الجمعيات الخيرية ومشروع لكن..

ليست منظمة هيومن رايتس ووتش وحدها من وجّه انتقادات الى مشروع القانون الجديد للجمعيات الخيرية ، فالمركز الوطني لحقوق الانسان وجه انتقادات مماثلة في تقريره السنوي ، وبالطبع فان الحجج الحكومية جاهزة للرد على هذه الانتقادات كما فعلت وزيرة التنمية الاجتماعية ، وهي حجج من النوع الذي يستند الى تفسيرات ومواقف سياسية لا الى قوانين واعراف اصبحت بموقع البديهيات في تعريف الجمعيات والنقابات وغيرها من مكونات المجتمع المدني في العالم …
لا اريد ان ادخل في التفاصيل ، فأنا مع الانتقادات التي حملها تقرير المركز الوطني لحقوق الانسان لمشروع القانون. لقد علمتني تجارب الحياة ان اكثر الكلمات المكروهة في اللغة العربية هي لكن. فاذا تحدث العالم عن الديمقراطية قالت الحكومات العربية لكن لكل بلد ظروفه الخاصة ، واذا قرر جميع اصحاب الفكر السياسي في القرون الثلاثة الاخيرة بان لا ديمقراطية من دون معارضة ، قالت الحكومات لكن بشرط ان تكون معارضة شريفة ، وهكذا من اللاكنات التي تجعل للديمقراطية والحرية والتعددية طابعا مختلفا عند العرب عن غيره عند الشعوب الاخرى والفكر الانساني السياسي بتراثه ومعاصرته …
في تعريف المجتمع المدني ، منذ افلاطون حتى هيغل وهوبز وماديسون ، انه ذلك الذي يسمح لجماعات مهنية وثقافية واجتماعية متعددة تكوين تجمعات هدفها تحقيق مصالح الافراد والجماعات ، مثل النقابات والجمعيات والاحزاب..الخ. والواقع ان الاجيال الاولى في هذه المملكة الهاشمية ، ذات الطابع المنفتح ، كانوا ، ربما بالفطرة ، او بالتعلم من البيئة العشائرية مؤمنين بالتعددية ، فالجمعيات والنقابات رافقت مسيرة الدولة منذ البداية ، بحرية تامة ومن دون تدخل من الحكومات ، تحت مظلة الدستور …
عندما يكون هناك اكثر من 100 الف متطوع يشاركون في الجمعيات الخيرية ومئات الالوف اعضاء في النقابات ، وعندما تنشأ في البلد جمعيات ذات طابع ديني طائفي تقيم المدارس والنوادي الخاصة ، وايضا جمعيات ذات طابع قومي اثني تقوم بالنشاط نفسه ، فان الاردن يحق له ، وكذلك لنظامه السياسي ، ان يفتخر بتقدميته وحضارته فلماذا تدمير وتشويه هذه الانجازات للوطن والدولة ؟ …
هذه المنجزات ساهمت بقيام مجتمع مدني متميز في الاردن بعوائد تمثلت في التنمية والاعتدال ، الامن والاستقرار ، لكن هناك من اراد ويريد من منطلقات سياسية تقويض هذه المنجزات تحت شعار التعديلات القانونية ، وفي معظم الوقت ، بحجة ممارسة نشاط سياسي ، كما جرت المحاولات ، اكثر من مرة مع النقابات وفشلت ، وكما تمت بنجاح ضد الجمعيات الخيرية ، وهذا خطير ، لانه يكرس مبدأ تدخل الدولة ، باسلوب مسمار جحا ، أما الحجة الاضعف ، فهي محاربة الفساد مما يضحك ويبكي …
ومن الذرائع الاخرى للانقضاض على قانون الجمعيات وتقييد حريتها ، تصريح وزيرة التنمية امس بانه لا يجوز الخلط بين النشاط الحزبي والجمعيات فمن قال ان هذا لا يجوز. جميع الاحزاب الاوروبية لها جمعيات واحيانا نقابات ومصانع وشركات هدفها كسب تأييد الناس للحزب. والواقع ، ان النقابات في الاردن هي التي تمارس انشطة سياسية ، ولم اسمع ان جمعية المركز الاسلامي او الجمعيات الخيرية اقامت يوما مهرجانا خطابيا سياسيا …
القصة وما فيها ، ان الاستنفار يتم بين حين وآخر ضد الاخوان المسلمين تحت هذه الحجة ، فاذا كانت الدولة الاردنية قد منحت الاخوان حق إقامة حزب سياسي باسم جبهة العمل الاسلامي فهذا يعني انها – اي الدولة – هي التي اعترفت بالهوية السياسية للاخوان ، مع انهم جمعية. واذا كان للاخوان حق تشكيل حزب سياسي تحت شعار الاسلام هو الحل فلماذا يتم الاعتراض على تشكيل جمعيات لهم تقوم على ركن الزكاة ؟ …
الدولة الاردنية ، مثلها مثل كثير من الدول العربية ، لا تجرؤ على ان تأخذ إجراءات دستورية وقانونية حاسمة تفصل بين الدين والسياسة ، فتقوم باللجوء الى التفافات هنا وهناك والضحايا باستمرار هي الديمقراطية والحريات العامة ومؤسسات المجتمع المدني …