مؤسسة دار الطفل العربي.. تاريخ عريق ينبض بالخير

ملعب مدرسة تابع للدار

اقترن اسمها بالعطاء، فلم تغب شمسها للحظة عن القدس الشريف محتضنة بدفء أشعتها أبناء شعبها منذ عام 1948 عندما آوت مؤسستها المحسنة هند الحسيني الأطفال الناجين من مجزرة دير ياسين واحتضنهم في منزلها، ومنذ ذاك التاريخ والدار لم تغلق أبوابها أمام الأطفال المحتاجين والأيتام.
 
لم تملك الحسيني حينها سوى 183 جنيها فلسطينيا إلا أنها آثرت أن تسخرهم من اجل خدمة الأطفال الذين رأت بهم مستقبل فلسطين، فما زالت كلماتها تتردد صداها في زوايا صرحها الإنساني الكبير الذي شيدته بدموع عينيها عندما قالت " آليت على نفسي أن أعيش بهم والأطفال أو أموت معهم  إذ تصورت وكأن الشعب الفلسطيني سوف يمحى وينقرض….لو مات الأطفال!! وكيف يمحى شعبنا العظيم!؟ لا.. وألف لا..!".
 
مسيرة حافلة
تروي مديرة مؤسسة دار الطفل العربي  ماهرة الدجاني لـ"إنسان اون لاين" رحلة الخير التي مرت فيها المؤسسة منذ نشأتها بعد النكبة، والتي لم تتجاوز حدودها في بداية الأمر سوى غرفتين احتضنت 55 طفلا يتيما هربوا من نيران المجزرة إلا أن إرادة العطاء والخير عند مؤسستها فاق التصورات، فبات صرح خيري سجل من تاريخ القدس، وعرفت بالجمعية ثم تحولت إلى مؤسسة تضم العديد من الانجازات.
 
 وتسرد الدجاني تلك المراحل مبينة، بعد أن أصبحت الدار جمعية بدأت تتلقى المساعدات المادية من الأصدقاء وأهل الخير من الوطن والشتات وتمكنت من توسعة مساحتها بضم الأراضي المحيطة بها وأنشأت بها روضة ومدرسة للأطفال، وأصبحت بعدها مدرسة ثانوية بحلول عام 1967.
 
وتطورت الدار في عام 1969 وأضيفت مباني حديثة للمباني القديمة فضمت قسماً لمحو الأمية، وآخر للخياطة والتطريز. وفي عام 1970 بني القسم الداخلي بتبرع من الكنيسة الألمانية اللوثرية في بون، وفي العام 1982 تبرعت منظمة المؤتمر الإسلامي ببناء كلية آداب للبنات وأصبحت تمنح درجة البكالوريوس في ثلاثة تخصصات وهي: اللغة العربية وآدابها واللغة الانجليزية وآدابها والخدمة الاجتماعية.
 
وتهدف المؤسسة كما –تشير مديرتها- إلى تقديم العون والمساعدة للأطفال المحتاجين و الاعتناء باليتيمات وتوفير الحياة الكريمة لهن،  وتوفير التعليم لهن من خلال تأسيس مدارس لتعليمهن وتثقيفهن وتدريبهن من اجل الاعتماد على أنفسهن، بالإضافة إلى الاهتمام بالنشاطات اللامنهجية وتوفير الجو الملائم لها ، وإنشاء النوادي الأدبية والعلمية والفنية والنشاطات الرياضية وتنمية الهوايات، كما وتهدف المؤسسة الحفاظ على الثقافة العربية والتراث الفلسطيني.
 
أقسام الخير
وتضم المؤسسة العديد من الأقسام، منها القسم الداخلي الذي يوفر الرعاية الصحية والأكاديمية والاجتماعية لليتيمات وذوات الحالات الاجتماعية الخاصة وتشرف عليه مديرة و7 مشرفات. وفي وقت سابق، تذكر الدجاني أن القسم كان يضم 300 طالبة يتيمة من مختلف أنحاء فلسطين ولكن بعد إغلاق قطاع غزة لم تتمكن أكثر من 150 طالبة من القسم العودة بعد ذلك، فتقلص عدد الطالبات بشكل ملحوظ بسبب ظروف الاحتلال والإغلاق الذي صاحب الانتفاضة ،وتضم المدرسة حوالي 1000 طالبة منهم 103  طالبة يتيمة لا يدفعون رسوم دراسية، و120 حالة اجتماعية خاصة.
 
أما القسم الثاني الذي تتكون منه عبارة  عن حضانات وروضات تعتني بالأطفال حتى عمر ست سنوات وبعدها يتم إرسال الأطفال الذكور الأيتام إلى دار خاصة بهم، أما الفتيات يلتحقن بالمدرسة التابعة للمؤسسة حتى يكملن تعليمهن الثانوي.  
 
أما فيما يتعلق بالدور الثقافي والتراثي الذي تقوم به المؤسسة، تشير مديرتها إلى  متحف التراث الشعبي الذي أسس عام 1978   في بناية قديمة عمرها أكثر من 250 سنة وجهز على مستوى عالي بوسائل حماية معينة، ويحتوي على مجموعة قيمة من الحلي والملابس من مختلف مناطق فلسطين وأدوات طبخ قديمة وقش ونحاس وغيرها من الأدوات التقليدية، وحظي المتحف باهتمام واسع فزاره منذ تأسيسية الآلاف من الطلاب والوفود المحلية والأجنبية.
 
ويهدف المتحف إلى حفظ التراث الشعبي الفلسطيني من الضياع و النهب و التشويه من قبل الاحتلال، كما يهدف إلى عرض التراث الفلسطيني بأسلوب يليق به و إبراز الجوانب الحقيقية له والتي تتعرض لمحاولات الطمس و السرقة.
 
كما يتبع للمؤسسة قصر أديب العربية، الذي أقيم في دار إسعاف النشاشيبي للثقافة والفنون ويحتوي على مخطوطات وكتب قيمة وفيه مكان خاص للمعارض وتقام فيه محاضرات وأمسيات شعرية ومعارض متنوعة، وفيه أيضا تم تأسيس مركز للأبحاث الإسلامية يعمل على إصدار عدة أبحاث تراثية وفكرية، ويضم العديد من المخطوطات النادرة.
 
صعوبات وطموحات

مجموعة من الأطفال نزلاء الدار

ونوهت الدجاني إلى الصعوبات والتحديات التي تواجهها المؤسسة حتى تبقى قائمة بخيرها وعطائها الإنساني داخل المدينة المحتلة.
 
موضحة " إن المؤسسة تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخيرية التي لا تغطي المصاريف الجارية من فواتير مياه وكهرباء التي تكلف عشرات الآلاف من الشواكل ناهيك عن تكلفة رواتب الموظفين التي تبلغ 250 ألف دولار، وما تقدمه المؤسسة للموظفين رواتب زهيدة مما قد يؤثر على المدرسة سلبا عند اضطرار المدرسين الأكفاء لمغادرتها  والعمل في مؤسسات أخرى بسبب الظروف المادية الصعبة، كما أن مؤسسة دار الطفل العربي لا تتلقى مساعدات من بلدية القدس، فالوضع المالي اثر كثيرا على عملية إنتاج الإصدارات الثقافية والدراسات واثر على كثير من الأنشطة والمشاريع التي كنا نقوم بها.
 
وتطمح مؤسسة دار الطفل العربي  إلى ترميم دار إسعاف النشاشيبي للثقافة و الفنون و الآداب و تزويدها بأجهزة تدفئة، وترميم مبنى الإدارة، وتغيير شبكة الكهرباء للقسم الداخلي، وشراء حافلة لتسهيل طلبات و مهمات المؤسسة، وتوفير التدفئة و التكييف للمكتبة الثانوية و قاعة طعام للقسم الداخلي.
 
وتنوي المؤسسة إلى إنشاء مبنى يتضمن غرفا صفية و ملاعب داخلية و بركة سباحة و قاعة احتفالات و مواقف سيارات ومخازن، وبناء غرفة للحراس و غرفة انتظار للمراجعين، كل ذلك وغيره نتطلع إلى انجازه من خلال أهل الخير الذي نطمح بمساعدتهم.
 
وتؤكد الدجاني إلى ضرورة مساعدة المؤسسة في عملها الإنساني والخيري بمدينة القدس مشيرة " إذا لم يتم دعم المؤسسة لم يكون هناك دار الطفل العربي أو غيره، فصمود القدس من صمود مؤسساتها وأهلها وأطفالها ووجودنا هو عنوان للمدينة، وهي رسالة ابعثها لأهل الخير والعطاء في العالمين العربي والإسلامي إلى ضرورة الالتفات إلى أهل القدس ومؤسساتها من اجل تعزيز وجودها ودعمها حتى تبقى راسخة وقائمة بالأرض".