لا يقف الإبداع عند حد الإعاقة مهما كانت طبيعتها ما دامت القلوب تنبض بالأمل والنفوس تطمح إلى حياة أفضل مغلفة باحترام وتقدير الذات ليس فقط في إطار محيطه الصغير بل على مستويات أوسع وأكبر.
أنامله كانت تنسل بين القطع الخشبية تنقش عليها لوحات إبداعية قد لا يتقن حفرها وتصميمها إنسان ملك الحواس جميعها دون خلل أو عجز أو آخر درس الفن التشكيلي وتفق فيه،فالنقش لديه ليس علماً واللوحات ليست صماء كإعاقته التي لازمته منذ سني عمره الأولى بل ملامح حياة وطموح وأمل مشرق بمستقبل يزهر ورداً فلاً يفوح شذا وعطراً، بلال غزال لم يتجاوز ربيع عمره الرابع والعشرين يعاني من إعاقة الصمم منذ طفولته، ما إن يتراءى طيفك أمام عينيه السوداويتين حتى يرسم ابتسامة الطفولة على محياه؛ يرحب بك بإشارات خاصة كثيرة تدل على حفاوة وسعادة تغمر قلبه فهناك من يهتم برؤية إبداعه الفني الذي يضمنه الأثاث الخشبي في معرض جمعية أطفالنا للصم بمدينة غزة.
في ورشة تصنيع الأثاث الملحقة بقسم التدريب المهني بجمعية أطفالنا للصم كان لقاؤنا بالشاب بلال غزال، ولأنه تعذر علينا التحدث إليه بغلته التي يفهمها ويتقنها “لغة الإشارة” استعنا بمسئول التدريب المهني حسام زقوت ليترجم إلينا باللغة العربية الناطقة تفاصيل حكاية بلال مع الإعاقة وكيف تغلب عليها ويضع قدمه على أولى خطوات المستقبل، يحدثنا بلسانه عن أحلامه وطموحاته عن آلامه ولحظات فرحه.
بلال قضى سنوات عدة حبيس جدران المنزل، لم يذهب يوماً للمدرسة ولم يكن ليعرف حروف اسمه أو أحداً من عائلته التي يعاني بضها من الصمم كما حاله تماماً، حياته كانت أشبه بسفينة تلاطمها أمواج البحر الغاضبة أحياناً؛ الهادئة في أحيان أخرى، بين ارتفاع وانخفاض وألم يخالجه حزن ومرار تراوحت مشاعر قلبه داخل جدران بيته، غير أن الذي كان يخفف آلام قلبه احتواء أسرته له وقربها منه فهو يتبادل معهم الأحاديث بالإشارة التي تعلمها منهم يبث فيهم همومه وآلامهم فيخففون عنه قدر استطاعتهم، يقول أنه منذ نعومة أظافره يهوى الرسم لم يترك زاوية في جدران غرفته إلا ضمنها خطوطه وألوانه، يبتسم قليلاً :” كنت مشاغباً كبيراً فقط في الرسم ” ، ثم يتابع :” لم تدم تفاصيل حياتي فقط دائرة بين جدران المنزل فما هي إلا سنوات قليلة حتى خرجت من أسواره العتيقة بحي الشجاعية بمدينة غزة، وكانت النقلة نوعية ومفصلية في حياتي القادمة ومستقبلي الآتي حيث انتقلت من مجتمعي الصغير إلى مجتمع أكبر في جمعية أطفالنا للصم تعلمت فيه الكثير كانت بالنسبة لي بيتاً آخر أحقق فيه كل ما يدور بصمت في خلدي يساعدني على ذلك حفاوة الاهتمام والتدريب التي نتلقاها ويجعلني أفخر بالانتماء إليها حسن المعاملة فيها ” ، مستطرداً :”بين جنباتها لا أشعر بإعاقتي فالكل يتكلم بالإشارة حتى الأصحاء وإذا ما تكلموا لفظاً أفهمهم بمتابعة حركات شفاههم ” ، يبتسم قليلاً وما يلبث أن يترجم بإشاراته لمسئوله حسام زقوت ما قلته بتمتمة لم يسمعها أحداً غيري لكنه التقطها من حركة شفاهي، حيث قلت “سبحان الله”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69402
