اللاجئون الفلسطينيون في لبنان: معاناة في الحاضر وريبة من المستقبل

مقدمة:

ما تزال أوضاع اللاجئين في لبنان “الأسوأ” من بين أوضاع جميع لاجئي فلسطين، وتفاقمت الأمور اعتباراً من سنة 2005 والسنوات التي تلتها؛ حيث شهدت جميع جوانب حياة الفلسطينيين، في هذا البلد، انتهاكات شتى وتدهوراً ملحوظاً، كان أبرزها تدمير مخيم نهر البارد ثاني أكبر المخيمات.
ويعيش في لبنان نحو 446 ألف لاجئ فلسطيني, منهم حوالي 30 ألف غير مسجلين (NR) في كشوف الأونروا، و5 آلاف آخرين من فئة فاقدي الهوية. يسكن 54% من مجموع اللاجئين في المخيمات والتجمعات المخصصة لهم، بينما غادرت النسبة المتبقية للسكن في المدن والأرياف اللبنانية. جاءت هذه المغادرة لأسباب عدّة، من أبرزها الأوضاع الأمنية التي تعرضت لها مخيمات اللاجئين وتجمعاتهم والتداعيات التي ترتبت على ذلك.

خلفيات المعاناه:

إن وصف “الأسوأ” الذي تتميز به أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، عنوة عما سواهم من لاجئي فلسطين يدفعنا للبحث عن أهم العوامل التي جعلت أوضاعهم تنحدر إلى هذا الحضيض، ويمكن حصرها بالاعتبارات الرئيسية التالية:
1- موقف الدولة اللبنانية الذي يصنف لاجئي فلسطين على أنهم أجانب من فئة خاصة، ويخضعون لقانون “المعاملة بالمثل”. وبما أنه لا توجد لهم دولة، لم تصدر الجهات الرسمية اللبنانية قوانين أو تعديلات على القوانين الموجودة تسمح بتحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الطبيعة الطائفية والمذهبية التي تتحكم بالسياسة العامة للبلد، جعلت أي تحسين في ظروف معيشة الفلسطينيين يعدّ على انه خطوة نحو التوطين.
2- ممارسات قيادة م.ت.ف عندما انخرطت قوات الثورة الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، وتحالفت مع طرف لبناني ضد آخر. ومن ثم انزلقت في مواجهات داخلية مع بعض حلفاء الأمس، وهو الأمر الذي أضر كثيراً بمشاعر التعاطف تجاه الفلسطينيين عموماً، واللاجئين على وجه الخصوص، كما حرمهم من أي فرصة لإعادة ترتيب أوضاعهم القانونية.
3- تراجع خدمات الأونروا، مع أنّ الوكالة هي الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات الإغاثة والتشغيل للاجئين. إلا أن خدماتها بدأت تتقلص منذ السنوات الأولى لعملها، ثم شهدت ميزانياتها تراجعاً كبيراً منذ انطلاق مسيرة التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في العام 1991، حيث جرى تحويل أموال الدول المانحة من أجل دعم مشروع السلطة الفلسطينية. وخلال العام 2008 صرّح مدير الأونروا في لبنان بأن الوكالة تشتغل منذ نحو 5 سنوات بموجب خطة طوارئ، في حين نشر الموقع الالكتروني الخاص بالوكالة، أن التجديد الأخير لأعمالها قد انتهى في 30 حزيران/ يونيو 2008، وبحسب بيانات الموقع ذاته لم يجدد بعد.
4- عدم وجود مرجعية موحدة تتولى متابعة قضايا اللاجئين السياسية، والأمنية، والاجتماعية والقانونية، وتحظى باعتراف الدولة اللبنانية وتوافق الفلسطينيين.
ومع أن اللجان الشعبية ما تزال موجودة داخل المخيمات إلاّ أنها فقدت مكانتها القانونية أمام الأجهزة الرسمية، بعد أن قام مجلس النواب في 21/ 5/ 1987 بإلغاء اتفاق القاهرة، حيث كان ينص على قيام لجان محلية تتولى رعاية مصالح الفلسطينيين في لبنان. وهي اليوم تتعرض لضغط سياسي كبير يجعلها عاجزة عن القيام بدورها الحقيقي.
وحتى عندما سمحت الحكومة اللبنانية في 16/ 5/ 2006 بإعادة افتتاح مقر (م. ت. ف) في بيروت، إلاّ أن هذا المقر لم يكن فاعلاً في معالجة أزمات اللاجئين المتراكمة، ولم يتجاوب مع المساعي الداعية إلى تشكيل مرجعية موحدة.
وقد كان لهذه العوامل انعكاسات سلبية على كافة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، تتضمن هذه الورقة بعض أهم مظاهرها.

حصار المخيمات:

يعدّ المخيم تجمعاً بشرياً موازياً للقرية الفلسطينية التي كانت تقوم بدور الحاضنة المجتمعية، ومنذ أن أنشئ المخيم أسهم في استمرار الكينونة الفلسطينية، فشكل عنوانا للقضية الفلسطيني من جهة، وأبقى المسئولية الدولية تجاه اللاجئين من جهة ثانية، كما ورث كافة المهام الاجتماعية والوطنية التي كانت تؤديها البلدة الفلسطينية. وبالتالي، فإن أي تهديد لمستقبل المخيم هو تهديد مباشر لكينونة مجتمع اللاجئين ولقضيتهم الوطنية.
يتوزع اللاجئون على أكثر من خمسين مخيماً وتجمعاً سكنياً، متفرقين على المحافظات اللبنانية الخمس, كانت النسبة العظمى منهم تقيم داخل 14 مخيماً رسمياً، اعتمدتها الأونروا وقدمت لها الخدمات بشكل دائم ومنتظم.
جرى تدمير أربع مخيمات منها؛ حيث أباد الطيران الحربي الإسرائيلي مخيم النبطية في العام 1974، وأزالت مليشيات حزب الكتائب اللبنانية مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا إبان الحرب الأهلية في العام 1976، وتم تدمير مخيم نهر البارد بعد معركة استمرت منذ فجر 20/5/2007 وحتى 3/9/2007، اشتعلت نيرانها بين الجيش اللبناني ومجموعة “فتح الإسلام”. تعرضت مساكن المخيم وبنيته التحتية نتيجة هذه المواجهات إلى تدمير شبه كامل، ثم قامت فرق الهندسة بجرف أكثر من 70% من المخيم وتسويته بالأرض. وما يزال هذا المخيم ينتظر الإعمار، وأهله يأملون بالعودة إليه! وقد نشرت جريدة السفير اللبنانية في عددها الصادر في 24 كانون الثاني/ يناير 2009 (بعد نحو خمسة عشر شهرا وأكثر) أنه لم يتم إعمار أي من الـ2030 منزل التي جرى تدميرها. أما سكان المخيم فقد عاد منهم نحو 29% (وهم سكان أطراف المخيم ويعيشون حالياً في بيوتهم المتصدعة والمتداعية)، بينما ظلت النسبة المتبقية والبالغة نحو 20 ألف نسمة مهجرين خارج حدود المخيم.
وتعرضت (7) مخيمات هي (برج البراجنة، شاتيلا، عين الحلوة، الميه وميه، البص، البرج الشمالي والرشيدية)، إلى تدمير جزئي طال غالبية مساكنها، وذلك جراء حرب المخيمات التي شنتها حركة أمل ضد الفلسطينيين ما بين عامي 1985 و 1987. ومما زاد قسوة هذه الحرب وتداعياتها على اللاجئين ومخيماتهم، الإجراءات الأمنية التي فرضتها حركة أمل نفسها وبعض الأجهزة الأمنية عند مداخل هذه المخيمات منذ ذلك الحين. وجرى تعزيز هذه الإجراءات بموجب مذكرة أصدرتها الجهات الأمنية الرسمية في نهاية العام 1996، تم بموجبها حظر إدخال مواد البناء إلى المخيمات المذكورة، وما يزال هذا القرار ساري المفعول. شهدت بعض الفترات حالة تراخ في تنفيذ الحظر، إلا أن هذه المخيمات ما تزال تعاني من هشاشة مساكنها وتداعي بنيتها التحتية.
وداهمت مشاريع الأوتسترادات عدة مخيمات، حيث تم جرف نحو (50) منزلاً في مخيم عين الحلوة خلال سنة 2004، و(40) آخرين في تجمع الشبريحا، في سنة 2006، بسبب شق الطرقات. وكان قد سبق الحديث عن مرور أوتستراد “السلام” على امتداد الجهة الغربية من مخيم عين الحلوة، الأمر الذي سيهدد أكثر من ألف منزل بالجرف فيما لو أعيدت الحياة لهذا المشروع. والأوتستراد الذي سوف يمر بمحاذاة مخيم برج البراجنه هو الآخر مقرر له أن يلتهم نحو 350 منزل تؤوي حوالي (700) عائلة، وكذلك الأوتستراد المتوقع مروره عبر مخيم البص؛ سوف يقسم المخيم إلى قسمين منعزلين عن بعضهما البعض، هذا عدا عن المنازل التي سوف يجري جرفها.

مساكن غير ملائمة:

يعد توفير “المأوى” اللائق من أهم حقوق الإنسان التي يطالب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية الدول الأطراف بإقرارها وضمان توفيرها. ومع أن وكالة الأونروا هي منظمة دولية ولبنان دولة طرف في هذه المعاهدة، إلاّ مساكن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بقيت محكومة بثلاث اعتبارات، جعلتها دون المستوى اللائق بالإنسان، وهي:
1- بقاء مساحة المخيم ثابتة من غير أي توسعة منذ تاريخ نشأتها على الرغم من ازدياد أعداد ساكنيه، وتوافد السكان من المخيمات التي جرى تدميرها، بما ينعكس على المنازل بشكل مباشر.
2- تعرض هذه المساكن إلى الإصابات المباشرة أو للارتجاج العنيف، جراء الحروب والمواجهات العسكرية المستمرة.
3- تضاعف أعداد اللاجئين، على خلفية زيادة عدد أفراد الأسر الفلسطينية، مما جعل المسكن يضيق بسكانية.
لذلك، نجد بأن المنازل التي يسكنها اللاجئين قد اتصفت بالواقع المأساوي التالي:
* لا توفر المستوى اللائق بالإنسان، وغير قادرة على جعل الفلسطيني يتمتع بالشعور بالاستقرار.
* عجزت عن توفير الحياة الاجتماعية والأسرية السليمة لساكنيها، خصوصاً أن غالبية المساكن تكاد لا تزيد مساحتها عن 50 متراً مربعاً، مع العلم بأن 50% من الأسر يبلغ عدد أفرادها نحو 5 أفراد، بينما 37,5% منها يتراوح عدد أفرادها ما بين 6-10 أفراد مما يسهم في سرعة انتشار الأمراض بين أفراد الأسرة الواحدة.
* لم تتمكن من حماية أهلها من حر الصيف ولا من برد الشتاء، مع العلم بأن 3,5% من المساكن ما تزال أسقفها من الصفيح، بينما 8,3% منها ما تزال من الصفيح بشكل كامل.
* لا تحمي هذه المنازل قاطنيها من تسرب الماء أو دخول الحشرات، وذلك بسبب التشققات الكثيرة في جدران هذه المنازل وأسقفها، الناتجة عن القصف والاهتزازات أو بحكم انتهاء العمر الافتراضي للبناء.
* تعاني أكثر من 22% من المنازل من عدم دخول أشعة الشمس، مما أدى إلى تعشش الرطوبة بين جدرانها وسكن العتمة داخل غرفها، وقد تركت هذه الحالة عدّة أثار صحية على الساكنين.
* لا تتوفر تجهيزات الصرف الصحي لـ 6,5% من بيوت المخيمات.
أطلقت الأونروا برنامج “بناء وترميم” عدد من المنازل وخصوصاً في مخيمات الجنوب، ولكن تقرير مؤسسة “شاهد” الذي أصدرته عن أوضاع اللاجئين في لبنان للعام 2007، أشار إلى أن هذه الخطوة تعدّ إجراءً جزئياً لا يفي بالغرض الحقيقي.

تفشي البطالة:

إن حق العمل هو من أكثر الحقوق التصاقاً بالإنسان، خصوصاً أن الحرمان منه يسبب نتائج سلبية كثيرة تؤثر على وضعه الاجتماعي، الاقتصادي والنفسي.
وقد أوصت الجامعة العربية جميع الدول التي يقيم على أراضيها لاجئون من فلسطين، أن تقوم بمعاملتهم أسوة بالمواطنين، وأن يجري منحهم حق العمل والاستخدام.
لكن الحكومة اللبنانية كانت الطرف الوحيد الذي تحفظ على بروتوكول الدار البيضاء رقم 1547، من بين الدول العربية التي تستضيف لاجئين. وقيدت تحفظها، بشرط ما تسمح به أحوال الجمهورية اللبنانية الاجتماعية والاقتصادية.
على هذه الخلفية، ولاعتبارات طائفية وسياسية، ما يزال اللاجئون الفلسطينيون يعاقبون بالحرمان من العمل، بل إن وزراء العمل المتعاقبون منذ سنة 1951 أخذوا يجددون حصر المهن التي يحظر على الفلسطينيين مزاولتها، وبتاريخ 18/ 12/ 1982 أصدر وزير الشئون الاجتماعية والعمل القرار رقم (299/ 1) أغلق بموجبه أبواب العمل أمام الفلسطينيين في مجالات عديدة ضمت نحو 72 مهنة، وهو الأمر الذي ظهرت انعكاساته على ثلاث مستويات، الأول: الهجرة إلى خارج لبنان. والثاني: تراجع مستوى الدخل لدى الأسرة الفلسطينية. والثالث: توجه الشباب نحو المهين اليدوية.
من الجدير بالذكر، أن وزير العمل في الحكومة اللبنانية الأستاذ طراد حمادة كان قد اصدر مذكرة تحمل الرقم (67/1) في العام 2005، منح بموجبها الفلسطينيين الحق في ممارسة بعض المهن التي كانت محظورة عليهم. ولكن التعقيدات الإدارية والاعتبارات الطائفية التي ما تزال ضاغطة على الشأن السياسي في لبنان، حالت دون ترجمة أي من مفاعيل هذه المذكرة على أرض الواقع، وبالتالي فقد بقيت هذه المذكرة حبيسة الأدراج، وأهزوجة يتغنى بها الساسة اللبنانيون، في حين بقي الفلسطينيون “يسمعون الجرش ولا يرون الجريش”.

تدني المستوى المعيشي:

من الطبيعي أن تنعكس المواقف السياسية للبنانيين وكذلك سياسات الأونروا بشكل مباشر على أحوال اللاجئين المعيشية، خصوصاً أن هذه المواقف قد جرى ترجمتها على شكل إجراءات أمنية ومراسيم وقرارات، وهو الأمر الذي ضيق الخناق الاقتصادي وضاعف المعاناة المعيشية على اللاجئين، وقد تجلت مظاهر هذه الحالة على الشكل التالي:
* العمل في المهن الدنيا والرخيصة مثل صناعة الأحذية، النظافة، الزراعة وأعمال البناء.
* الاعتماد بشكل كبير على معونة الأهل والأقارب المغتربين (في أحدى دول الخليج والدول الاسكندينافية والأوروبية).
وعلى هذا الأساس، لا نستطيع القول بأنه يوجد للفلسطينيين اقتصاد فضلاً عن بنية تحتية اقتصادية قادرة على تغطيه حاجاتهم الأساسية والإنسانية.
وقد أجرى مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات استطلاعا، خلال العام 2006، كان من جملة أهدافه التعرف على أوضاع اللاجئين الاقتصادية والمعيشية. وقد جاءت النتائج مروعة، حيث تبين أن نحو 45% من العائلات الفلسطينية يقل دخلها الشهري عن 200$، أي أقل من الحد الأدنى الذي أقرته الحكومة اللبنانية، والذي يبلغ نحو 340$، بينما 37% من العائلات يقدر دخلها الشهري بنحو400$، أي أكثر بقليل من الحد الأدنى، ما يعني بأن نحو 82% من اللاجئين الفلسطينيين الذي يعيشون في لبنان تتراوح أوضاعهم المعيشية ضمن معدلات الفقر والحرمان.
هذا، وقد ضمت سجلات الأونروا 10,5% من مجموع المسجلين لديها، ضمن برنامج العسر الشديد، إضافة إلى وجود 11 ألف أسرة تعيلها امرأة، إما بسبب وفاة المعيل أو إصابته بمرض مقعِد.

التعليم:

وكالة (الأونروا) هي الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات التعليم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبحسب إحصاءات الوكالة للعام 2007، سجلت كشوف المدارس 38 ألف و370 طالب وطالبة، في المراحل التعليمية الثلاث موزعين على 86 مدرسة.
وبسبب التقليص المستمر للميزانيات، ظهرت عدّة آثار سلبية في قطاع التعليم، وهي على الشكل التالي:
* يجري استئجار 45% من أجمالي عدد المدارس التي تديرها الأونروا. تفتقر هذه المدارس إلى الملاعب والتهوية والإضاءة المناسبة.
* تخضع 56% من الصفوف لنظام الدوامين، وبالتالي فقد جرى تقليص مدّة الحصة الدراسية إلى عشرون دقيقة، الأمر الذي ترك أثراً سلبياً على قدرة التلميذ في الفهم والاستيعاب، وبحسب استطلاع أجرته جمعية الخريجين الفلسطينيين أفاد 68% من التلاميذ بأن قلّة وقت الحصّة هو سبب مباشر يؤدي إلى عدم الفهم. ويعتري المدارس نقص شديد في وسائل الإيضاح وخصوصاً مواد الفيزياء، الأحياء، الرياضيات، التكنولوجيا والكمبيوتر.
* أظهرت الإحصاءات بأن معدل طلاب الصف الواحد يتراوح ما بين 40 و50 تلميذ، وذلك نظراً إلى قلة عدد المعلمين وعدد الصفوف بالنسبة للطلاب.
انعكست هذه الوقائع على مستوى النجاح في المراحل التعليمية كافة، وجاء في نتائج امتحانات المرحلة المتوسطة للعام 2006 – 2007، تراجع المستوى حيث بلغت 42%، بتراجع نسبته 15% عن العام السابق.
وقد أثر تردي الوضع المعيشي للأسر الفلسطينية هو الآخر على التحصيل التعليمي، حيث سجلت معدلات التسرب المدرسي خلال العام الدراسي 2006 – 2007، نسبة 14%، لأسباب عدّة كان أبرزها اضطرار الطلاب إلى ترك الصف من أجل إعالة أسرهم.
يمثل ياسر صورة حية عن الوضع المعيشي الذي وصلت إليه الأسرة الفلسطينية، فيقول معلمو هذا الطفل البالغ من العمر 13 سنة، بأنه كان تلميذا مجتهداً في صفّة اضطره مرض أبوية المقعدين لمغادرة مقاعد الدراسة والعمل في ورشة “ميكانيك” السيارات، كي يوفر لإخوته “لقمة العيش” ولوالديه الدواء. وأيضاً الطفلة منى، هي الأخرى تركت المدرسة كي تساعد ولادتها في غسل أدراج المباني، من أجل تأمين حياة مستورة. ويشير تقرير مؤسسة شاهد للعام 2007، إلى أن أكثر من 60% من الأسر الفلسطينيين قد ترك واحد أو أكثر من أفرادها الدارسة وهو في سن التعليم.
كذلك، لم يسلم طلاب المرحلة الثانوية من التسرب المدرسي، وقد بلغت هذه الظاهرة معدلات مخيفة حيث أن عدد طلاب الصف الأول ثانوي نحو 5 آلاف، بينما لم يصل منهم إلى الصف الثالث الثانوي سوى 700، وذلك بسبب السعي وراء تحصيل الرزق أو لانسداد أفق التعليم أمامهم.
لم تقف التحديات أمام الطلاب الفلسطينيين عند حدود المرحلة التعليمية الثالثة، بل لاحقتهم إلى المرحلة جامعيه، خصوصاً أن الأونروا لم تتبن برنامج التعليم الجامعي، في حين ليس بمقدور غالبية هؤلاء الطلاب الانتساب إلى الجامعات ذات الاختصاصات العلمية، بسبب ارتفاع كلفة الدراسة.
صحيح أن عدداً من المنظمات والجهات الدولية تقدم منحاً تعليمية للطلاب الفلسطينيين الجامعيين، غير أن مجموع هذه الهبات قد بلغت، بحسب تقديرات 2005، نحو 236 منحة جامعيه، بما يغطي فقط ما يتراوح بين 5 – 7% من مجموع الطلاب الجامعيين. وبالتالي فإن نحو 58% من الطلاب يذهبون للانتساب في فروع الآداب، العلوم الإنسانية والكمبيوتر، فيما يقتصر الذهاب إلى اختصاصات الطب والهندسة على نحو 18% فقط. دفع هذا الواقع المؤتمر التربوي والتعليمي للاجئين، الذي انعقد في العام 2005، كي يوصي بضرورة إنشاء جامعه وطنية فلسطينية في لبنان، وإطلاق صندوق دعم الطالب الجامعي الفلسطيني.
أما ظاهرة الأميّة أو شبه الأميّة، فما زالت تجد لها منتسبين في أوساط لاجئي لبنان، وقد سجلت الإحصاءات نحو 10% منهم، والذين أنهوا المرحلة الإعدادية فقد تجاوزت نسبتهم 23%، فيما زادت نسبة الذين تخطوا المرحلة الثانوية الـ 15%، وبقيت نسبة الذي دخلوا إلى إحدى مؤسسات التعليم العالي بحدود 25%.

قصور الرعاية الصحية:

يعد السعي من أجل توفير احتياجات الطبابة والاستشفاء من أكثر المشاكل التي يعاني منها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، خصوصاً أن هذه الحاجة تمس حياة الإنسان بشكل مباشر. ومع أن الأونروا متكفلة بتغطية هذا الجانب، إلا أن برنامجها الصحي يعجز بشكل مستمر عن تغطية الاحتياجات الصحية للاجئين بشكل وافٍ.
يتزامن هذا العجز مع تراجع خدمات الهلال الأحمر الفلسطيني، كماً ونوعاً، لدرجة أنه بات الذي يذهب إلى إحدى مستشفيات الهلال كمثل الذي يذهب إلى حتفه بإرادته؛ هذا ما يقوله عموم الفلسطينيين.
تدير الأونروا 25 مركزاً صحياً للرعاية الشاملة تسمى (عيادة)، وهي تغطي الخدمات الصحية الاعتيادية فقط. وتشير التقديرات إلى أن نسبة الأطباء إلى عدد اللاجئين هي 0.87 طبيب لكل 10 آلاف نسمة بينما نصت القوانين الدولية ذات الاختصاص على ضرورة توفير طبيب واحد لكل ألف نسمة!.
وأما فيما يتعلق بالاستشفاء فإن الوكالة لا تملك مستشفيات تحت إدارتها، لذلك فإن هذه الخدمة تشوبها العديد من أوجه القصور والخلل، منها:
* تصنف المستشفيات التي تتعاقد معها الأونروا من الدرجة الثالثة والرابعة، ما يؤثر سلباً على مستوى العناية الصحية المقدمة.
* بسبب التقليص المستمر الذي تجريه الأونروا على النسبة التي تغطيها من فاتورة الاستشفاء، يقف المريض الفلسطيني عاجزاً عن تغطية التكاليف المتبقية. وعلى سبيل المثال، ولتوضيح صعوبة المعاناة، فإن وكالة الأونروا تقدم على سبيل المثال، مبلغ ثلاثة آلاف دولار فقط لعملية القلب المفتوح التي تكلف 9 آلاف دولار.
* كانت المعاينات والفحوصات المخبرية لمرضى السكري متوفرة كل 15 يوماً، ثم تراجعت لشهر، وهي الآن كل ثلاث شهور مرة واحدة فقط.
* على خلفية كثرة احتياجات الاستشفاء، وبذريعة قصور الميزانية، أدخلت الأونروا تعقيدات إدارية جديدة، جعلت المريض ينتظر وفق لائحة، وقد يحين دوره بعد شهور.
* أدت التخفيضات المتكررة في الخدمات الصحية إلى تعرض عدد كبير من المرضى إلى خطر الموت، خصوصاً بين ذوي الأمراض الخطيرة، مثل: القلب، الدماغ، الكلى والسرطان. سجلت السنوات الأخيرة حالات مأساوية، مثل أحمد الصباغ الذي ظل يدفع أقساط علاج ابنه للمستشفى عل الرغم من مرور ثلاث سنوات على وفاته. وأحمد حمزة الذي توفي في إحدى المستشفيات ولم يسمح لذويه باستلام جثته إلا بعد تسديد المبلغ!

الغد المجهول:

منذ أن تحركت المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، تحركت معها مخاوف اللبنانيين من توطين اللاجئين الفلسطينيين على أرضهم. خصوصاً أن جميع التصورات المطروحة للحل النهائي لم يتضمن أي منها عودة اللاجئين إلى ديارهم.
وعلى خلفية الاختلاف الطائفي والمذهبي الذي يعيشه لبنان، فإن مبرر الحذر من الإخلال بالميزان الديموغرافي بين الطوائف والذاهب اللبنانية يقف بشكل دائم وراء الإجماع اللبناني، النادر، على رفض التوطين.
وما بين التساهل بحق العودة من قبل المفاوض الفلسطيني، والرفض اللبناني للتوطين، يتزايد خوف الفلسطينيين من الغد المجهول.
مما يزيد من ارتياب فلسطينيي لبنان، تكرار تصريحات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس، من موقعه السابق في رئاسة السلطة، التي كان يدعو فيها لإيجاد “حل” لمشكلة اللاجئين من خلال إعطائهم جنسية الدول التي يقيمون فيها، يقصد بذلك لبنان على وجه التحديد، وتارة أخرى كان يبدي استعداده لإعطاء لاجئي لبنان جواز سفر السلطة الفلسطينية بما يحولهم “من لاجئين إلى جالية”، الأمر الذي يفتح الباب أمام هجرة جديدة تسهم في تنفيذ المقترح الذي يجعل فكرة “إعادة التوطين” حلاً ممكناً في سبيل التخلص من مشكلة اللاجئين نهائياً.
الذي أسهم في تزايد ريبة اللاجئين، القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في 28/ 11/ 2008، يدعو إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع دولة فلسطين، ورفع مستوى مقر المنظمة وتحويله إلى “سفارة دولة فلسطين”.
ومع تزايد وتيرة الأحداث الأمنية التي تجري على ساحة المخيمات، خصوصاً تلك التي تجري على خلفية انتقال عناصر “إرهابية” أو احتماء بعض الأشخاص “المطلوبين” في هذا المخيم أو ذاك، وبعد تدمير مخيم نهر البارد وتشرّد أهله على نفس الخلفية، تتزايد مخاوف اللاجئين من استمرار سيناريو الوضع الراهن الذي يجمع بين إشكاليتي المعاناة الأمنية والاقتصادية، مما يسهم في هجرة أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى خارج المخيمات، وأعداد أخرى إلى خارج لبنان، طلباً للأمن وسعياً خلف الرزق.
ولو أخذنا بنظر الاعتبار أنه نحو 146 ألف فلسطيني غادروا لبنان للأسباب المشار إليها، لأدركنا جدية المخاطر المتربصة باللاجئين في الغد المجهول.

بيروت، 31 كانون الثاني/ يناير 2009