فرن الطين.. بالتراث تعيش الأسرة الفلسطينية

العجوز”أبو زياد الزعبوط”الذي أُعجبّ بزوجته بينما كانت تحلب الجاموسة في صعيد مصر، فقررّ أن يخطبها ويصطحبها معه إلى فلسطين، بكى بكاءً مريرًا وكأنه”طفل رضيع”عندما سألته”ماذا يعني له فرن الطين؟”ليجيبني”التاريخ يا بنتي”!
يُحاول”أبو زياد”الذي وُلدّ عام 1918م أن يُقلب صفحات حياته معرجًا على نضالات الفلسطينيين وجهادهم وصراعهم الطويل مع الانتداب البريطاني تارةً ومع الاحتلال الصهيوني تارةً أخرى، غير أنه نسيّ نفسه وهو يصف لي مشهدًا داميًا تكررّ معه كثيرًا خلال الانتفاضتين حيث قال ودموع عينه تنهمر: “كان اليهود يُداهمون أرضي كثيرًا فهي لا يفصلها عن مستوطنة”نيتساريم”سابقًا سوى سلك بسيط، وعندما يقتحمون أرضي كانوا يضربونني ويربطونني بساق النخلةِ، وزوجتي تنظر إليّ وتبكي وهي تخبزُ على فرن الطين، وما أن ينضج خبز الطين حتى تأتي؛ لتطعمني إياه وهو ساخن؛ فينهرها الجندي الصهيوني؛ فترجعُ خائبةً!!.
واختتم”العجوز أبو زياد”حديثه معي قائلا:ً”أنتِ بنت اليوم، أنا لديّ بندقية من أيام الاحتلال البريطاني ولن أفرط فيها أبدًا.
مزايا فرن الطين
بدورها أخذت ابنته”وفاء”30عامًا تُعدد مزايا فرن الطين قائلةً:”يكفي أنه تراث أجدادنا وشاهدٌ على أصالة أرضنا وعراقة قضيتنا، لقد أبصرت النور وأنا أرى أجدادي وأمي وهم يخبزون عليه، إنه يحتلُ مكانةً خاصة في قلبي، بصراحة أشعرُ بالفخر كلما جلستُ أمامه وأوقدتُ ناره وأعددتُ طعام عائلتي من خلاله”.

فرن الطين

وتضيف وفاء وعيناها تبرقُ بحب التراث”إن فرن الطين يُوفر الوقت والجهد والمال، لاسيما في هذه الأوضاع الصعبة حيث الحصار والفقر والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، إنه مشروع اقتصادي مائة بالمائة ومن خلاله تستطيع ربة البيت الفلسطينية أن تُسخر”الكراتين والأوراق المهملّة والمتساقطة من الشجر لخدمتها في إشعال فرن الطين”.
وتواصل”وفاء”حديثها وهي تخبز بنفسها الخبز على فرن الطين”بإمكان ربة البيت أن تطهو طعام صغارها عليه وأن تصنع الحلويات من خلاله؛ فتريح نفسها من الأعباء المالية التي تنتج عن اسطوانات الغاز و”طنجرة الكهرباء”.
فرن الطين والأسرة
وأكدت”وفاء”التي أخذت على عاتقها عهدًا بحفظ تراث أجدادها وتوريثه لأبنائها وأحفادها من بعدها أن فرن الطين يُوطد العلاقات الاجتماعية ويزيد من تماسك وترابط الأسرة، من خلال جلستهم الطيبّة أمام فرن الطين وهم يترقبون خروج الخبز الساخن؛ ليأكلوه مع الزعتر والزيت.
وتمنت”وفاء”على كل ربة بيت فلسطينية أن تُعيد مجد أجدادها، منوهةً أنها على استعداد لبناء وصناعة فرن الطين وتقديمه هدية لكل من ترغب في إحياء معالم الأصالة، لاسيما وأن فرن الطين يعتمد في بنائه على الطين والتبن والماء.
ولفتت”وفاء”إلى أن هناك بعض الأسر التي تضيفُ لفرن الطين أصداف البحار وبعض الأحجار وهناك من يصنعونه بالأسمنت كنوعٍ من الزينة، وأكدت أن أشكال فرن الطين تتنوع ما بين المربع والدائري والبيضاوي كما أن أحجامه تختلف أيضًا.

فرن الطين

من جابنها قالت”مريم”32عامًا:”ليس شرطًا أن يكون عند ربة البيت أرضًَا حتى يكون لديها فرنًا من طين، بإمكانها صنعه فوق سطح منزلها أو تخصيص مساحة له.
معركتنا معركة حضارة ووجود
وشددتّ”مريم”خلال حديثها معنا على أن الزوجة الذكية هي التي تحرص على إطعام زوجها لقمةً هنيةً؛ تُعيده من خلالها إلى ماضي أجداده العريق والمشرق مختتمةً حديثها بقولها:”معركتنا مع الاحتلال هي معركة حضارة ووجود فيا حبذا لو تمسكنا بتراث الأجداد سنشعر بالسعادة وننتصر بإذن الله”.
من جانبها قالت”إيمان”حفيدة العجوز”أبو زياد”:ما أن أشم رائحة خبز الطابون حتى أسارع إلى بيت جدي؛ لأتمتع برؤية جدتي وعماتي وهنّ يخبزن على فرن الطين ويصنعن”المناقيش”وهو خبز عليه زعتر أو دقة وزيت، معربةً عن سعادتها البالغة لنشأتها في بيتٍ يهوي الأصالة ويعرف قيمة التراث.
بُوركت جهودك جدتي
ختامًا تحية للجدة الفلسطينية التي استطاعت بحبها لأرضها وعشقها لتراثها واعتزازها بأصلها وعاداتها أن تُعلمّ حفيدتها في غزة كل ما يوطد العلاقة بالأرض والإنسان فعلّمتها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ صناعة” فرن الطين” وكيفية إنتاج “خبز الطابون”؛ لتبقى هذه العادة التراثية أقوى من كل محاولات الطمس والتهويد، ولتظل إلى الأبد عنوان المرأة الفلسطينية الرافضة للتوطين والتهويد والمصرّة على العودة والتعويض مهما كلفها ذلك من متاعب وهموم.