بالمشاريع الزراعية.. طمون تقاوم الاستيطان

الزراعة المغطاة نموذج ناجح في توفير محاصيل وفيرة

ما زالت الحاجة أم رشيد بشارات من قرية طمون قضاء محافظة طوباس تخرج مع ندى الصباح لتسارع بقطف ما زرعته أيديها الستينية في أرضها التي ورثتها عن زوجها المتوفى.
 
أم رشيد تجثو بنفسها فوق تربة أرضها المثقلة بهموم الاحتلال وحرمانها من المياه وتهديدها بالمصادرة، وتؤكد على أبنائها أن الأرض مثل العرض والذي يفرط بها يفرط بشرفه.
 
قلة المياه والظروف الاقتصادية والسياسية التي ألمت بقرية طمون أخذت عائلة الحاجة أم رشيد إلى سد حاجتهم المعيشية بالعمل بالمستوطنات الإسرائيلية القريبة، فيما كانت تعتمد الأرض على الزراعية البعلية التي لم تكن تؤتي أكلها.
 
 "الإغاثة الزراعية"  ومن خلال مشروع استثمار الأراضي، حاولت أن تصل إلى هذه العائلات في بلدة طمون من اجل توفير سبل العيش المستدام للأسر الفلسطينية، ولتكون من بين نماذج المشاريع الصغيرة التي تلبي احتياجات الأسرة الفلسطينية.
 
رزق حلال
رشيد بشارات، يؤكد ما غرسته به والدته وهو يعود اليوم إلى ارض أبيه، قائلا "الرجوع إلى الأرض كما الرجوع إلى حضن الأم بعد غياب طويل، كانت الظروف أقوى منا، فالأرض التي ورثناها عن والدنا لم تكن المياه تصلها وكنا نعتمد على الزراعة البعلية، حيث تزرع بالقمح والشعير ولم تكن زراعتها تسد رمقنا وتكفي حاجتنا".
 
ويضيف بشارات لـ"نافذة الخير"، تبلغ مساحة الأرض ستة دونمات بعد أن قامت الإغاثة الزراعية بمشروع خط المياه للأراضي الزراعية ومع صعوبة استصدار تصاريح للعمل داخل إسرائيل عدنا إلى أرضنا وزرعناها بالخضار، ولدي دونمين من البيوت البلاستيكية مزروعة بالندورة العنقودية وأربعة دونمات زراعة مكشوفة بالخيار الربيعي.
 
يتابع قالقول :"بالسابق لم يكن بوسعنا توفير المياه، ومن كان يوفر مياه لأرضه عن طريق الصهاريج المشتراة، وهذا مكلف ومجهد فطمون بأراضيها كلها كان هناك فقط 15 دونم يستخدم فيها البيوت البلاستيكية أما اليوم حوالي 500 دونم يتم بها استخدام هذه الطريقة، وتبلغ نسبة الزراعة البعلية فيها 995 دونم، أما اليوم فقد تغير الوضع كليا، وأصبح المواطن يعود إلى أرضه بقوة اكبر".
 
ويشير بشارات "كنا ثلاث إخوة نخرج للعمل بالمستوطنات الإسرائيلية لنأتي بلقمة العيش، اليوم جميع العائلة تعمل بالأرض وخمسين شيكل من ارضي باليوم أفضل من مئات الشواكل وأنا بهدم ارضي وبيتي ببناء المستعمرات".
 
واليوم ترتوي عائلة أم رشيد بشارات المكونة من عشرة أفراد بعرق أرضها وتأكل مما تنتجه أراضيهم المستثمرة، حيث أكدوا أن أرضهم تدر عليهم أربعة أضعاف ما كانت تنتجه سابقا، وقد باتت مصدر رئيسي لأفراد العائلة.
 
تنمية مستدامة
بدوره، قال محمد الزبن، رئيس جمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية المشرفة على المشروع بتمويل من الإغاثة الزراعية، أن المشروع أتاح فرصة كبيرة للمواطنين الفلسطينيين بإعادة الأمل لهم ولعائلاتهم بإيجاد مصدر رزق ثابت لهم، قد استهدف المشروع العاطلين عن العمل وعائلات الأرامل والشهداء منهم والفقراء وعمال المستوطنات الإسرائيلية ويبلغ عددهم 250 عاملا ويستفيد من المشروع 300 عائلة بمعدل سبعة أفراد للعائلة الواحدة.
 
وقد تم استثمار الأراضي البعلية في الزراعة المروية واستهدف 600 دونم بيوت بلاستيكية و600 دونم مكشوف أي حوالي 1200 دونم فكانت الفائدة مباشرة للعائلات مما وفر لهم حياة كريمة ومصدر رزق ثابت ونشط طمون زراعيا واقتصاديا وتم افتتاح محلات تجارية زراعية.
 
ويخرج من طمون يوميا سبع شاحنات محملة بالإنتاج الزراعي للأسواق المحلية، حيث ينتج الدونم الواحد 25 طن من المنتج الزراعي، ويصل الأسواق المحلية من70%-80% من إنتاج المشروع، كما وفتح أمامنا أسواق عالمية للتصدير إلى الخارج ففي الفترة الأخيرة تم تصدير 60-70 طن من منتج البندورة العنقودية لروسيا وفرنسا واسبانيا وهولندا.
 
مقاومة الاستيطان

هدفت المشاريع لحماية البلدة من غول الاستيطان

ووصف الزبن المشروع بأنه زراعي تنموي اجتماعي واقتصادي ويهدف إلى محاربة الاستيطان حيث تحيط طمون 3 مستعمرات إسرائيلية زراعية، ومعسكرين لتدريب الجيش وأكثر من 60% من أراضي طمون مقتطعة لتدريباتهم ومستوطناتهم وما زال الزحف الاستيطاني في توسع مستمر، خاصة مع وجود الخندق الذي يمر بأرضي طمون ويحرم المواطنين من خيرات أراضيهم.
 
وعن الصعوبات التي يواجهها الزراعي، طالب رئيس جمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية توفير شركات تسويقية فلسطينية حرة تكون مشتركة بين وزارة الزراعة والتعاونيات الأهلية حتى تتيح الفرصة لتسويق المنتجات الزراعية بالأسواق الخارجية، وإنشاء صندوق للكوارث الطبيعية كما ونطالب إنشاء شركات تامين زراعية.
 
وعلى رأس مطالبنا -كما أكد الزين- هي توفير المياه للأراضي الزراعية، حيث يمنع علينا حفر بئر لتجميع المياه من قبل السلطات الإسرائيلية فلا يوجد هناك عدالة في توزيع الحصص المائية، وما يستهلكه المواطن الفلسطيني لا يقدر بـ1% مما يصل للمستوطنات الإسرائيلية.
 
إنتاج أوسع
بدوره، قال خالد منصور، مسؤول العمل الجماهيري  بجمعية الإغاثة الزراعية :توجهنا إلى طمون عام 2006 بناء على طلب المزارعين وجمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية لانتشال أراضي القرية من سيطرة الاحتلال وإخراج المزارعين من حالة الفقر التي يعيشونها، فقامت الإغاثة الزراعية المساعدة في إيصال المياه إلى السهول الواقعة حول البلدة، فهناك ارض خصبة جدا وصالحة بكل المعايير لزراعة الخضار والأعشاب الطبية، وهو ما أكدت عليه تجارب بعض المزارعين الذين كانوا يزرعون في المنطقة ذاتها داخل البيوت البلاستيكية القليلة، والذين كانوا يؤمنون المياه لأغراض الزراعة بنقلها بواسطة تنكات المياه، الأمر الذي كان يكلفهم أموالا طائلة.
 
ويتابع منصور حديثه، مع بداية عام 2007 بدأت الإغاثة الزراعية تنفيذ مشروعها الكبير، والذي هو عبارة عن مد خطوط مياه بطول 5 كيلومتر من مصدر للمياه يقع شرقي البلدة ويتغذى من بئر مياه في منطقة واد الفارعة، ووصلت المياه بالأنابيب إلى أراض لم تعرف الزراعات المروية أبدا، وفي غضون شهور قليلة أقيم على الأراضي الجديدة 435 بيت بلاستيكي أقامه المزارعون من أصحاب الأراضي ( وهذا إضافة إلى 65 بيت بلاستيكي كانت موجودة سابقا ) ليصبح اليوم في أراضي طمون حوالي 500 دونم من البيوت البلاستيكية، تتغذى جميعا وبشكل دائم ومنتظم من شبكة المياه التي أوجدها المشروع كما ورويت 500 دونم أخرى بالمياه.
 
وقمنا أيضا بتقديم دورات تدريب وتأهيل زراعية ملحقة بالمشروع، وتم إنتاج الإعشاب الطبية، والبندورة العنقودية، والفلفل الملون، والتوت الأرضي، إضافة إلى كل أنواع الخضار الأخرى، والتي وجدت لها أسواقا في مناطقنا الفلسطينية، مما شجع جمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية بزيادة طول شبكة المياه ليصل طولها إلى 9 كيلومترات.
 
خطط مستقبلية

توفير المياه كان أحد اسباب نجاح المشاريع الزراعية

وعلى الصعيد نفسيه، قال منصور إن مشروع طمون يطرح البديل الممكن والواقعي للعمل في المستوطنات الأمر الذي من المفترض بالحكومة الفلسطينية وبسائر المؤسسات الأهلية وبالقطاع الخاص أن يفكروا بمثل ما فكرت به الإغاثة الزراعية وان يقيموا المشاريع الاقتصادية وخاصة الزراعية التي من خلالها يمكن حماية الأرض وتعزيز صمود الشعب وتقوية الاقتصاد الوطني وإيجاد حلول لآفة البطالة ولمشكلة العمل في المستوطنات.
 
وعن الخطط المقبلة للإغاثة الزراعية الفلسطينية، قال منصور :"نحن  على وشك البدء بتنفيذ مرحلة جديدة من المشروع تشمل إيصال المياه إلى منطقة سهل عاطوف شرقي بلدة طمون وهو سهل خصب جدا تبلغ مساحته آلاف الدونمات يقع بمحاذاة مستوطنة بقعوت الإسرائيلية المقامة على ارض تابعة لبلدة طمون".
 
 ومن المتوقع أيضا -كما أشار- أن تتغير طبيعة الحياة في منطقة عاطوف كليا مع وصول المياه الخاصة بالزراعة،  ونطمح أن يصل عدد البيوت البلاستيكية الألف بيت، الأمر الذي يعني أن كل عمال طمون سيتركون العمل في المستوطنات، وستتاح الفرصة حتما لعمال آخرين ليعملوا في المشاريع الزراعية المتوقع إقامتها في ارض سهل عاطوف ومنها مزارع العنب المزمع انشائها.