إحدى التعاونيات التي تقيمها نساء المغرب
تُشكل شجرة أرغان دعما لآلاف النساء القرويات بالمغرب في محاربتهن الفقر وتحقيق الحد الأدنى من المتطلبات الضرورية للعيش الكريم، من خلال الاشتغال في مجال جني وتهيئة وتحضير زيوت أركان المتنوعة.
وتنتظم عشرات النساء في إطار تعاونيات لتدبير عملهن ولتسويق منتجات زيت أرغان، الأمر الذي أفضى إلى تغييرات ملموسة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهؤلاء النساء وفي علاقاتهن الأسرية مع أزواجهن.
وجدير بالذكر أن المغرب يشتهر باحتضانه آلاف أشجار الأرغان ، Argan التي لا تنمو إلا في أراضيه خاصة في مناطق جبال الأطلس الصغير جنوب غرب المغرب، مما دفع منظمة "اليونسكو" إلى احتساب محيط شجرة أركان "إرثا غابويا إنسانيا"..
شجرة الفقراء
وتعد شجرة أركان أساس الاقتصاد في مناطق فقيرة جنوب المغرب منذ مئات السنين، وهي أيضا أساس النظام الإيكولوجي و بخاصة في المناطق الحدودية من الصحراء، وهي بمثابة أداة لمكافحة التصحر من خلال التكيف مع الجفاف وجذورها التي يمكن أن تصل إلى عمق 30 مترا ..
وتوفر أشجار أرغان لعديد من سكان المناطق القروية بعامة والأمازيغية بخاصة مزايا هائلة من بينها: ضمان الكلأ لماشيتهم والخشب لتدفئتهم وطهوهم، واستخدامها هياكل لدعم البنايات التقليدية، كما أنها عامل حاسم في مقاومة الجفاف وزحف الرمال، بفضل جذورها الممتدة في أعماق الأرض، وهذا يجعل منها خزانا مائيا صغيرا يحارب الظروف البيئية القاسية.
وتمثل غابة أرغان حوالي 7 % من المساحة الغابية بالمغرب، و يوجد جزء كبير من هذه المساحة في مناطق "سوس ماسة درعة"، ويعيش من شجر "أرغان" زهاء 3 ملايين، منها 2.2 مليون شخص يقطنون في المناطق القروية.
وهذا الرقم يبرز إلى أي حد تشكل شجرة أرغان مورد رزق لآلاف وملايين الأفراد بالمغرب سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي جعل كثيرين بالمغرب يسمونها شجرة "الحياة"، إذ تشتمل على منافع اقتصادية كبيرة، من أبرزها ما تدره من فرص عمل كثيرة سيما للنساء القرويات.
أرزاق الشجر
حفيظة، في عقدها الرابع تقطن في قرية تنمار بالقرب من مدينتي الصويرة وأغادير، و هي إحدى هؤلاء النسوة اللائي ارتبطت حياتهن بشجرة أرغان والزيوت المُستخلصة من ثمارها.
وشقت حفيظة لنفسها طريق الجهد والكد بعد أن كانت تكتفي بأعمال البيت التي لا تدر عليها ربحا، فاستطاعت ـ بفضل " أرغان " ـ تحسين وضع أسرتها من خلال رفع مدخولها لمساعدة زوجها في مصاريف البيت ومستلزمات العيش.
وبدأت علاقة حفيظة بأشجار أرغان منذ سنوات حيث كانت تقوم و بعض زميلاتها وجاراتها بجمع وجني ثمارها وتجفيفها ثم طحنها إما بشكل تقليدي بواسطة الرحى لاستخراج زيت أرغان للاستعمال الغذائي، أو بطريقة نصف ميكانيكية للحصول على زيوت ذات استخدامات طبية وصحية..
وتؤكد هذه السيدة القروية أن مستوى عيشها تحسن نسبيا مع مرور الزمن بعد أن انخرطت في تعاونية محلية تضم حوالي 40 امرأة لجني وإعداد ثمار أرغان من أجل تسويقها في السوق المحلية والأسواق المجاورة.
وترى حفيظة أن ثمن اللتر الواحد من زيت أركان مرتفع إذ يترواح ما بين 30 و 40 دولارا، وهو ما يجعل يُعجزُ أصحاب الدخل المحدود عن شرائه بالرغم من منافعه الصحية الهائلة، مضيفة أن تكاثف النساء القرويات في التعاونيات يجعلهن يتحدين صعوبات هذه المهنة وتقلباتها الكثيرة.
وأبدت هذه القروية وزميلاتها خشيتهن المساس بمصدر رزقهن بسبب اندثار شجرة الأركان وتناقص أعدادها ومساحاتها المزروعة بالبلاد وفي المنطقة بخاصة، الأمر الذي ينذر بمشاكل اجتماعية واقتصادية لا حصر لها.
تعاونيات متخصصة
وتلجأ مئات القرويات إلى الانضمام إلى تعاونيات لتنظيم عملهن والدفاع عن حقوقهن إزاء محاولات بعض الوسطاء المتاجرين بزيت أرغان السيطرة على تسويق هذه الزيوت وعلى موادها، وأيضا من أجل تدبير أفضل للمداخيل التي يحصلن عليها من عملهن في تحضير منتوجات المستخرجة من الزيت.
وتقوم التعاونيات النسائية لإنتاج زيت أرغان بأدوار تنظيم وتسويق هذه الزيوت بمختلف أنواع استخداماتها وبخاصة في مناطق أغادير و اداوتانوت وتزنيت وتارودانت واشتوكة آيت باها والصويرة.
وتدعم هذه التعاونيات النساءَ القرويات اللائي يعشن من مردود أرغان الاقتصادي وأفراد أسرهن من خلال تدبير المداخيل عبر ضمان عرض وبيع المواد المرتبطة به.
ويعمل اتحاد التعاونيات النسائية لإنتاج وتسويق زيت أركان على توقيع اتفاقات وشراكات عديدة مع مؤسسات رسمية، من قبيل مؤسسة محمد الخامس للتضامن بغية تحسين الشروط السوسيو ـ اقتصادية سيما في منطقة الجنوب الشرقي من البلاد، فضلا عن تأطير تلكم النساء القرويات ومحو أميتهن وتدريس أبنائهن..الخ.
وكان للدكتورة زبيدة شروف، المتخصصة في بحوث شجرة أرغان، الفضل الكبير في تأسيس أولى التعاونيات النسائية بالمغرب من أجل تنظيم استغلال وتسويق زيت أركان نظرا لاهتمام مؤسسات وأسواق أوروبية كبرى به.
وتعتبر شروف أن الانخراط في تعاونيات تضم نساء قرويات بالأساس كان مفيدا لهن في الصُّعُد كافة ، مشيرة إلى أن تأسيس هذه التعاونيات لم يكن سهلا في بداية الأمر بسبب هيمنة عقليات ذكورية من طرف أزواج هؤلاء النساء الذين رأوا في خروج نسائهم "تمرداً" عليهم..
وتجدر الإشارة إلى أن عدد التعاونيات النسائية التي تخصصت في تسويق وإنتاج زيت أركان بالمغرب أضحى يتجاوز 140 تعاونية، من بينها أكثر من عشر تعاونيات نالت كل منها علامة تجارية تميز عملها في هذا المجال.
تحولات مؤثرة
ويؤكد الدكتور فؤاد السعيدي، الباحث في اقتصاد التنمية، أن انضواء النساء القرويات تحت نظام تعاونيات متخصصة تسير وفق أهداف محددة وبرنامج مُسطَّر أفضى إلى عديد من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في حياة هؤلاء النسوة العاملات.
ويشرح السعيدي أن أول التغيرات التي أحدثها هذا العمل المُنظم هو حدوث تحسن ملموس في حياة النساء القرويات العاملات في مجال استخلاص زيوت أرغان ، حيث ارتفعت مواردهن المالية ولو بدرجات مختلفة حسب اشتغال كل سيدة ومدى إنتاجيتها.
ويضيف الباحث أن تحسن مداخيل الأسرة القروية جعل أفرادها يغيرون من طريقة تفكيرهم وتدبيرهم الاقتصادي بل حتى الاجتماعي في كثير من أمور الحياة، حيث شرعوا باستغلال مواردهم الإضافية كشراء منتجات استهلاكية أو توفير بعض المال لتأسيس مشاريع رعوية أو تجارية بسيطة.
ويرى السعيدي أن عمل النساء القرويات في مجال أرغان ـ بالرغم من محدودية مداخيله المادية بالنسبة إليهن بخلاف ما يناله أصحاب الشركات المصدرة ـ فقد ساهم بشكل لافت في محاربة الفقر والهشاشة الاجتماعية في هذه المناطق الريفية إجمالاً.
وزاد المتخصص أن هذا العمل أيضا أحدث تغيرات كبيرة في العلاقات الزوجية والاجتماعية بين النساء القرويات العاملات وبين أزواجهن خصوصا، باعتبار أن الأزواج تقبلوا عن مضض خروج نسائهم ساعات طويلة للعمل في تعاونيات أرغان.
وأفضى هذا الوضع الجديد لديهم ـ بالنظر إلى انتمائهم القروي والريفي المتميز بطبيعته المحافظة ـ إلى نوع من تبادل الأدوار الأسرية بين الزوج وزوجته، وأضحى كثيرون ينظرون إلى التعاونيات على أنها تسببت في منح استقلالية مادية وحرية أكبر من المسموح به للنساء القرويات.
واقع صعب
ويتهدد رزق هؤلاء النساء القرويات من العمل في قطاع أرغان مصير غير واضح المعالم، لأن شجرته تعاني صعوبات عدة تنعكس سلبا على حياة السكان والأسر المرتبطة بها حياتيا ومعيشيا.
وقد أدى القطع المتكرر للأشجار والرعي المكثف في غابات أرغان إلى تقلص مجال هذه الشجرة الغابي بشكل ملموس بحوالي 600 هكتار كل سنة، مما جعل الخبراء والمهتمين بهذه الشجرة يدقون ناقوس الخطر، ويشددون على ضرورة إنقاذ الشجرة من خطر الضياع الذي يزحف رويدا رويدا..
هذا الواقع الصعب الذي آلت إليه أشجار أرغان دفع بالمغرب إلى الاهتمام بالشجرة من خلال مؤسسات رسمية منها مؤسسة "محمد السادس للبحث وإنقاذ شجرة أرغان " التي أنشئت عام 2004، على يد أندريه أزولاي مستشار الملك ، التي تسعى إلى إعادة الاعتبار إلى شجرة "الحياة" ودعم الأبحاث العلمية التي تفيد في اكتشاف فوائد الشجرة وزيتها الشهير.
لكن يظل الاهتمام الرسمي ضئيلا بالمقارنة مع مؤسسات المجتمع المدني وجمعياته وتعاونيات السكان المحليين التي تحاول جاهدة أن تحفظ الشجرة من الانقراض، منها مشروع المحافظة على شجرة أرغان القاضي بتشجير 42 هكتار، بأكثر من 6700 شتلة من شجرة أركان المهددة.
ويهدف هذا المشروع أساسا ـ وفق القائمين عليه ـ إلى "تجنب أساليب استغلال هذه الشجرة عشوائياً ، وتسييج المناطق المغروسة كافة وتنظيم حملات توعية لفائدة السكان المحليين".
المصدر: إسلام أون لاين
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69601
