غصن زيتون من الأقصى

زيارة الأقصى حلم ينتظر التحقيق

وصلتني هدية مغلفة بتلك العبارة :"غصن زيتون من القدس، وبالتحديد من الأقصى". حين حملتُ غصن الزيتون، شعرتُ به ينبض بين يديّ، ارتجفتُ بفعل مشاعر عنيفة انتابتني، ودمعة رقراقة تعلقت بأطراف عينيّ.
 
لا أستطيع تمييز هذه المشاعر: أهي فرحة الحصول على أغلى هدية يمكن الحصول عليها؟ أهي الحسرة على أني لم ازر الأقصى بعد؟ أهي الغبطة بدفء غصن الزيتون؟ أهي الشوق إلى لثم وريقاته الندية؟
 
لمستُ وريقات الغصن، فيها نعومة فجر أضاءته صلوات الأقصى. لعل عصفور من القدس حطّ عليه أو جناح حمامة لاعب جذوعه، ثم رفرف بعيداً بإشراقة صباح لا يشبه الصباح. ليتني أستطيع ان اتلاشى واتحوّل إلى نقطة ضوء لكي أتسلـّق وريقات هذا الغصن، وأشدها بكل قوتي لتجمعني بأهل القدس، وأصلي معهم في المسجد الأقصى.
 
أغمض عينيّ وأعيش غرابة الشعور مرة أخرى. ملمس الندى على الغصن، وصورة أطفال القدس يختالون على وريقاته، يقلـّمونها، ويرسمون لي وردة وحجراً، ويبتسمون ببراءة. عيناي ترتعشان بالدمع الساخن بينما ألمح الحزن في غصن الزيتون، أسمع أنشودة تعزفها نورسة فلسطين لمرأى شحرور يتلوى ألماً، ويسقط ليختلط بذرات التراب الحمراء.
 
صورة وحكاية في كل فرع من فروع هذا الغصن. أولها صورة امرأة، وجهها مزركش بتجاعيد الصمود، تحتضن شجرة زيتون كأنها تحتضن طفلها الوليد، متحدية جرافات الاحتلال بكل شموخ المرأه الفلسطينية، معلنة اصرارها على عدم الرضوخ للعدو حتى لو كان على جثتها. رائحة الحاجة "محفوظة اشتية" تنبض بغصن الزيتون نبض الصمود الفلسطيني.
 
وريقة واحدة من الغصن انفصلت عنه وسقطت، اصفرت وضعفت وانكمشت، وشعرت بقطرات ساخنة تسقط على أصابعي كأنها تستغيث: "لمَ الصمت؟ القدس تئن جريحة، والمسجد الأقصى يتم اغتياله، وجدار الموت يسوّر أهالي فلسطين بالجوع والحرمان والمرض..إلى متى سنظل هكذا؟".
 
غصن الزيتون سينمو رغم كل شيء.. لانه متمسك بالحياة، لن يلحق برُفات الوريقة التي أنهكها اليباس، بل سيزهر الغصن لينبت مروجاً خضراء بين أزقة وحارات فلسطين، رغم الأشلاء التي تغطي الطرقات، رغم الدماء التي تسيل على الأرصفة، رغم الشهداء المتزايد عددهم مع تتابع الساعات، رغم الجرافات التي تقتلع أشجار الزيتون، رغم استمرار الحفريات من تحت المسجد الأقصى والتي تهدد بهدمه، رغم إحاطة القدس بسوار من المستوطنات وتمزيق أحيائها من الداخل لطمس معالمها المقدسة، ورغم الصمت الدولي إلا من نزر يسير من استنكارات أو احتجاجات، رغم كل هذا واكثر، سينمو غصن الزيتون.
 
طالما أن هناك اماً صابرة ترضع اطفالها حليب الوطن رغم أنف أعاصير الغدر تلوح في الأفق المظلم، وطالما هناك أطفال يتسلحون بـ "نكافة" وحجر يلقونه على دبابات العدو، وطالما أنّ هناك من يحارب ثقافة التهويد بكل ما أوتي من قوة، وطالما أنّ هناك مَن يحتضن شجرة زيتون ليحميها من جرافات صهيونية، سيبقى غصن الزيتون نابضا ً بالحياة مهما طالت فترة اليباس. لا بدّ أن يأتي يوم تخضر فيه هذه الاوراق، لتحتفل بعودة السلام إلى أرض فلسطين.