عالم الجدران

احميدة النيفر

بعد مضي سنة على حرب الإبادة التي أقدم عليها الكيان الصهيوني على قطاع غزة تتواصل ذات الحملة التدميرية الشاملة لفلسطين ضمن سياسة اختراق أوسع للمنطقة العربية باستعمال شتى الطرق للإتيان على كل معاني استقلالية قرار دولها وفاعليتها.
 
الغاية من مواصلة ذات السياسة بأوجهها المتعددة هي الإمعان في كشف العجز العربي عن مواجهة الاحتقانات الداخلية والإقليمية بصورة فاعلة إثباتا للمقولة القديمة التي يسير عليها الساسة الأوروبيون في علاقتهم بالمنطقة العربية منذ قرابة القرن، وهي المقولة التي نقرأها في مذكرة مُرسلة من "توماس شابمان" المعروف بـ "لورانس العرب" إلى وزير الشؤون الخارجية بالمملكة المتحدة، سنة 1916، والتي وضع فيها أحد أصول السياسة الاستعمارية إزاء العالم العربي حين بيّن أن: "حركة الشريف حسين ستكون لصالحنا (المصالح الاستعمارية الإنجليزية) إذ هي ترمي إلى تحقيق أهداف لا تتناقض مع ما نسعى إليه، وهو تفكيك مجموعة البلدان الإسلامية وهزيمة الإمبراطورية العثمانية وانهيارها"، وتضيف المذكرة أن "الدول التي سينشئها الشريف حسين على أنقاض المنظومة العثمانية ستكون أعجز عن مواجهتنا مما كانت عليه الإمبراطورية العثمانية قبل أن تصبح تابعة للسياسات الألمانية"، وأكثر من ذلك، ستكون تلك الأنظمة العربية الجديدة "أقل استقرارا من النظام العثماني السابق"، ثم تخلص المذكرة إلى اعتبار أن السياسة البريطانية ستكون المستفيد الأول من هذا الوضع الجديد إن "أحسنا التصرف، ذلك أن ما سينشأ من دول سيكون أقرب إلى الموزاييك السياسي المصاغ من جملة إمارات يغار حكام بعضها من البعض الآخر مع عجز مؤكد عن التماسك بينهم".
 
حين نستعيد قراءة هذا النص ثم نستحضر معه النص الآخر، الأكثر شهرة، نص وعد بلفور الصادر سنة 1917 إلى اللورد دي روتشيلد، ندرك طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين الاستعمار البريطاني في المنطقة وبين أهداف الحركة الصهيونية المتحفزة، لقد وضع النص الأول إطارا عاما لما سماه "مآلات سياسة حسن الأداء" ثم جاء النص الثاني ليجسد تلك السياسة بصورة تنفيذية متواصلة مع الزمن، وبذلك أصبح تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مرجعا مؤسسا لما انتهت إليه السياسة البريطانية الاستعمارية طوال القرن العشرين، وقد تم بذلك تفويض استراتيجية ترسيخ تجزئة المنطقة إلى الحركة الصهيونية من خلال الوعد بأرض لا يملكها الساسة الإنجليز وإسنادها إلى مجموعات لا تستحقها بناء على الشعار الصهيوني "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
 
ما نشاهده في هذه السنوات وخاصة بعد الحرب على غزة منذ سنة من سياسات استيطانية وتدميرية واختراقية ليست سوى إعادة إنتاج مضمون مذكرة لورانس والوعد الذي تلاها بعد ذلك، والذي تم بمقتضاه تفويض استراتيجية تجزئة المنطقة إلى الحركة الصهيونية، هي السياسة التي تبنت هذه الأيام اختيار الجدران إسهاما في مزيد زعزعة الأنظمة العربية بجعلها حسب توجيه لورانس "موزاييك" سياسيا غير قادر على التماسك أو التنسيق.
 
خلاصة المشهد الحالي يتعين في مفارقة عجيبة بين عالم تزداد مقتضيات تواصله وانفتاحه على بعض البعض، وبين فضاء عربي ترتفع الجدران داخله ومن حوله وكأنه من زمن آخر.
في فلسطين وفي الضفة الغربية هناك "الجدار العازل" قرب الخط الأخضر لتحصين المستوطنات ولمنع دخول سكان الضفة الغربية إلى مناطق الحكم الصهيوني، هو الجدار الذي شرع في بنائه سنة 2002 في ظل انتفاضة الأقصى الأولى ليشق الأراضي الفلسطينية ويستولي على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وفي المناطق المأهولة بكثافة سكانية فلسطينية، هذا الجدار الذي يطلق عليه "جدار الفصل العنصري"، يعوق حياة السكان الفلسطينيين، كما يساعد على ضم أراض من الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني، ويتوقع أن يبلغ طوله عند نهاية البناء 703 كم وربما أكثر، إزاء هذا الجدار الأول، أقرَّتْ حكومة بنيامين نتنياهو بناء جدار إلكتروني حديث التقنية بطول 255 كيلو مترا وبتكلفة 270 مليار دولار على الحدود مع مصر.
 
ويتمم هذا الجدار الثاني ثالث، وهو المعروف بالجدار الفولاذي الذي شرعت في بنائه مصر بتوجيه أميركي وصهيوني ودعم فرنسي، جنوبي مدينة رفح، على الحدود المصرية مع قطاع غزة.
 
يأتي بعده جدار رابع، إذ ذكرت مصادر إعلامية أن مصر بصدد بناء رصيف للزوراق خاص بدوريات المراقبة على الحدود البحرية لقطاع غزة، وأنه سيكون بعمق عشرة أمتار ممتدا مسافة على ساحل مدينة رفح المصرية.
 
خلاصة هذا المشهد هو تزامن سياقين مختلفين: سياق استراتيجية التجزئة السالفة الذكر والتي ثبّتت المنطقة العربية في اختيارات المرحلة استعمارية مرسية عالما محاطا بالجدران في مواجهة سياق معاصر تخترق حدوده عولمة مكتسحة تكنولوجيا وماليا وعسكريا.
لكن المفارقة لا تقف عند هذا الحد الجغرافي والإنساني، إنها ذات دلالات سياسية وثقافية عالية.
 
من جهة أولى فإن عالم الجدران يُسقط الإدعاء الذي طالما استعملته السلط الصهيونية في دعايتها التوسعية بالقول إنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. لقد أضحى الكيان الصهيوني بدعم حلفائه الغربيين كيانا مغلقا من جميع الجهات ومتعاونا مع أنظمة في المنطقة تحيط نفسها بالجدران هي الأخرى، إنها نهاية مقولة تصدير الديمقراطية إلى الفضاء العربي.
ومن جهة ثانية فإن ما أصدره مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ليس إلا تعبيرا عن استتباع السلطة الدينية وتجاوز استقلالها، ذلك أن إعلان شيخ الأزهر ورئيس مجمع البحوث الإسلامية الشيخ محمد سيد طنطاوي أن من "الحقوق الشرعية لمصر أن تضع الحواجز لمنع ضرر الأنفاق التي أقيمت تحت أرض "رفح" المصرية، وأن هذا العمل "تأمر به شريعة الإسلام التي كفلت لكل دولة حقوقها وأمنها وكرامتها، وأن الذين يعارضون ذلك يخالفون ما أمرت به شريعة الإسلام من أن كل دولة عليها أن تصون حقوق أبنائها، وأن تمنع كل عدوان على هذه الحقوق"، مثل هذه الدعوى ليست سوى توظيف سياسي صريح للمؤسسة الدينية العتيدة وضرب لمصداقيتها.
 
أما الجهة الثالثة فهي تتعلق بالبعد الرمزي، فإن هذه الجدران المتكاثرة في إحاطة عالمنا العربي مزيلة مصداقية المؤسسة الدينية ستتحول إلى مصدر فاعلية يلتجئ إليه كل مضطهد ومقهور.
 
ذلك أن الجدار، في المجال الثقافي، يحيل في مستوى أول على معنى الحماية والدفاع إذ هو يحصّن المكان ويحده متصديا للتأثيرات الخارجية التي يراد تفاديها، لكن الجدران من مستوى ثان وعلى خلفية القهر تجعل الإحاطة بالمكان تقوية لمعنى العزلة وفتحا لمجال استقبال المؤثرات الصادرة من عَل، ذلك البعد الوحيد الذي يبقى متاحا بعد انسداد الآفاق الأخرى. ومن ثم يصبح الجدار حافزا على التمرد بما يكسبه طبيعة الانقضاض والسقوط نتيجة تحوّله إلى مكبّل يفقد إنسانيةَ من هم وراءه، ويتحقق ذلك بحس متضاعف بضرورة التهديم لتخطي أسر الجدار والتحرر من العزلة القاتلة التي يفرضها على الإنسان.
 
نقلا عن صحيفة "العرب" القطرية