسن دخلي ، فأنا لا املك
رأس مال ، ولا أملك سوى عقلي وصحتي ، حيث خطر ببالي قبل عام أن أبيع خبر الفراشيح
في السوق ، لأن أهل غزة مشهورون بالفتة ، التي تحتاج الى ذلك النوع من الخبز ، حيث
خبزت أول مرة كمية قليلة وذهبت بها الى السوق ، ولم أعد الا عندما بعتها كلها .
وتابعت ” مع توالي الايام أصبحت معروفة في السوق ، وصار لي زبائن كثر ، وأصبح
لزاما أن أزيد الكمية ، فصرت أعجن كل يوم كيس طحين ” ، موضحة أن رحلة العمل تبدأ من
ساعات الفجر الاولى حيث أقوم أنا وبناتي وزوجات ابنائي ، بعجن الطحين يدويا ومن ثم
تقطيعه لنبدأ اصعب المراحل .

وأشارت أم محمد أنه تستخد الحطب بدلا من الغاز كوقود\ تحت الصاج ، لافتة الى أن
رائحة الدخان له تأثيرات سلبية على صحتها وصحة من يساعدها في عملية الخبز التي
تستغرق حوالي أربع ساعات قبل وصوله للسوق وهو طازج ، فيما تعودت أم محمد على رائحة
النار أثناء خبزها للفراشيح التي تعتبر الالذ بالنسبة للمواطنين الذين اصبحوا
يعرفونها في السوق ، ليشتروا منها الخبز الذي احبوه من يديها اللتين تعودتها على
حرارة النار ، حيث استطاعت أن تحاصر الحصار وتنتصر عليه .
**قصة نجاح
تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها ، لتجد نفسها بعد الثلاثة وعشرين عاماُ أماُ
لتسعة من الأبناء وزوجة لرجل هده المرض ، ولا يقوى على العمل ، ووسط هذا كله شح في
المعونات التي تتلقاها أسرتها من وزارة الشؤون الاجتماعية بعد طول الحصار الاقتصادي
والسياسي للأراضي الفلسطينية.

أم نائل تايه”37 عاما” التي مازالت تحتفظ بإشراقه وجهها رغم خشونة يديها
وتجعدهما من صعوبة العمل، فتصميمها على توفير “شيكل واحد”لأحد أبنائها التسعة لشراء
دفتر أو قلم دفعها للبحث عن وسيلة تؤمن رزق أفواه تسعة من الأبناء .
وعن تجربتها تقول أم نائل”منذ صغري وأنا أحب الاعتماد على نفسي، وبعد زواجي كنت
أربي الحمام والدجاج والبط لأبيعه في السوق ولنساء الحارة، ولكن رغبتي في تنمية
قدراتي وتحسين صورة أولادي ووضعنا المعيشي قررت إن التحق بإحدى المؤسسات التدريبية
لا تعلم صنعة تقيني شر السؤال”..!
وتواصل أم نائل حديثها :”قبل نحو عام التحقت بإحدى الدورات التدريبية التي
تقيمها مؤسسة تمكين المرأة بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ، ووقع اختياري على
دورة مكنتني في نهايتها من تصنيع مواد التنظيف المنزلية “.وكانت أم نائل خلال
الدورة تسجل كل صغيرة وكبيرة في دفتر أسمته دفتر”سر المهنة”، والذي تحتفظ به حتى
الآن لتطبق ما تعلمته خلال الدورة في تصنيعها لمواد التنظيف،وتتابع أم نائل
حديثها:” اشتري المواد الكيماوية وأقوم بتعبئتها في عبوات بلاستيكية،حيث تشتري نساء
الحارة وبعض الجمعيات المحلية ما أنتجته في المنزل، واغلب النساء يشترين “دين” لحين
نزول الراتب”.

وتقول أم نائل أن كل شيء يهون أمام توفير عشرة شواكل يوميا لعائلتي المكونة من
طلبة جامعات ومدارس وثانوي وإعدادي وابتدائي، وكلهم والحمد لله أوائل الطلبة.
أم نائل التي اشتهرت وسط جاراتها بتربية الطيور سابقا وتصنيع مواد التنظيف
حاليا، والتي لا تتعدى شهرتها حدود حارتها التي تسكن فيها في مخيم دير البلح مصممة
على تحسين إنتاجها وظروف معيشتها، وتطمح لشراء ماكينات لخلط المواد الكيماوية آليا
بدلا من خلطها يدويا، وذلك عندما تتحسن الأحوال الاقتصادية على حد قولها.
أم محمد وأم نائل هما قصتان حيتان من عشرات القصص في قطاع غزة لنساء يحاولن
تحسين ظروفهن الاقتصادية المتردية، بكل ما أوتين من قوة ، ليكتبن قصص انتصار أخرى
على الحصار، الذي طال وزلا يعرف له نهاية.