في غـزة.. طالبـات يخترعـن جهـاز للمكفوفيـن

الجهاز الجديد يتيح القراءة للمكفوفين بطريقة بريل

ينظـرن بأسى إلى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأعدادهم الكبيرة التي زادتها الحرب الإسرائيلية البشعة على غـزة قبل عامين ويهالهم المشهد الدامع من حصار يخنقهم وإمكانيات بسيطة تقعدهم عاجزين ينتظرون الموت.
 
غيـر أن الخمس شابات "أميرة.. ألاء.. إيمان.. رنا.. منى" وجـدن في مقـولة " من رحـم الألم يُولد الإبداع" خير حكمـة لتحويل حروفها إلى واقعٍ ملموس, يساعدن فيه الأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة من خلال مشروع تخرجهم من كلية الهندسة في الجامعة الإسلامية في غزة.
 
الطالبة أميرة الريس صاحبة 23 ربيعاً قالت في حديث لـ"انسان اون لاين" :" عندما جاء موعد مشروع التخرج فكرت كثيراً أنا وزميلاتي الأربعة في إنجاز مشروع يخدم شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة لنرسم البسمة على وجوههم الحزينة… ونساعدهم في تخطي جزء من سلسلة العقبات الطويلة المزروعة في طريقهم".
 
ومضت تقول: " وعادةً يتكون المشروع من فئتين الأول نظري والأخر عملي.. ولم يكن في ذهننا فكرة معينة للمشروع وفكرنا وتعثرنا… ولجئنا إلى المشرف لكي يساعدنا في اختيار فئة محددة من ذوي الاحتياجات الخاصة.. وعرض علينا شريحة المكفوفين".
 
البصير للمكفوفين
وتابعت بثقة: " راقتنا كثيراً فكرة تصميم جهاز ليساعد المكفوفين ويكون مرشدهم ونورهم للطريق الصحيح.. وذهبنا إلى مركز التقنيات المساعدة في الجامعة الإسلامية ليساعدنا في اختيار فكرة تساعد هذه الشريحة".
 
وأشارت إلى أن مركز التقنيات المساعدة  في الجامعة يوفر للطلبة المكفوفين التقنيات التي تساعدهم على تخطي سنواتهم الدراسية بسلاسة ومرونة, فتقوم بطباعة المناهج الدراسية، وتوفير المناهج المقررة بطريقة مسموعة، إلى جانب مساعدة الطلبة المكفوفين في تأدية الامتحانات النصفية والنهائية، وتدريبهم على الوصول لمصادر المعلومات بطريقة سهلة بواسطة التقنية الخاصة.
 
وأردفت: "وخلال زيارتنا للمركز عرض علينا المرشد أن نساهم في تطوير جهاز يساعد الأطفال المكفوفين على تعلم  القراءة والكتابة وبعض العمليات الحسابية.. وتحمسنا للفكرة وبدءنا على تنفيذها".
 
وبينت أن الجهاز الذي سيعملون على تطويره اسمه "البصير" وهو جهاز صنعه شباب قطريين لتعليم الأطفال قراءة الحروف وكتابتها بلغة "بريل" بطريقة اللمس وحصلوا على براءة اختراع له.
 
الحصار أعاقنا
وبأسى تابعت: " وللأسف الجهاز غير موجود في غزة إلا بشكل محدود جداً ولا يكاد يحصى بسبب الحصار المضروب على مدينتنا منذ أربعة أعوام على التوالي.. ودخل غزة عن طريق بعض المؤسسات المانحة و قوافل كسر الحصار".
 
وبينت أن الجهاز "البصير" يتكوم من جزء للقراءة وأخر للكتابة ومرفق ببطاقات للغة العربية والأرقام والحروف, واستدركت: " ورغم مميزاته إلا أن به عدة سلبيات أهمها أن الطفل لا يمكنه أن يتعامل معه لوحده بل يحتاج إلى مرشد سواء في المدرسة أو في المنزل لكي يساعده على إدخال البطاقات بشكل صحيح".
 
وأضافت: " كما أن حروف الكتابة عبارة عن مسامير صغيرة ومن الممكن أن تُشكل خطر على الطفل فهي مؤذية ليديه.. فكانت فكرة جهازنا المُطور هو تجاوز تلك السلبيات لكي يتعلم الصغار دون الحاجة لأحد بجوارهم وبشكل دائم.. ودون أن يتعرضوا للأذى بأي شكل من الأشكال".
 
وأوضحت أن الطفل الكفيف يتعلم الحروف بلغة "بريل" في مدة تتجاوز العامين أي في الصف الأول أو الثاني الابتدائي بيد أن الطفل الطبيعي يكون قد تجاوز هذه المرحلة في الحضانة, وأحياناً كثيرة يصل الطفل للصف الخامس والسادس الابتدائي وهو لا يفرق بين الحروف.
 
ومضت تقول: " فكرتنا كانت أن نختصر ثلاثة سنوات أو أكثر من عمر الطفل في تعلم اللغة والعربية والمواد الحسابية ليصبح مثل أقرانه البصراء ولا يختلف عنهم في أي شيء".
 
طورنا الجهاز
وأكدت أنهم قاموا بتطوير الجهاز فبدلاً من أن يكون يدوي أصبح كهربائي وأضافوا قطعة للصوت ومفتاح للقراء ويستطيع الطفل معرفة الإجابة الصحيحة أو الخاطئة بنفسه، فإذا كانت الإجابة صحيحة يقول لهه أحسنت وإن كانت خاطئة يعيد مرة أخرى, مضيفة: " بذلك يستغني الطفل عن المرشد وبإمكانه التعلم بأي وقت سواء بالمنزل أو المدرسة دون أن يحتاج للمساعدة من أحد".
 
وعن أبرز الصعوبات التي واجهتهم قالت: "في بداية مشروعنا تعثرنا بكثير من المعبقات أهمها أننا لم نجد قطعة صوت متوفرة في غزة ومكثنا أكثر من شهر بالبحث عنها… وبعد أن أغلقت بوجوهنا كل الأبواب بحثنا عنها في العديد من الدول العربية كمصر والسعودية وأيضاً لم تكن متوفرة".
 
ومضت تقول: " وفي نهاية المطاف وبعد بحث طويل اكتشفتا أن تلك القطعة موجودة في الأسواق الإسرائيلية واتفقنا مع مركز للإلكترونيات أن يجلبها لنا حتى وإن كانت بضعف الثمن وبالفعل استطاع شرائها ولكنها قوات الاحتلال رفضت إدخالها عن طريق المعبر".
 
وأكدت أنه بعد رفضت قوات الاحتلال الإسرائيلي إدخالها لغزة أصيبت هي وزميلاتها بإحباط شديد ولكن لم يفقدن الأمل واتفقوا مع شركة أخرى لجلبها لهم واستطاعت إدخالها لغزة بعد ستة شهور من المحاولات المتكررة.
 
براءة اختراع
وأشارت إلى أن الصعوبة الأخرى التي واجهتهم هي أن الجهاز خشبي ولم يقبل أحد من النجارين صنعه لهم لأن تكلفة عمل جهاز واحد تستغرق منه عمل 300 جهاز مما يسبب له خسارة فادحة, فاضطروا إلى صنعة يدوياً واستغرقوا وقت طويل في ذلك.
 
ومضت تقول: " ولم تتوقف المعيقات عند ذلك فعندما جاء دور البطاقات اضطررنا لحصرها يدوياً لعدم وجود جهاز حصر في غزة بسبب الحصار.. وكما أننا ثبتنا يدوياً المسامير في الجهاز حتى لا يؤذي الطفل نفسه أثناء استخدام الجهاز".
 
ونبرات السعادة تملأ صوتها تابعت: " ورغم كل المعيقات والصعوبات استطعنا تطوير الجهاز وبجهد شخصي.. واختبرناه في مركز النور للمكفوفين وحظي بإعجاب جميع المدرسين واستمتع الأطفال باستخدامه".
 
وعن تكلفة الجهاز قالت أميرة: " كلفنا الجهاز حوالي 3000 شيكل ما يعادل "700 دولار" ما بين محاولات صحيحة وخاطئة وقطع معطوبة وأخرى تفسد.. وبنهاية المطاف وحتى المحاولة الأخيرة كانت تكلفة الجهاز 800 شيكل ما يعادل "250 دولار".
 
وعن أحلامهم وطموحاتهم باختراعهم الجديد أردفت: "بالبداية نسعى للحصول على براءة اختراع لجهازنا.. ونبحث عن أحد ليمول المشروع لكي ينتشر الجهاز في العالم كله وتستطيع كافة شرائح المجتمع استخدامه".
 
وأوضحت أنهم يتطلعون لتطوير الجهاز بحيث يحتوي على العديد من اللغات كـ" العربية والانجليزية والفرنسية وغيرها..", ويأملون أن يصنعوه بمادة أخرى غير الخشب ليصعب كسرها.