أسْمَوْهُ “شاعر المقاومة الفلسطينية”، فاحتضن مُثُلَها وقِيَمَها … ثم تجاوزَ تلك التسمية بشعر إنساني ذي إطار أوسع. وحين لقّبوه “بالشاعر العربي الكبير”، أحب الوطن من محيطه إلى خليجه …. ثم مضى –شعرا- إلى ما وراء ذلك اللقب، إلى ما وراء تلك الحدود، منتشرا حيثما تتجلى الحضارة الإنسانية. وحين نادينا بالوصف الذي استحقه، أي “الشاعر العالمي” البارز، إنما كنا نعتمد على حقيقة انتشاره في عديد اللغات العالمية محققا باسم المقاومة والعروبة (ولو بشكل “غير مباشر”) الحضور العريض مقرونا بحصاد وافر لأرفع الجوائز العالمية. ومع أنه –فيما أعلم جيدا- لم يسعى إلى “جائزة نوبل”، فإنها، في ظني، كانت ساعية إليه. طبعا، عندها (لو أمدّ الله في عمره) كان هو الذي سيقرر قبول أو رفض تلك الجائزة التي تمناها كثيرون وسال لعابهم على فلوسها وبريقها!
وحقا، أصاب صبحي الحديدي كبد الحقيقة حين قال منصفا شاعرنا: “لقد احتل … محمود درويش موقعا فريدا قلما حظي به شاعر في الثقافة العربية الحديثة. (موقع) أشبه بنبيّ الأمة، والناطق المعبّر عن كيانها، وعرّافها الذي يستبصر أقدارها الماضية والحاضرة، وتلك الكامنة في مجهول لا يرى معلومه سواه، في السموّ والانتصار كما في الانكسار والهزيمة. ولقد توفرت للشاعر أسباب موضوعية وأخرى ذاتية صبّت في صالح مشروع درويش الشعري في حصيلته. ودوما أثبت حساسية فائقة تجاه تطوير لغته وأدواته وموضوعاته، خصوصا في العقدين الأخيرين في مسيرته الشعرية حين استقرت كثيرا معادلة العلاقة التبادلية الوثيقة بين تطوير جمالياته الشعرية وتطوّر نفوذه الأخلاقي والثقافي في الوجدان العربي”. وعلى امتداد مسيرته الإبداعية مضت سنوات طويلة مريرة على نضال الشعب الفلسطيني دون أن يفقد الشعب، ودون أن يفقد الشاعر، البوصلة.
فيا محمود، يا أيتها القمة الإبداعية، ويا أيها الصديق الحميم منذ ثلث قرن كامل من السنين الحلوة والمرّة (على قضيتنا وشعبنا وأمتنا، مثلما هي علينا شخصيا)، ويا من بدأت “تكرهني” (كما قلت مداعبا) بسبب إلحاحي الذي “لا مهرب منه” وذلك قبيل إكرامك لي ولزملائي بقبولك إضاءة حفل “مؤسسة فلسطين الدولية” بأشعارك (آخر حفل لك في الأردن الغالي). يومها، بادلتك المداعبة قائلا: “لا بأس يا محمود أن (تكرهني)، فقد جاء الوقت الذي بات عليك تجريب نوع جديد من العواطف تجاهي غير الحب”!!! واليوم، يا من “رحلت” ولم ترحل، أقول لك، ومعي جمهورك العريض المتزايد دوما، بأننا سنمضي في تجاوز قمم حبنا لك إلى قمم أعلى، مثلما تجاوزت أنت المضامين والأدوات التقليدية، ممتطيا صهوة حصان إبداعك الشعري والأدبي، صاعدا من قمة إلى أخرى أعلى. فيا “حضرة الحاضر” أنت، حضورك دائم معنا ولو عبر كوننا “في حضرة الغياب”. ويا حضرة من أصر على أن يكون دوما نفسه وليس غيره، أنت باق معنا بقاء نبض قلوبنا بل أكثر: باق معنا يا “محمود المنتصر” على النسيان بما تركت من تراث إبداعي جعلك تستحق أيضا لقب “محمود الفاتح” للآفاق الشعرية العربية وصولا إلى: العالمية!
ومع انقضاء شهر واحد (قوامه ثلاثين “دهرا”) على رحيلك الوجودي عنا، أقول: أين أنت الآن، عنا؟! الشوق إليك –والله- كبير. والوجع يا صديقي –والله- كبير. والحنين إليك وإلى لسانك الذكي اللاذع –والله- كبير. وآه كم أحن الآن إلى “جلسات البوح” يا محمود! حنينك إلى قهوة أمك. تلك الجلسات (نصف الشهرية أو الشهرية حسب ظروف السفر) التي كنا فيها، وكما هو متوقع، نتحدث في السياسة ثم في السياسة ثم في السياسة. وطبعا، لطالما تخلّلت اللقاءات تلك أحاديث الهم الشخصي، منقوعة بعبارات “السخرية المريرة” الفلسطينية، الممزوجة حينا بلسعات “المكر” الفلسطيني، وأحيانا بسهام “الاستغابة المحببة” التي أصبحت جزء من “تقاليد الجلسات الاجتماعية/السياسية/ الثقافية الفلسطينية (بل العربية) حيث تنطلق السهام عادة تجاه عدد من الأصدقاء و”الأعدقاء” و”غير الأصدقاء” المشتركين!!! ولشد ما ضايق محمود بين كل هؤلاء مخلوقات أقرب ما تكون إلى “الخفافيش البشرية”، ناهيك عن “الطواويس البشرية” الطاعمين لنا “حبا” في النهار و”كرها” في الليل!!! وطالما أن طلبك الأخير كان أن نتركك “ترقد بسلام”، أقول لك/ أبشر يا محمود فهؤلاء مصيرهم “جهنم” في الدنيا والآخرة، وأنت –حيث أنت في “جنة الخالدين”- طوبى لك خلاصك منهم، ومن وضع فلسطيني وعربي وإسلامي يزداد ترنحا تحت وطأة “خمر التخلف المعتق” فبات على شفا منزلق هاوية لا يدرء خطرها سوى “عودة الوعي”، وبالتالي الحركة، لشعوب طال تغييبها!
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69781
