الشيخ عز الدين التميمي في ذمة الله ونافذة الخير تستذكر أعماله الخالدة

شيع أمس السبت (5-6-2008) جثمان المرحوم الشيخ عزالدين الخطيب التميمي الذي انتقل الى رحمة الله تعالى فجر أمس الاول حيث وري الثرى في المقابر الملكية الأردنية بعد الصلاة عليه في مسجد الملك الحسين بن طلال.

والفقيد التميمي من مواليد الخليل عام 1928 حصل على الشهادة العالية مع الاجازة في القضاء الشرعي عام, 1951 والتحق فيما بعد بكلية الشريعة بالازهر الشريف فنال الشهادة العالية.

وكان المرحوم شغل عدة مناصب رفيعة منها, وزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية, والمفتي العام للمملكة, ومستشارا للعاهل الأردني للشؤون الاسلامية قاضي القضاة, وعضو مجلس الاعيان, ورئيس مجلس امناء جامعة آل البيت, ورئيس هيئة المركز الاردني لبحوث التعايش الديني.

وتتقدم “نافذة الخير” بأصدق مشاعر العزاء لعائلة الفقيد وللعرب والمسلمين, مستذكرة أعماله في المجال الفقهي والفكري, واسهاماته على الصعيد الانساني, وتعيد نشر دراسة له بعنوان: “الأسس الفكرية لحقوق الانسان في الإسلام”.

وفيما يلي نص الدراسة:

الأسس الفكرية لحقوق الإنسان في الإسلام

الشيخ عزالدين الخطيب التميمي(1)

عندما بزغ فجر الإسلام، كانت المجتمعات البشرية بأسرها تئن تحت وطأة الاستغلال والاستعباد والتبعية والطبقية، ووأد البنات، وافتراس الأقوياء لجهود الضعفاء، وضياع الحقوق والتنكر لها، ولم يكن في موازين الناس شيء يسمى حقا يقام له وزن أو اعتبار، باستثناء ما كان للأقوياء وكانت شعوب العالم تنظر بلهفة إلى ذلك اليوم الذي تشرق فيه شمس الحرية على هذه الأرض المروية بدموع الحزن والعذاب.
فأخذ الإسلام ينشر نوره، ويعرف الإنسان موقعه في هذا الوجود، ويحدد له حقوقه وواجباته، وينظم علاقاته. فقرر في محكم نصوصه “كرامة الإنسان”
وحرم في صريح بيانه الاعتداء على حياته وعرضه وماله، وحرم كلّ شيء ينتقص من قدره، واعتبر كلّ ذلك ظلما. ومن حق المظلوم أن ينال حقه، ولا لوم عليه في ذلك ولا مؤاخذة ولا تثريب قال تعالى: ?ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنّما السبيل على الّذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم? (41 ـ 42 الشورى) فاللوم والمؤاخذة إنّما يقعان على الّذين يظلمون الناس، متجاهلين حقوقهم مختلسين جهودهم.
نعم، أعلن الإسلام مبادئه الأساسية في نطاق النظام الفكري، والسياسي والدستوري، والاقتصادي، والاجتماعي، وقدم الحلول الناجعة لمشكلات الحياة بأسرها.
ففي نطاق المبادئ الجوهرية السياسية والدستورية، أعلنت الشريعة الإسلاميّة مبدأ الشورى والمساواة والعدل والتعاون، وفي مجال الحقوق أعلنت كرامة الإنسان في معتقده ورأيه ومسكنه وماله، وفي مجال الأسرة قفز الإسلام بالمرأة من منتهى الإهانة إلى أعلى درجات الكرامة، فأعلن في نصوصه كامل إنسانيتها، وكامل أهليتها للحقوق والواجبات، وكامل تقديرها واحترامها، بل أكد احترامها في المعاملة بصورة تفوق احترام الرجال، ووضعها في مكانها الطبيعي الفطري في سلم المسؤولية، وسوى بينها وبين الرجل في التكاليف العامة، وراعى في أحكامه خصائص أنوثتها التي تجاهلتها الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، والى جانب ذلك فإن الشريعة الإسلاميّة أولت الطفل والطفولة عناية خاصة، تفوق مما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الطفل، فصححت مفاهيم البشر عن الطفل، وشرعت من الأحكام ما يلبي الحاجات الأساسية والفطرية له، وأوجبت على البشرية الاهتمام به، وتحقيق الرعاية الصحية والنفسية والعقلية له. وبينت حقوقه
الكاملة في أمواله وتربية وتعليمه، ووقايته من كلّ عوامل الضرر.
وقد وجه الإسلام نداءه للبشر جميعاً يعلن عليهم مبدأ المساواة بينهم في بشريتهم وانسانيتهم، وأنهم يقفون جميعاً في صف واحد أمام فرص الحياة، وأمام نعم الله فيها، وأنهم لا تمييز لبعضهم على بعض، إلاّ بمقدار ما يقدم الإنسان من خير للناس، واستقامة على منهج الله في طريق الحياة ?يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ? (النساء: 1) فالإسلام ردّهم إلى الأصل الواحد، باعتباره المنطلق الحقيقي للمساواة بينهم في خصائص الإنسانية من التفكير والتعبير والتعاون على الخير العام، وباعتباره منطلقاً للحقوق التي يرتكز عليها أمنهم واستقرار عيشهم، وتيسّر لهم أداء الرسالة التي خلقوا من أجلها، وهي عبادة الله تعالى رب هذا الوجود.
ومن الخطورة بمكان أن تكون حقوق الإنسان صادرة من الإنسان نفسه، لأنه بطبيعته متناقض في حكمه على الأشياء، وهو، إلى جانب ذلك، يتّصف بالأثرة وحب السيطرة، فتكون الحقوق حينئذٍ مجال عبث، ومصدرها الأقوياء الّذين يستبدون عادة بمصالح الضعفاء، فيسلبون الشعوب حقوقها، ويمنحون أنفسهم حقوقاً ليست لهم، فيسود حينئذٍ قانون الغاب، وهذا ليس في مصلحة الإنسان على الإطلاق.
نعم، إنّ الّذين يقومون بإصدار الإعلانات العالمية أو غيرها، هم أناس لهم خلفياتهم الثقافية والحضارية التي ينطلقون منها، ولهم نظرات خاصة ومصالح لا يستطيعون أن ينفلتوا منها، وهم، أن استطاعوا أن ينطلقوا أحياناً انطلاقاً سليماً من الناحية النظرية، فإن هذا الانطلاق لا يلبث أن ينحرف في التطبيق لما تقتضيه مصالحهم.
أما حقوق الإنسان في الإسلام، فهي ربانية المصدر، لأنها مشروعة من الإله
الحكيم العادل، خالق الكون والإنسان والحياة، وهو العليم بالإنسان، وبما يحقق له السعادة وبما يعرضه للشقاء، فهو العليم العلم المطلق بما يمنح الإنسان من حقوق، وبما يملي عليه من واجبات، وما يشرع له من أحكام يقف عند حدودها فلا يتجاوزها.
فالله تعالى هو المصدر الحقيقي الأمين الحكيم لتشريع الحقوق، وبيان الحقوق، ومنح الحقوق، وبخاصة فإن تشريعه ليس نابعاً من أثرة أو حقد أو كراهية، فالخلق كلهم عياله، وليس تشريعه نابعا من نظرة طبقية أو جهل بحقائق الأشياء، وإنّما هو أرحم بهم من أنفسهم، واعلم بهم وبأحوالهم وبما يصلحهم ويسعدهم حق الإسعاد، ويهديهم حق الهداية، قال تعالى:?قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، قل الله يهدي للحق، أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى، فما لكم كيف تحكمون، وما يتّبع أكثرهم إلاّ ظنّا، إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، إنّ الله عليمُ بما يفعلون ? (يونس: 35 ـ 36)

المصادر الشرعية للحق
تتألف المصادر الشرعية للحق من أربعة مصادر، هي:
1 ـ القرآن الكريم: وهو الأصل الذي تتفرع عنه المصادر الشرعية الأخرى، وهو المصدر الأساسي الذي تستمد منه أحكام الشريعة الإسلاميّة، بما فيها الأحكام المتعلقة بالحقوق والواجبات.
2 ـ السنة النبوية: وهي المصدر الثاني لأحكام الشريعة الإسلاميّة، ومنها الأحكام المتعلقة بالحقوق والواجبات، والسنة النبوية هي الأقوال والأفعال
والمواقف والتقريرات التي صدرت عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، تأكيدا لما جاء في القرآن الكريم، وتفصيلا وبيانا لإحكامه ومبادئه، والمسلمون ملزمون بالنزول على أحكامها ومبادئها، عملا بنصوص القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:
?وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا? (الحشر: 7)
3 ـ الإجماع: وهو القرار الإجماعي الذي صدر عن صحابة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ومثله القرار الإجماعي الذي يصدر عن علماء المسلمين في جيل من الأجيال في ضوء قواعد الشريعة ومبادئها العامة الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة والمسلمون ملزمون باتباعه، عملا بنصوص القرآن الكريم التي تحذر بشدة من مخالفة سبيل المؤمنين، مثل قوله تعالى: ?ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً? (النساء: 115)
4 ـ القياس: وهو الرأي الذي يصدر عن مجتهد في فروع الأحكام، انطلاقاً (2) من أحكام أصلية وردت في القرآن والسنة، والقياس أصل شرعي تثبت به الحقوق.

مفهوم الحق:
لكلمة الحق في اللغة عدة معان، يرجع أكثرها إلى الثبوت والوجوب (3) وقد استعمل الفقهاء هذه الكلمة في حدود هذا المعنى اللغوي ولم يخرجوا عنه إلاّ أنهم لم يذكروا للحق معنى اصطلاحياً فقهياً محدداً ويقول في ذلك الشيخ
علي الخفيف: استعمل علماء الفقه الإسلامي اسم الحق كثيرا في مواضع مختلفة وفي معان عديدة متمايزة ذات دلالات مختلفة، على الرغم من انتظامها في معنى عام يجمعها هو الثبوت، ومع كثرة استعمالهم له، لم يعنوا ببيان حدوده في مواضع استعمالاته المختلفة، بل اكتفوا بوضوح معناه اللغوي، ودلالته عليه، ووفائه لجميع استعمالاته في اللغة والعلوم ومخاطبات الناس وقد كشف الشيخ عبد العزيز البخاري في شرحه “كشف الأسرار” على أصول البزدوي: أن الحق هو الموجود من كلّ وجه، الذي لا ريب في وجوده(4).
وهذا التعريف ـ كما هو ظاهر ـ هو عين معناه اللغوي الذي تقدم ذكره.
وقد عني بعض المحدثين بوضع تعريف فقهي للحق، فقد استنبط الشيخ علي الخفيف تعريفا للحق من استعمالات الفقهاء المتعددة، فقال: ولا نبعد إذا ما ذهبنا إلى تعريفه في الفقه الإسلامي مذهبا نستمده من استعمالاتهم له متفرقة بأنه: ما ثبت بإقرار الشارع وأضفى عليه حمايته(5).
وفي تعريف آخر قال: ما كان مصلحة لها اختصاص بصاحبها شرعا، وقد قيد التعريف بإقرار الشارع، لأن الحق في شرعة الإسلام منحة من الله لعباده، ولا ينبثق إلاّ عن إرادة الشارع.
وممن عرفه من المحدثين أيضاً الشيخ مصطفى الزرقاء، حيث قال: الحق هو اختصاص يقرر به الشارع سلطة أو تكليفا، وذلك كحق الولي في التصرف على من تحت ولايته، فانه سلطة لشخص على شخص، وكحق البائع في طلب الثمن من المشتري، فإنه تكليف على الثاني لمصلحة الأول، وكحق الوارث في ملكية أعيان التركة الموروثة وحق الإنسان في منفعة العقار الموصى له بمنفعته، فانها سلطة لشخص على شيء(6).

*** لقراءة النص الكامل للدراسة حمل من الأعلى