كان حلمهم بسيطا نقيا، أن يرسموا ابتسامة على وجه طفل مريض ابتلاه القدر بمرض متوحش لا يقوى على مقاومته.. أن يمدوا يد العون لإنسان بائس يحتاج لقطرة دم تنقذ حياته، أن يكونوا دائما بجوار زملائهم وأسرهم في وقت الشدة يقدمون لهم المساعدة الطبية والاجتماعية إذا احتاجوها، ليتذكر أولئك الأطباء وهم يخطون أولى خطواتهم في الحياة أن الطب ليس مهنة إنما رسالة.
هذا ما كان يحلم به منذ 5 سنوات مجموعة صغيرة من طلبة كلية الطب بجامعة عين شمس بالقاهرة، أفكارهم البسيطة الهادفة التف حولها الأصدقاء، فاتسعت الدائرة، وانضم إليهم عدد من الأساتذة لتزداد أنشطتهم، وتمتد حتى خارج أسوار الكلية، والآن استطاعوا أن ينشئوا جمعية لتكون نواة لمشروعهم الأكبر بأن تتحول مصر كلها إلى شريان عطاء كما كانت دائما.
في فبراير 2000, بدأت مجموعة من طلبة الكلية بتحفيز زملائهم على التبرع التطوعي المنتظم لتوفير كميات منتظمة من الدم للأطفال مرضى الدم والأورام, وذلك بهدف سد العجز في كميات الدم المتوفرة لعيادة أمراض الدم والأورام لمستشفي الأطفال الجامعي التابع لمستشفيات جامعة عين شمس. ومن ثم أطلق عليهم اسم شريان العطاء. وقد قام أعضاء المجموعة بتسجيل بيانات المتبرعين في جداول الاستدعاء لاستدعائه للتبرع القادم بعد فترة تم الاتفاق على أن تكون ستة شهور.
ثم كان التطور في فكر هذه المجموعة وأهدافها بعد الإطلاع على مطبوعات منظمة الصحة العالمية الصادرة في يوم الصحة العالمي 7 أبريل 2000 وكان شعار ذلك اليوم "توفير الدم الآمن مسئولية كل فرد منا".
وبذلك انتقل إليهم مفهوم الدم الآمن وضرورة الاهتمام بجودة الدم مع كفايته حيث لم يعد الانتظام في التبرع مرغوباً لتوفير دم كاف فحسب بل الأهم هو أمان الدم وفعاليته.
تزامن ذلك مع افتتاح المركز القومي لنقل الدم في نوفمبر 2000 مما أعطي فكرة المجموعة دعما من مؤسسة حكومية حديثة تحاول الوصول بمستوى خدمات نقل الدم بمصر إلى المستوى العالمي فتم التعاون مع المركز في تنظيم الحملات وورش العمل وبرامج التدريب لأعضاء المجموعة وتم زيادة عدد المتبرعين المسجلين في قاعدة البيانات كما تم البدء في نشر مفاهيم خدمات نقل الدم الحديثة مثل فصائل الدم الممتدة والتبرع بالمشتقات, وقد أمد شريان العطاء المركز القومي لنقل الدم بـ 30% من المتبرعين فى عامه الأول.
الجيل الأول
وبعد أن تخرج الجيل الأول من شريان العطاء جاء تكليف بعضهم للعمل فى المركز القومي لنقل الدم, ليضاف إلى رصيدهم بذلك الخبرة العملية من منظور طبي إلى جانب الوعي بالقضية من منطلق مجتمعي.
وفى صيف2004, أشهرت جمعية مصر شريان العطاء برقم 5658 لسنة 2004 لتجمع بين فريق شريان العطاء مع فريقين آخرين من المتطوعين فى نفس الكلية (طب عين شمس) هما رابطة أصدقاء مرضى الأورام ومشروع التكافل الطبي), ومن هنا لم يعد الهم توفير الدم لمستشفيات جامعة عين شمس فقط بل لكل مكان فى مصر اعتمادا على تصحيح المفاهيم ونشر الوعي بأهمية التبرع المنتظم.
تعاون مثمر
وفى نفس التوقيت تقريبا (عام 1999), كان طلبة هندسة القاهرة يخطون خطواتهم الأولى فى العمل التطوعي وكان من أهم أعمالهم حملات التبرع بالدم فى الكلية، تعددت الأنشطة بعد ذلك حتى أشهرت جمعية رسالة للأعمال الخيرية فى صيف 2000 لتكون البداية لنهر من العمل الخيري المتدفق كان من ثماره نادي رسالة للمتبرعين بالدم.
و فكرته كانت بسيطة, حيث قام المتطوعون بتجميع قاعدة بيانات ضخمة (3500) من الشباب المتحمس الواعي الذي أدرك حق المجتمع عليه وجعل من الدم الذي يجري في عروقه شريان الحياة الذي يعطي الآخرين فرصة للحياة الطبيعية.
بدأ العمل بهذا المشروع في 1/7/2003 حيث تم بعد ذلك إبلاغ المستشفيات ببدء خدمة توفير المتبرعين في الحالات الطارئة وقد تم بالفعل خلال هذه الفترة إنقاذ أكثر من 165 حالة.
قاعدة كبيرة من المتبرعين إلا أنهم ليسوا منتظمين, وطريقة العمل تعتمد فقط على حل المشكلة بصورة جزئية. . . أي لا يتبرع أحد إلا عند الطوارئ. فالحماس موجود والنية الطيبة ظاهرة لكن ينقصهم الوعي بأبعاد احتياجات مصر من الدم وهى التي تفوق بعدة أضعاف ما هو متاح حاليا.
التقى المتطوعون بجمعية رسالة مع المتطوعين فى شريان العطاء قدرا فى بداية عام 2004. فتعارفوا وتم الاتفاق بعد عدة مقابلات على التعاون وتنسيق الجهود فيما بينهم فتم نقل الخبرة والوعي من شريان العطاء إلى رسالة الأوسع انتشارا وأكثر عددا, ليثمر هذا التعاون بعدة إنجازات:
بدأت حملات رسالة الشهرية فى كل فروع رسالة من إبريل 2004, وتهدف هذه الحملات إلى إنشاء قاعدة بيانات للمتبرعين المنتظمين على أساس الفصيلة الممتدة, وتكون هذه القاعدة لصالح مرضى الدم المزمنين كمرضى أنيميا البحر المتوسط والهيموفيليا.
وقد تم تكريم المتطوعين من الجمعيتين فى منظمة الصحة العالمية / المكتب الإقليمي لشرق المتوسط بمناسبة اليوم العالمي للمتبرعين بالدم تكليلا لمجهودهم البارز في هذا المجال.
و إيمانا من الجمعيتين بأن دورهما هو توفير الدم لكل المصريين، تطورت فكرة مشروع التبرع المنتظم بالدم وها هو قد أصبح حقيقة..وتم إطلاق موقع للجمعية على شبكة الانترنت لتسهيل التواصل مع المتبرعين سواء داخل أو خارج مصر وهو http://www.shoryan.com ويتم من خلاله أيضا تنظيم عمليات التبرع المنتظم بالدم.
التجربة الأولى
صعوبة هذه التجربة أنها كانت الأولى بلا سوابق يمكن الاستفادة منها، فوضع هؤلاء الشباب لأنفسهم النظم التي يسيرون عليها، واجتهدوا في التغلب على العقبات التي تواجههم، وحققوا في البداية نجاحات بسيطة لكنهم كانوا سعداء بها؛ لأن "السير ولو ببطء معناه أنك لا تقف مكانك".. هكذا يصف د.علي النشار سكرتير عام جمعية مصر شريان العطاء بداية فكرتهم وتجربتهم، ويواصل قائلا: كانت البداية منذ 5 سنوات عندما قام بعض الطلاب بطب عين شمس بنشاط صغير داخل الكلية يسمى "مشروع التكافل الطبي" الذي يوفر الرعاية الطبية لطلبة الكلية وأسرهم من الدرجة الأولى من خلال التعاون مع الأطباء أعضاء هيئة التدريس.
وما إن بدأ هذا المشروع حتى تبعه إنشاء رابطة لأصدقاء مرضى الأورام والتي من خلالها حاولنا أن نساعد مرضى الأورام في استكمال علاجهم ومواجهة كابوس الفقر؛ فمعظم المرضى تتوقف حياتهم العملية بعد الإصابة بالمرض، وكثيرا منهم يكون عائلا لأسرته، وتكلفة العلاج هائلة… وضياع لحظة واحدة قد تعني الكثير والكثير.
وبنفس الفلسفة قام مشروع التبرع المنتظم بالدم من أجل توفير دم آمن وكافٍ لمن يحتاجه، وكانت البداية بتغطية احتياجات قسم أمراض دم الأطفال بمستشفى الدمرداش (مستشفى كلية الطب – جامعة عين شمس).
وتجمع حول الفكرة العديد من الأساتذة والطلاب الذين يدركون قيمة وأهمية العمل التطوعي والذين يؤمنون بضرورة تحقيق التكافل في حياتنا؛ فهذه الرسالة النبيلة حثتنا عليها الأديان كلها، وبالفعل اتسعت دائرة الخدمات وانتظمت أنشطة المشروعات المختلفة، وحتى بعد تخرجهم واصل الزملاء أداء الرسالة، وسعوا إلى إشهار الجمعية لتكون إطارا يجمعنا، ولينقلوا الرسالة إلى خارج أسوار الجامعة، وحتى تكون الفرصة مواتية لكل من يريد المشاركة.
وبحماس شديد يلتقط د. محمد أبو جاد بالمركز القومي المصري لنقل الدم طرف الحديث ليضيف: "بالفعل نشاط المجموعة لم يعد مقصورا على كلية طب عين شمس فقط، إنما امتد إلى الخارج بالفعل، ووصل عدد أعضاء الجمعية حاليا إلى 120 عضوا، وهناك عشرات الأشخاص الذين اقتنعوا بالفكرة وكونوا مجموعات مستقلة في كلياتهم، مثل طلبة كلية الفنون الجميلة الذين ساهموا في تصميم شعار الجمعية، ومجموعة كلية الألسن والصيدلة بجامعة عين شمس، وهناك مجموعات ناشئة في أكاديمية الشروق وجمعية (رسالة) الخيرية.
نجاح ملموس
وعن مشروع التبرع المنتظم بالدم الذي كان من المشروعات التي حققت نجاحا ملموسا في توفير الدم الآمن لمحتاجيه يقول د. أبو جاد: الحمد لله اتسعت قاعدة المساهمين في المشروع حاليا إلى 1000 متبرع، وبدأنا نفكر في تطوير خدماتنا بحيث تكون هناك مجموعة محددة لكل مريض يتبرعون بالدم له بانتظام لتفادي الأمراض الناتجة عن تكرار نقل الدم من مصادر مختلفة.
وفكرة مشروع التبرع المنتظم بالدم قامت في الأساس لتوفير احتياجات الأطفال الذين يحتاجون إلى الدم بصفة مستمرة، مثل مرضى سرطان الدم، ومرضى أنيميا البحر المتوسط، وأمراض الدم بصفة عامة، بالإضافة إلى أن هناك فصائل نادرة لا تتوفر بسهولة وشراء الدم من محترفي بيع الدم يعد مغامرة غير مأمونة العواقب، فبالتالي جاء مشروع بتكوين قاعدة من المتبرعين يتم إجراء الفحوص اللازمة لهم والتأكد من سلامتهم وصلاحيتهم للتبرع، ثم تؤخذ بياناتهم، ويتم إعداد قاعدة بيانات لهم بعد تصنيفهم حسب الفصيلة والسن، ولا يغفل بالطبع تذكيرهم بموعد التبرع المنتظم كل 6 أشهر.
ويتم التبرع وفقًا لاشتراطات السلامة الطبية مع تحري أدق معايير الأمان للمحافظة على المتبرع والمريض، وأحيانا يتم الاتصال بالمتبرعين في حالة وجود طوارئ، والتبرع يكون جهدا تطوعيا لا مقابل له ولو حتى هدية صغيرة، بحيث يكون التبرع هو الدافع الوحيد. وبالفعل تم تنظيم العديد من الحملات داخل وخارج الكلية.
ويعد هذا المشروع الذي بدأ في فبراير عام 2000 هو أول مشروع في مصر يقوم على فكرة التبرع المنتظم، ويطبق نظام تسجيل واستدعاء المتبرعين المنتظمين بالتعاون مع المركز القومي لنقل الدم وبنك الدم الرئيسي لمستشفيات عين شمس، وذلك طبقا للمبادئ والأهداف التي تضعها منظمة الصحة العالمية (WHO) للوصول إلى تحقيق معايير الدم الآمن.
فاتحة خير
وعندما سألت د.محمد أبو جاد عن رؤيته للمستقبل قال والأمل يشرق في وجهه: نحن على يقين أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ونحن نأمل أن يكون إشهار الجمعية الذي تم في 28-6-2004 فاتحة خير على المشروع كله، فتتسع نشاطاته، وتمتد رسالته وخدماته إلى قطاعات جديدة، ونأمل أن نضيف عددا جديدا من مراكز الأشعة ومعامل التحاليل وتوفير الأدوية والنظارات الطبية لطلبة الكلية.
وغايتنا العظمى أن نقيم مستشفى التكافل لتقديم خدمة متميزة، سواء لطلبة الكلية أو لغيرهم ممن يحتاجون تلك الخدمات، بل وتشمل القادرين أيضا بمقابل معقول. كما نأمل في تطوير أداء وحدة علاج الأورام، وتوفير الأجهزة اللازمة للعلاج وتوفير أدوية العلاج الكيماوي بصفة مستمرة وثابتة لتلافي مشكلات توقف العلاج.
وبالنسبة لمشروع التبرع المنتظم بالدم نأمل أن ننشئ برنامجا للتبرع المنتظم بالدم وتقديم خدمات ومساعدات للمتبرعين المنتظمين، وكذلك تصحيح المفاهيم الخاطئة عن التبرع بالدم بهدف تغيير فكر وسلوك المجتمع تجاه التبرع بالدم، وإقامة وحدات فرعية من المشروع في عدد من أماكن التجمعات مثل الكليات والأندية والمساجد بهدف الوصول إلى قاعدة متبرعين قوامها 10 آلاف متبرع.
نتمنى أن يوفقنا الله إلى توفير التمويل اللازم لدعم كل تلك المشروعات؛ فتمويل المشروع لا يزال حتى الآن مقصورا على تبرعات الطلبة والأساتذة وذويهم.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69390
