كثيرون, دول وتنظيمات وصحافة واحزاب راهنوا على خلق هوة عميقة بين الاردن وفلسطين, ووفرت معاهدة وادي عربة وقبلها اتفاقية اوسلو ارضية لهؤلاء كي يبنوا عليها جبالاً من سوء النية بما يشكك بمواقف الاردن ودوره في مساندة النضال الوطني الفلسطيني من اجل اقامة الدولة المستقلة المنشودة.
هذه الجبال من سوء النية تهاوت في الايام العشر الماضية في امتحان غزة. فالاردنيون يتسابقون اليوم, ملكاً وحكومة وشعباً, في التعبير عن غضبهم العارم ضد الجريمة الصهيونية في القطاع. لقد توحد الاردنيون ضد العدوان الاسرائيلي, واهم من ذلك توحدوا في مساندتهم للفلسطينيين, فالاردن الرسمي كان السباق في الدعوة لاجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب من اول يوم للعدوان, والتأخير في عقد الاجتماع الى يوم الاربعاء, كان مخالفاً للرغبة الاردنية التي طلبت عقده يوم الاحد; اي في اليوم الثالث للهجوم الجوي على القطاع.
كان هدف الاردن من الدعوة العاجلة للخارجية العرب ان يتم التمهيد لقمة عربية طارئة, وبعيداً عن قائمة اسماء الدول العربية التي أيدت عقد القمة فان الاردن الذي لم يتخلف يوماً عن المشاركة بالقمم العربية كان سيكون في المقدمة لو تبين له ان القمة ستعقد بالفعل.
وفي خضم ما يجري من تجاذبات وانقسامات بين الدول العربية حول المسؤولية في التقصير والتباطؤ الحاصل في التحرك العربي لوقف العدوان فلم يصدر عن عمان ما يؤشر على ان المملكة طرف في اي انقسام او مواجهة بين الاطراف العربية, فما يريده الاردن ملكا وحكومة وشعباً هو وقف العدوان فوراً ومواجهة الوضع الكارثي الانساني الذي يعيشه اهل القطاع بسبب القصف والحصار.
لا يمكن للاردن ان يدافع او يساند اي موقف عربي يكرس اغلاق المعابر والحصار على القطاع, مثل هذا مناقض لسياساته التي لم تفكر يوماً باغلاق الجسور مع الضفة الغربية منذ عام 67 حتى بعد قرار قمة الرباط عام 74 باعتبار منظمة التحرير المسؤولة عن الضفة الغربية وايضاً بعد قرار فك الارتباط عام 87 في بداية الانتفاضة الاولى.
الاردن, بمواقفه السياسية والتاريخية, والتزاماته القومية تجاه الشعب الفلسطيني لا يمكن ان يفكر بمساندة اي موقف يبرر اغلاق المعابر والجسور امام الفلسطينيين تحت اية حجة او ذريعة, وان حرصه على وحدة الموقف العربي لا يتعارض مع هذه المواقف والالتزامات التي ميّزت السياسة الاردنية تجاه القضية الفلسطينية.
لقد تعالت الاصوات الشعبية خلال الايام العشر الماضية مطالبة بطرد السفير الاسرائيلي من عمان, وبالتأكيد لقيت هذه الاصوات صدى ايجابياً عند الحكومة ومجلس النواب. ويوم الاحد الماضي وجه رئيس الوزراء رسالة قوية الى اسرائيل في كلمته امام المجلس, بان الاردن لن يسكت على استمرار المجزرة وبانه اذا لم يتوقف العدوان فان مراجعة العلاقة مع اسرائيل هي احد خياراته المطروحة.
وبالتأكيد, فانه اذا ما اقدمت الحكومة على اجراء حاسم مثل طرد السفير الصهيوني فان المساندة الشعبية لهذا القرار ستكون شاملة وقوية, فالقناعة التي يتوحد حولها الاردنيون اليوم, ملكاً وحكومة وشعباً, هي ان ما يجري ضد غزة يجب ان يتوقف فورا وبان نتائج استمرار العدوان ستكون ابعد من حدود القطاع وبما يشكل خطراً داهماً على دول الجوار ومستقبل امنها واستقرارها.
وحشية العدوان تثبت ان اسرائيل دولة عنصرية كريهة لا تستحق ان تُحترم المعاهدات الموقعة معها, فاول شروط الاتفاقيات والمعاهدات المنفردة مع اسرائيل هي ان تكون جزءا من السلام الشامل. وبما ان اسرائيل تقضي بحروبها وجرائمها على هذا السلام فان ملف الصراع العربي- الصهيوني يعود عملياً وواقعياً الى مفترقات طرق وخيارات مصيرية على العرب اللجوء اليها ان استمرت الكارثة.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69786
