من يوميات الموت في غزة

في الجنة:
توزع الأم افراد عائلتها في الغرف الثلاث في المنزل عملا بقانون الاحتمالات. فاذا ما اصابت قذيقة غرفة ما، فان من يتواجدون في الغرفتين الأخريين سينجون من الموت.
يسقط صاروخ من الجو، فينهار منزل الطوب والصفيح. يموت الاب في غرفته، وتموت الام. وفي حضنها يموت طفلها الرضيع.
وفي الغرفة الثالثة يصاب الابناء الثلاثة. يحتضر اثنان منهم في عتمة البيت المهدوم. اما الثالث (محمد) وهو اصغرهم (12 عاما) فيأخذ بتفقد احتياجاتهما.
– ماذا تريداني ان اجلب لكما؟ يسأل محمد شقيقيه. فيأتيه أنين احدهما: اريد ماء.
يزحف محمد بين فراغات الركام، ويعثر على زجاجة ماء سالمة.
يطلب احدهما طعاما، ليس لجوع، وانما للتاكد من انه على قيد الحياة، ويستطيع تناول طعامه مثلما الاحياء. يزحف محمد ثانية عبر الفراغات الى ركام المطبخ، ويجلب له حبة من البندورة. لكن ما ان يصله حتى يجده جثة هامدة. يحمل حبة البندورة الى اخيه الثاني المحتضر، فيجده ميتا ايضا.
تمتد ساعات العتمة على محمد، وهو يزحف متنقلا بين جثث افراد عائلته: الاب، والام، والاشقاء الثلاثة. يمنحه شيوع الموت تحت ركام البيت فقير البناء قوة اضافية في مقاومة الخوف. يبحث عن فوهة للخروج من الركام فلا يجد، فيستحسن فكرة البقاء بين افراد العائلة.
يُسجي الصغير جسده بين جثتي شقيقيه الكبيرين، ويغمض عينيه هربا من شبح الموت المخيم، وينام.
يحلم انه صعد من بين الركام الى الجنة، وهناك تلتئم عائلته من جديد: الاب، والام والابناء الاربعة. يغمره الفرح بالعودة لمداعبة الصغير الذي ظن انه لن يداعبه ثانية حينما وجده قطعة بادرة في حضن امه.
وهناك، في الحلم، يشعر محمد بسعادة غامرة، وقد غادر بؤس الحياة في المخيم الى رحابة الجنة. لاحظ تحوّل الشحوب الدائم على وجه الاب العاطل عن العمل الى بشاشة وألق، يشبه ذلك الذي كان يشاهده على وجوه الممثلين في المسلسلات التركية. ولم تعد الام تشكو اوجاع العمر والفقر. وجد نفسه مع اقرانه في ملاعب خضراء، اين منها ازقة المخيم الضيقة المترعة بمياه المجاري.
وبعد اربعة ايام من الحلم، بين جثث افراد عائلته، يصحو محمد على عمال الانقاذ وهم يخرجونه من تحت الانقاض، وينقلونه الى المستشفى. يصحو بذهول على فجيعة الفقدان، وقسوة الواقع، ويصرخ فيهم: اعيدوني الى امي، الى ابي، الى اخوتي، اعيدوني الى الجنة…
شهادة
مرت ثلاثة ايام على ميرفت، وهي في المستشفى، دون ان يزورها احد من افراد عائلتها…
تتذكر الصبية، ابنة السادسة عشرة، انها شاهدت والدها، وسمعت صوت والدتها، وبعض اخوتها، وهي تُنتشل من تحت انقاض منزلهم، بعد اصابته بصاروخ في القصف الجوي على غزة.
وفي اليوم الرابع جاء اخاها جبر لزيارتها. غمر الفرح وجه ميرفت، وهي تشاهد اخيها للمرة الاولى منذ اصابتها. ارادت ان تنهض لمعانقته، لكنها لم تستطع الحراك. وتذكرت وصية الاطباء لها ان لا تحاول النهوض لان الاصابة الحقت ضررا بالعمود الفقري.
– اين ابي؟ اين امي؟ اين محمد؟ اين فاديا؟ واين الصغير الشقي…
امسك محمد براحة يدها، وقال بصوت متهدج: في ذلك اليوم اصيب أبي. فقاطعته قائلة، ولكني رأيته واقفا. كان هناك سالما، ولم يصب!
– نعم كان واقفا، لكنه عاد لينقذ محمد وفاديا وبقية اخوتي، فاصابه صاروخ ثان اُطلق على ركام المنزل..
– اصيب، و الدي، واين هو الآن؟
– كانت اصابته خطره. وطبعا حبيبتي انت تؤمنين بالشهادة! أليس كذلك؟ ابي، بعد اصابته الخطيرة استشهد.
تصرخ ميرفت: ابي مات!
لا، ابي استشهد، ألى تؤمنين بالشهادة؟ أبي شهيد. وقد مات وهو مبتسم؟؟ كان يبتسم عندما اصابه الصاروخ. كان فرحا لانه شهيد، وذاهب الى الجنة. قال جبر
– آه أبي استشهد، وهو مبتسم! قالت ميرفت، ودموع حارقة تنساب على وجنيتها. وغابت في الذكريات: والدي كان يصحو مع ساعات الآذان، ويخرج للبحث عن عمل من اجل ان يطعمنا لقمة الخبز. لكنه غالبا ما كان يعود دون عمل. والدي كان حساسا جدا لحاجاتنا. كان لا يعود الى المنزل إلا متأخرا كي لا يرى في عيوننا اية نظرة عتاب على ضيق ذات يده…
وبين الذكريات المرة، تفيق لتسأل: اين محمد؟ أخي محمد، ثم تتذكر انه في السنة الدراسية الاخيرة (التوجيهي)، وان الدراسة لا بد اشغلته عن زيارتها، فتسأل عن فاديا، ثم عن امها، ثم عن الصغير.
يمسك جبر راحة يدها ثانية، ويقول بصوت متهدج: وكما تعلمين، محمد كان مع فاديا، واصابهما الصاورخ، اصيب محمد. اصابته كانت خطيرة، ثم، ثم، ثم، طبعا انت تؤمنين بالشهادة. محمد استشهد.
تصرخ باعلى صوتها: محمد مات. محمد! المدرسة! محمد! التوجيهي! مات!
– لا يا حبيبتي، محمد استشهد. ألى تؤمنين بالشهادة؟ الا تحبين الشهادة؟
– بلي احبها، بلى اؤمن بها. قالت وهي تجهش في البكاء.
– واين فاديا؟
يمسك جبر راحة يدها من جديد. ألم اقل لك ان فاديا اصيبت.
– اه الحمد لله، فاديا اصيبت. يعني لم تمت.
– لكن كانت اصابتها خطيرة، و و و و استشهدت.
تذهب ميرفت في موجة نحيب…
– لكن حبيبتي انت تؤمنين بالشهادة؟ فاديا استشهدت. فاديا شهيدة، وستذهب الى الجنة.
– اه نعم اؤمن بالشهادة. قالت وهي تغرق في دموعها.
واين الصغير، واين امي.
الصغير نقل الى مستشفى خارج البلاد لخطورة حالته…
وامي… امي… امي، طبعا انت حبيبتي تؤمنين بالشهادة؟؟
احمد ينجو من المحرقة
في اليوم الاول يجمع الجيش اهالي الحي، وعددهم حوالي المائة، ويحتجزهم في احد المنازل.
وفي اليوم التالي يقصفه من الجو، فيندلع فيه حريق ضخم.
يسقط في البيت المحترق ثلاثون قتيلا، ويصاب العشرات.
من بين الجرحى الناجين من المحرقة صبي في الثالثة عشرة اسمه احمد.
يسأل الصحافيون في المستشفى احمد، المصاب في ساقة وصدره، عن ما جري فيجيب: “أبو صلاح مات، وماتت زوجته. أبو توفيق مات، ومات ابنه وزوجته. محمد إبراهيم مات، وماتت أمه. إسحق مات. وناصر مات. وماتت زوجة نائل السموني. مات كثير ناس، يمكن 25 ماتوا”.
لكن تقريرا لـمكتب منسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم الـمتحدة في الاراضي الفلسطينية (اوتشا) قال في تصريح صحفي ان : 30 شخصاً على الأقل قتلوا في الحادث، معظمهم من عائلة السموني.
وقالت المتحدثة باسم المكتب اليجرا باتشيكو: “لا توجد مخابئ من القنابل في غزة”.
لكن متحدثا باسم الجيش الإسرائيلي نفى “هذه الـمزاعم”؟؟؟
دماء على خارطة الطقس
تقف مذيعة الاخبار امام الخريطة، تماما كما مذيعة اخبار الطقس، وتبدأ بالشرح..
اغارت طائرات اسرائيلية اليوم على مناطق جباليا وبيت لاهيا والشجاعية وبيت حانون، وقصفت مباني، وبيوت…
في جباليا قتلت عائلة كاملة في منزلها. وفي ذات المخيم قتلت طفلتان شقيقتان كانتا تلعبان امام المنزل.
في جباليا ايضا اصاب القصف عشرات البيوت التي تهدمت وقتل فيها ثلاثون مدنيا.
وفي بيت لاهيا قصفت طائرة حربية اسرائيية مدرسة لوكالة الغوت، وقتلت 43 شخصا واصابت 150.
وفي الشجاعية اصابت زوارق حربية اسرائيلية عشرة بيوت، وقتلت 20 شخصا.
وهنا قصفت… وهنا قتلت….وهنا دمرت..
واصلت المذيعة الشرح امام الخريطة التي كانت تظهر ومضات تصيب مناطق على امتداد القطاع الساحلي الصغير..
المذيعة وجدت في خارطة الموت في غزة بديلا عن مشاهد الاشلاء وصور جثث الاطفال المتيبسة تحت الانقاض.
ابتداء من اليوم سأفتح على هذه المحطة، فهي تجنبني مشاهد البث المباشر للموت التي تقدمها المحطة الاخرى على مدار الساعة..
انتهى