نحن وأمريكا و(إسرائيل) والعمل الخيري

يطلق على العمل الخيري في أمريكا القطاع الثالث، وهو يحتل مساحة واسعة من نشاط مؤسسات المجتمع المدني فيضم في إطاره 1.514.972 منظمة وجمعية، ويتم الترخيص يوميًّا لـ 200 جمعية تعمل في هذا المجال. وينتظم في هذا القطاع قرابة 11 مليون فرد، بينما تبلغ إيراداته حوالي 212 مليار دولار سنويًّا. ويعتبر الشعب الأمريكي من أكثر الشعوب تبرعًا للقطاع الخيري، وكمثال على ذلك وقفية (بيل غيتس) وزوجته (مليندا) الذي يبلغ رأسمالها 24 مليار دولار.
وفي إسرائيل كان عدد الجمعيات التطوعية عام ( 1999م ) 27.000 جمعية ومؤسسة، وازداد عدد تلك المؤسسات بِمعدل ( 1000) جمعية سنويًا !! ليبلغ عدد المؤسسات التطوعية والخيرية 40 ألف مؤسسة وَفْقاً لآخر الإحصاءات في 2007 م توفر 235 ألف فرصة عمل بدوام كامل للقوى العاملة الإسرائيلية وهو ما يمثل نسبة 10% من إجمالي العاملين لديهم؛ بسبب ما تتمتع به تلك المؤسسات الخيرية والتطوعية من حرية كاملة، ولوائح ونظم تجعلها فاعلة ومستديمة العطاء، حيث بلغت في عام 2006م مساهمة القطاع التطوعي في دعم اقتصاد الكيان الصهيوني نحواً من 14 مليار دولار أي ما نسبته 13.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعد الحكومة الإسرائيلية من اكبر الداعمين للمنظمات الخيرية والتطوعية في اسرائيل إذ تبلغ نسبته من حجم التمويل 51%، كدعم مباشر، إضافة إلى شراء الحكومة للخدمات التي تقدِّمها المنظمات التطوعية.
ولا شك أمام هذه الأرقام؛ ندرك أن العمل التطوعي يمثل جزءا مهما من منظومتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية، ومن جهة أخرى لم يقتصر نشاط وأعمال المؤسسات التطوعية والخيرية على المحور الداخلي، فنشاطات تلك المؤسسات يمتد إلى مختلف القارات والدول، ومن الأمثلة على هذا التوسع فسورس اليهودي الأمريكي من أصل هنجاري أسس مؤسسة (المجتمع المفتوح) ولها ثلاثة وثلاثون فرعاً ومركزاً في دول العالم الثالث منها (10) فقط في منطقة البلقان، و(18) في جمهوريات وسط آسيا والقوقاز، (3) في إفريقيا، و(2) في أمريكا اللاتينية، وبهذا تكون (28) من مراكز مؤسسته وأعمالها في مناطق المسلمين بالدرجة الأولى، وقد أنفق سورس في عام 1995م في منطقة البلقان وحدها (350) مليون دولار، كما يساعد البوسنة سنوياً بمبلغ (50) مليون دولار، وهناك مؤسسة تطوعية أمريكية واحدة تدعى ( يونايتد ويز united ways) لديها 1400 فرع حول أمريكا، لو جمعت كل المؤسسات الإسلامية بالعالم لما وصل عددها لهذه المؤسسة وحدها.
ومؤسسة كمؤسسة الرؤية العالمية التي نشأت في عام 1950م نتيجة للحرب الكورية، ميزانيتها السنوية 405 مليون دولار، ومؤسسة (كير) تتعامل في حوالي بـ 500 أو 600 مليون دولار، ميزانية فرعها في كوسوفو عشرين مليون دولار، فقط لقضية كوسوفو في مدينة بريشتينا، وهناك مؤسسة أخرى اسمها مؤسسة (يونشي) 2 بليون دولار.
كما يمثل النشاط التطوعي والخيري أهم الدعائم للنشاطات الصهيونية فالمنظمات المتطرفة اليهودية الساعية على دعم (صندوق الهيكل في القدس) تجمع التبرعات من خمسين مليون أمريكي يتبرعون بانتظام لهذا الصندوق، والذي يهدف لهدم المسجد الأقصى المبارك وإنشاء هيكلهم المزعوم، ويوجد أكثر من 37600 موقعاً على الإنترنت لمنظمات يهودية تطوعية خيرية في أمريكا فقط .
وهناك المزيد من الأرقام والمعلومات، لا يتسع المجال لاستعراضها حول حجم الإنفاق وحجم المؤسسات العاملة في هذا الميدان، ومدى الاهتمام الذي توليه الدول الغربية بتلك المؤسسات وما تقدمه لها من دعم، على اعتبار أنها تقوم بدور إنساني لمعالجة المشكلات الاجتماعية الناشئة عن الفقر والمرض والجهل .
أمام هذا الاهتمام بدور العمل التطوعي والخيري في أمريكيا وإسرائيل والغرب، يطرح السؤال: لماذا إذا الحملة على المؤسسات الخيرية الإسلامية ولماذا يطلب محاربة مؤسساتنا الخيرية والمشاركة في تدميرها وتصفيتها وحرمانها من أداء دورها مقارنة بالجمعيات والمؤسسات الغربية، والكيل بمكيالين من ناحية التأكيد على أهمية دور تلك المنظمات الغربية وتسهيل عملها، ومن ناحية أخرى محاربة المؤسسات الخيرية الإسلامية، بالرغم أنها تعمل في نفس المجالات التي تعمل بها تلك المنظمات الغربية، وان مناطق تواجدها وعملها يحتم عليها أداء الدور الأكبر في هذا المجال، حيث للأسف أن أكبر الأرقام التي تذكرها اليونيسيف عن مشكلات الفقر والجهل وانتشار الأوبئة والأمراض، هي في مناطق العالم الإسلامي؛ ففي تقرير حديث لها أن 600 مليون طفل في العالم الإسلامي يعانون من الفقر والمرض والحرمان من التعليم (باستثناءات قليلة)، وأنه يوجد في 11 دولة إسلامية أعلى معدلات وفيات الأطفال في العالم، وأنه يموت 4.3 ملايين طفل دون سن الخامسة بسبب سوء التغذية ونتيجة لأمراض تمكن الوقاية منها، وأن نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية تقل عن 60% في 17 دولة مسلمة عضوة في منظمة المؤتمر الإسلامي، هذا عدا نتائج الحروب والصراعات التي تتعرض لها المنطقة.
فتحت شعار محاربة الإرهاب مارست وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية، دوراً انتهازياً لبث مشاعر الشك والريبة تجاه كل ما يندرج تحت مسمى المؤسسات الخيرية الإسلامية، واتخذت الإدارة الأمريكية الكثير من الإجراءات الميدانية والقانونية والتشريعية ضد تلك المؤسسات، الأمر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول تلك الحملة، وهل هي حقاً موجهة نحو القضاء على ما يسمى بالإرهاب؟ وهل تلك المؤسسات متورطة في دعم الإرهاب حقا؟
لابد من القول ابتداء انه في معظم الحالات التي تم توجيه تهم الإرهاب فيها إلى الجمعيات والمؤسسات الخيرية، لم تصل إلى نتيجة حقيقية، ولم ترق إلى تهم حقيقية ثبتت أمام المحاكم، بل إن كثيرا منها لم يصل إلى المحكمة؛ لأنها لا تقوم على اية دلائل حقيقية والشواهد على ذلك كثيرة، لذلك لجأت أمريكيا مؤخرا إلى قانون الدلائل السرية لمحاولة التغطية على تلك الإجراءات غير الشرعية كإغلاق الجمعيات وتجميد أموالها وحرمانها من ممارسة نشاطاتها في عدد من المواقع.
ثانيا: مع أن ميزانيات تلك الجمعيات مجتمعة لا يساوي حجم جمعية واحدة من الجمعيات التي ذكرناها سابقا، فللمقارنة مثلا فان عدد الجمعيات والمؤسسة الخيرية في العالم العربي والإسلامي مجتمعة لا يتجاوز بضعة آلاف؛ أي انه لا يساوي عدد الجمعيات في دولة صغيرة كإسرائيل، وتشير بعض المصادر إلى ما تم تجميده ومصادرة من أموال الجمعيات الخيرية بلغ 135 مليون دولار، وعندما تذكر بعض المصادر عن حجم الإنفاق الذي تنفقه تلك المؤسسات الخيرية مجتمعة سنويا، فهو يبلغ حوالي 300 مليون دولار أي لا يعادل ما تنفقه مؤسسة كمؤسسة كير مثلا، وبالرغم من ذلك فان الانجازات التي تحققها تلك الجمعيات والمؤسسات يفوق كثيرا ما يتحقق من تلك المبالغ والهائلة سنويا، ودورها فاعل وحيوي وريادي في المناطق التي تعمل بها وبشهادة كل المؤسسات الدولية، بل إن بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية تدير مخيمات ومواقع اغاثية لمؤسسات دولية تتبع الأمم المتحدة.
ثالثا: لقد شكلت المؤسسات الخيرية الإسلامية، عاملا مهما من عوامل النهضة في دولها ومجتمعاتها، ولقد حققت من جوانب الوحدة للأمة الإسلامية ما لم تستطع بعض الكيانات السياسية تحقيقه، لذلك كان استهدافها وحرمانها ممارسة حقها المشروع في الداخل أو الخارج، سوف يؤدي إلى تحقيق المصالح الأمريكية والإسرائيلية المتعصبة، بإضعاف قوى الدولة والأمة معاً بالعمل على فصل مؤسسات المجتمع الأهلي، لا سيما الخيري عن دورها والتصاقها بالمجتمع.
ثالثا: وهو البعد الاستراتيجي، ان الحرب على الجمعيات الخيرية جزء من حركة استعمارية، ولتحقيق ذلك جرى التركيز على افتعال الخصومة مع الدين الإسلامي وتشريعاته ومؤسساته، خاصة في العقد الأخير من القرن العشرين، وقد تضاعف هذا التوجه بشكل ملفت للنظر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وعلى مستوى يصعب تجاهله، فالأمر بلغ حد الخصومة الشاملة مع الإسلام والمسلمين من خلال تلك الحملات الإعلامية، ولم يعد مقتصراً على نوع معين من أنواع العمل الخيري الإسلامي، بل تعدى ذلك إلى الهجوم والسب لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ما يؤكد مقولة أن هدف الحملة أبعد من دعوى الإرهاب وتتعداه إلى تجفيف المنابع، وذلك لشمولها وتنوعها واستهدافها الدين الإسلامي ذاته، إلى ذلك أشار الكاتب الأمريكي (بول فندلي) في كتابه «لا سكوت بعد اليوم» حينما قال: واليوم غالباً ما يسمى الإسلام الخطر الجديد الآتي من وراء الأفق، الآخذ مكان الاتحاد السوفييتي البائد، إنه يحتفظ بقدرة مشابهة على التغلغل والتوسع.