صناعة الفطائر طريقة نساء غزة للخروج من دائرة الفقر
في ظل الحصار الذي يُطوّق غزة من جميع الجهات وأمام براثن البطالة والفقر شمّرت المرأة الفلسطينية عن ساعديها للوقوف بجانب الرجل للتخفيف من المعادلة الاقتصادية الصعبة وإعانته في توفير لقمة نظيفة لصغارهم.
فطفا على السطح مؤخراً ظاهرة إعداد وصنع المعجنات والحلويات في المنزل بكافة أشكالها وأصنافها المختلفة ومن ثم تغليفها ومد المحلات التجارية والبيوت بها وحسب الطلب, ويعود ريعها على البيت فيخرجهم من دوامة الفقر والحاجة.
"أم تامر" 48 عاماً أم لثمانية أبناء وزوجها مريض وعاطل عن العمل منذ عدة سنوات, لجأت لصناعة الفطائر والمعجنات في بيتها حتى لا تمد يدها للآخرين وتترك أولادها يعانون ويلات الجوع والفقر.
وفي حديثٍ لـ"نافذة الخير" قالت "أم تامر": " منذ خمسة سنوات وزوجي عاطل عن العمل وأطفالي ثمانية يحتاجون للطعام والملابس ولهم الكثير من الاحتياجات.. والمساعدات التي تأتينا من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإنسانية لا تكفينا لأسبوعين".
من فكرة بدأت
إبداعات المرأة في غزة لا تتوقف
وبعد تنهيدةٍ طويلة تابعت :" لي ثلاثة من الأبناء يدرسون في الجامعات وكل فصل يحتاجون الرسوم وثمن للكتب ومصروف شخصي.. فمن أين سأجلب كل ذلك وزوجي لا يجد عملاً مناسباً له".
والثقة تعود لصوتها استدركت :"فكرت ملياً في الأمر وبدأت في صنع المعجنات والحلويات وبيعها لبيوت أهالي الحي.. ووجدت عليها طلباً كثيراً وساعدني أولادي في ذلك.. وبعدها بدأت المحلات التجارية القريبة من المنزل تطلب مني أن أعد لهم حتى يعرضوها".
وأكدت "أم تامر" أنها تقوم بإعداد العديد من أصناف الحلويات خاصة "الكعك " وعلى أرفف المحلات تصطف ثمرات جهدها, ومضت تقول :" هناك إقبال شديد على الحلويات التي أعدها لتمتعها بجودة عالية وطعم لذيذ".
وتعترف أن هذه الخطوة حسنّت من وضعهم الاقتصادي وجعلت أطفالها الثمانية يشعرون بالرضا، مضيفة أنها "لم تعد تحتاج للوقوف أمام الجمعيات الخيرية وانتظار مساعدات أهل الخير ورحمتهم.. وبت أعتمد على نفسي في كل شيء".
وتأتي محاولة النساء وربات البيوت لمساعدة أزواجهن بسبب سوء الأحوال المعيشية والاقتصادية في ظل الحصار الإسرائيلي الظالم المفروض على قطاع غزة منذ أزيد عن أربعة أعـوام.
لن نمد أيدنا
وفي ركنٍ آخر من الشارع المُقابل لمنزل أم تامر تعكف جارتها "أم سالم" على صناعة المُعجنات بأشكالٍ متنوعة وبيعها للمحلات المُجاورة والاستفادة من عائدها وتردف قائلة :" زوجي عاطل عن العمل وأطفالي ستة ..ولديّ موهبة ومهارة عالية في إعداد الفطائر فلماذا لا أستغلها ؟؟…"
وتابعت: "بالبداية كنت أُعد المعجنات لأقاربي وحسب الطلبة.. فمنهم من يكون عنده مناسبة ما أو مأدبة عشاء أو غداء فأقوم بإعدادها مقابل مبلغ من المال.. وبعد ذلك ذاع صيتي في المنطقة بالحي كله وبدأت الطلبات تنهال عليّ".
وأشارت إلى أن بعض المؤسسات الخيرية والداعمة للمشاريع الصغيرة بدأت في دعمها مالياً, وأعطتها رأس مال صغير لتنشأ مشروع في بيتها, وأضافت: "وبالفعل اشتريت الأدوات اللازمة وفرن كبير وبدأت بمشروعي الصغير.. وأحضرت بعض النساء الفقيرات لمساعدتي مقابل أجر من المال".
وقالت أنها تقوم بإعداد وبيع كل ما تصنعه في اليوم وتوزع على المحال التجارية وبعض المطاعم الصغيرة, مؤكدة أنها بمشروعها الصغير استطاعت أن تكفي أولادها الحاجة ومد اليد للآخرين.
والابتسامة لا تفارق وجهها تابعت: "بات أطفالي لا يشكون الجوع وقلة ما في اليد ولم يشعروا بأنهم مختلقين عن رفاقهم وأصدقائهم.. وتابعوا دراستهم بشكل منتظم واثنين منهم دخلوا الجامعة وسيتخرجوا خلال عامين".
الحياة أجمل
المشاريع الصغيرة أكدت نجاحها في جهود تمكين المرأة
"أم سمير" في العقد الخامس من عمرها وأم لعشرة أبناء, قررت أن تتجاوز حلقة الفقر التي تدور بها منذ وفاة زوجها واندلاع نيران الفقر في منزلها الصغير, فشمرت عن ساعديها هي وبناتها الأربعة وبدأت بصنع "الرقاق".
وعن فكرة مشروعها قالت أم سمير لـ"نافذة الخير" :"بعد وفاة زوجي وجدت نفسي وحيدة بدون معيلٍ يسندني وقت الشدة.. فأطفالي صغار ولا يستطيعون إعالة عشرة أفواه جائعة وسد جميع احتياجاتهم".
وتابعت: "ففكرت بمشروع يحسن دخلي دون أن أخرج من المنزل.. فأنا لا أملك رأس مال كافي يمنحني بداية قوية، ولا يوجد معي سوى عقلي وصحتي، وكنت أجيد عمل "الرقاق" وكل الحي يطلبوه مني".
وبثقة مضت تقول: " وحدثت نفسي لما لا أقوم بصنعها وبيعها في السوق.. وبالفعل صنعت كمية لا بأس بها ونزلت بها للسوق ولم أرجع للمنزل إلا عندما بعتها بالكامل.. وأعجب بها أغلب المشترين". وأشارت إلى أنها مع مرور الأيام أصبح لها اسمها في السوق وزبائن كثر, وأصبحت تزيد الكمية شيئاً فشيئا.
وبينت أنه بعد نجاح مشروعها لم تعد تفكر بعجاف الأيام القادمة وأي سواد سيحمله المستقبل, بل باتت تنظر للأيام بإشراق وتفاؤل وأعادت الحياة والبسمة لوجوه أولادها الذين يشيرون بالبنان لأمهم العظيمة.
وكانت تقديرات المؤسسات الإنسانية والإحصائية العاملة في الأراضي الفلسطينية قد أشارت إلى وقوع أكثر من 83% من سكان غزة تحت خط الفقر.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69568
