نحتج نعم.. ولكن باحترام

مصطفى الصواف

ظاهرة يبدو أنها آخذة بالاتساع في الشارع العربي، بدأها الصحفي العراقي الزبيدي عندما رشق جورج بوش الرئيس الأمريكي السابق بالحذاء، قد يكون هذا التصرف في حينه مقبولا على الذوق العام العربي خاصة انه موجه إلى مجرم قاتل ومعتدي محتل للعراق وشعبه، وهو مقبول أيضا مع كل مجرم قاتل ومحتل، وهو أمر فيه تعبير عن مدى الغضب والحنق على أمثال بوش وغيره من إرهابيي العالم.
ولكن تكرار هذه الفعلة بشكل لا يليق من بعض الغاضبين على تصرفات بعض المسئولين والرؤساء العرب، والذين قد نختلف معهم، ونوجه لهم الانتقادات لسياساتهم تجاه قضايانا العربية والقومية، والاختلاف في هذه السياسات، وطريقة معالجة القضايا هو أمر ديمقراطي طالما انه ابتعد عن التجريح والسب والتخوين والتكفير، ويبقى في إطاره المقبول على الذوق العام.
إن ما حدث الأحد الماضي في العاصمة الأردنية عمان خلال تظاهرة ضد الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر على حدود قطاع غزة، وقيام بعض المتظاهرين برفع صورة الرئيس المصري محمد حسني مبارك وقد وصموها بنجمة داوود، ثم قيام البعض بإحراقها، والبعض بفرش الأرض بها والمشي عليها، أو قيام البعض الآخر بقذف الصورة بالأحذية ، في مشهد تأباه النفس العربية مع شخصية لها تاريخها، وبطولاتها في حرب أكتوبر، رغم الانحراف الحادث الآن في سياسته في كثير من القضايا، فمهما اختلفنا من الرئيس المصري يجب أن لا يصل الأمر إلى هذا الحد الصارخ من الاحتجاج وبهذه الطريقة المرفوضة.
الأمر سبق وان تكرر في طريقة الاحتجاج على ما أقدمت عليه السلطة ومحمود عباس في التعامل الأولي مع تقرير جولدستون، وقيام بعض الغاضبين والرافضين لتأجيل عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث قام عدد من المحتجين برشق صورة لمحمود عباس بالأحذية، وهذا الفعل غير لائق بالمطلق ومرفوض، وإن كان من حق أي إنسان أن يعترض ويحتد وينتقد؛ ولكن أن يصل الأمر للرشق بالأحذية، أو تداس الصور بالأقدام، فاعتقد انه نوع من الجنوح غير المقبول في التعبير عن الرأي.
يجب أن نراعي الأصول في النقد أو التعبير عن الرفض، بحيث لا ننزلق بشكل غير مقبول على أخلاقنا كمسلمين وكعرب، وان نبحث عن طرق ووسائل محترمة ومقبولة، ولا تؤدي إلى نتائج عكسية، أو تكون مجرد ردات فعل غير متوازنة ومرفوضة، ولا يجوز لها أن تكون، رغم كل المبررات التي دفعت البعض للقيام بهذه الأعمال والأفعال التي تعافها النفس العربية.
نريد أن نكون أكثر تحضرا وديمقراطية في كل أمورنا، خلال تعبيرنا أو احتجاجا على أمر ما مهما كانت درجة خطورته، ويجب أن يكون تعبيرنا عن الرفض أو الاحتجاج على سياسات مرفوضة موزون ومن منطلق من ديننا الحنيف وأخلاقنا الإسلامية وأعرافنا العربية، وأن لا نسمح لأنفسنا الانجرار وراء عواطفنا و مشاعرنا الجياشة، لان النفس أمارة بالسوء، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز:" وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ".
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا هذا الجنوح في التعبير عن الرأي واستخدام وسائل خارجة عن النسق العام والعرف والتقاليد؟، هل حجم المرتكب من خطأ يكمن وراء هذه التصرفات؟، هل هو نوع من التطرف في التعبير عن الرأي ناتج عن حالة الكبت التي يعيشها المواطن العربي؟، أو أن البعض يرى أن هذه الأفعال تثير عواطف الغاضبين أو قد تدفع المُنتقدين إلى إعادة التفكير في تصرفاتهم والتعديل فيها؟.
مهما كانت الإجابة ودرجة وجاهتها، يجب أن لا تكون مثل هذه الأفعال، وفي المقابل على المسئولين العرب العمل على الانحياز إلى قضايا الأمة العربية وحقوق شعوبها والدفاع عنها، وتقديم المصالح العامة على الخاصة، وعدم الانجرار وراء رغبات أعداء الأمة العربية سواء كان أمريكا أو إسرائيل أو الغرب، والعمل على احترام مشاعر المواطنين، لأننا امة واحدة، وقضايانا واحدة، وعدونا واحد، وهمنا واحد، وقيام المسئولين على خدمة ونصرة قضايا الأمة كواجب لا يقبل المناقشة، أو التأويل، أو التحريف، وخدمة للمصالح القومية والعربية والتي لا تتناقض مع مصالح كل قطر أو بلد عربي.