(المرفـوضــون) عـلى معبر رفح

السلطات لم تكن تسمح على الإطلاق بدخول المواد الغذائية التي أرسل معظمها الشعب المصري، ولاسيما البسطاء من الناس الذين اقتسموا قوت يومهم مع إخوانهم في غزة

أما وفد حماس الذي كان في مباحثات رسمية مع كبار المسؤولين المصريين والذي عاد إلى غزة في الخامس من فبراير، فقد عايشت ما حدث لهم داخل المعبر وروى لي بعض العابرين والعاملين في المعبر كيف عومل وفد حماس داخل المعبر، كما وصفت حماس في بيان لها ما حدث لوفدها بأنه يعتبر «إهانة» لهم، رغم أنهم ضيوف مصر، وبينما غادر الوفد المعبر سيرا على الأقدام لمسافة حتى بلوغ السيارات، بقي أيمن طه عضو الوفد مع مبلغ تسعة ملايين دولار ومليوني يورو حيث جاءت سيارتان للأمن حملتاه مع المبلغ حتى يودعها في بنك في مدينة العريش بعدما رفضت السلطات المصرية دخول المبلغ معهم، وقد سربت معلومات مفادها أن السلطات المصرية كانت على علم تام بالمبلغ، حيث إن قادة حماس أبلغوهم به كما يبلغونهم دائما بأية أموال معهم، وهذا ليس سرا منذ أن شكلت حماس حكومتها بعد انتخابات مارس 2006، بل إن الحقائب التي كانت معهم حينما أبلغوا السلطات المصرية بالأموال كانت تبدو قديمة، ومن ثم قام المسؤولون المصريون باستبدالها لهم بحقائب أفضل منها، غير أن السلطات التي وضعت لهم الأموال في حقائب جديدة أهانتهم على المعبر واحتجزوهم ثم احتجزوا الأموال وتعاملوا معهم بشكل مهين بعدما أذاعوا الخبر في وسائل الإعلام، وأبرزوا وفد حماس على أنهم مجموعة من المهربين، وهذا لا يليق بمصر ولا مكانتها ولا بدورها على الإطلاق. وإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلمصلحة من هذا الفيلم الرديء الإخراج والأداء من قبل السلطات المصرية تجاه الأموال التي كانت في حوزة أيمن طه، والتي تعلم السلطات أنها في النهاية لأهل غزة المعوزين والذين خرجوا من حرب دمرت الحرث والنسل.
من جانب آخر، فإن السلطات لم تكن تسمح على الإطلاق بدخول المواد الغذائية التي أرسل معظمها الشعب المصري، لاسيما البسطاء من الناس الذين اقتسموا قوت يومهم مع إخوانهم في غزة، وقد قابلت كثيرا من البسطاء الذين جاؤوا من كل محافظات مصر وبقوا على المعبر مع شاحناتهم أياما طويلة حيث ملأت أرض الاستاد الرياضي في العريش ومعظم المخازن في العريش والشيخ زويد بالمعونات الغذائية، بينما رأيت عشرات الشاحنات تقف محملة في الشوارع المحيطة باستاد العريش، و أبلغني بعض السكان أن بعضها تعرض للسرقة ويباع بثمن بخس في الأسواق، وأعلنت لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء في 12 فبراير أن السلطات المصرية استولت على المساعدات التي أعدتها النقابة من أموال الشعب المصري لإرسالها إلى غزة، وقد أعلنت السلطات أن هذه المعونات التي فسد بعضها من تركه في العراء سوف تذهب عبر المعابر التي يسيطر عليها الإسرائيليون، ولأن هوجة الإعلام حول المعبر قد انتهت منذ مدة طويلة ولا توجد أية تغطية إعلامية لمثل هذه الأمور، فإن السلطات المصرية تراهن دائما على أن الناس تمل وتنسى وهي في النهاية سوف تفرض ما تريد على الجميع، لكن الأمر الذي يطرح علامات استفهام كبيرة هو أن السلطات المصرية لا تسمح على الإطلاق بمرور أية أجهزة طبية للأشعة أو التخدير، وهي الأكثر احتياجا إليها بمستشفيات غزة، وقد أبلغني الذين جاؤوا بهذه الأجهزة أنهم لا يفهمون مبرر السلطات في منع مرور هذه الأجهزة تحديدا وهي الأكثر أهمية في العمليات الجراحية، وقد أبلغني استشاري تخدير بريطاني كان عائدا من غزة مع ستة آخرين أن أجهزة التخدير في مستشفيات غزة معظمها مهترئ، حتى إن أطباء التخدير يخشون أثناء إجراء العملية من توقفها، ومن ثم وفاة المصابين أثناء العمليات، هذا في الوقت الذي تقوم فيه السلطات المصرية بمنع وصول هذه الأجهزة إلى مستشفيات غزة؟
لا أستطيع أن أنكر هنا جهود بعض المخلصين الذين سعوا لدى السلطات للسماح لي بالدخول إلى قطاع غزة، غير أن أغرب هؤلاء كانت طبيبة أمريكية بذلت جهودا كبيرة من أجل أن يسمح لي بالدخول، غير أنها أرسلت لي رسالة أن الذين سعت لديهم أبلغوها في النهاية بأنني في «القائمة السوداء» ولن يسمح لي بدخول غزة على الإطلاق، ولا أدري أية «قائمة سوداء» ولدى من؟
وبعد.. فرغم ألمي الشديد لمنع السلطات المصرية لي ولزميلي غسان بن جدو من الدخول إلى قطاع غزة عبر رفح طوال ما يقرب من أسبوع قضيناه على المعبر، إلا أن هذه الأيام كشفت لي كثيرا من الحقائق وأكدت كثيرا من الظنون وطرحت كثيرا من الأسئلة هي بحاجة إلى إجابات، لاسيما هذه السياسات التي تمارس على المعبر، فما يحدث على المعبر هو تاريخ يسجل الآن وليس مجرد أحداث عابرة، والثمن الذي يدفعه الفلسطينيون باهظ، لكن الثمن الذي تدفعه مصر من سمعتها وتاريخها وأمنها القومي ومسؤوليتها التاريخية والسياسية والإنسانية أيضا لن يكون بسيطا، فمصر الكبيرة يجب أن تبقى كبيرة في كل شيء لا أن يقزمها صناع القرار بها بهذه الطريقة المؤلمة لكل مصري ولكل عربي بل ولكل إنسان. هؤلاء لا يعلمون أن التاريخ لن يرحم أحدا وأن سنن الكون غلابة لكنهم لا يعقلون، فهناك أناس يحكمون دولا صغيرة حولوها إلى دول عظمى في سلوكياتها وتصرفاتها وسياستها وتعاملهم مع شعوبهم ومع من حولهم لأنهم أناس عظماء، وهناك من يحكمون دولا كبرى قزموها وصغروها لأنهم للأسف صغار ودولهم أكبر منهم بكثير، فالدول تكبر وتصغر بمن يحكمها وليس بمساحتها وعدد سكانها، ومن ثم فمصر بحاجة إلى من يقدرها قدرها ويعطيها حقها ويعيد إليها مكانتها في الحاضر ويصنع لها ولشعبها بل وللشعوب العربية جميعها المستقبل والمجد والريادة والعزة والسيادة.