النائب أحمد عطوان
إن المتتبع لمسيرة المشروع الاستيطاني الصهيوني فوق أرض فلسطين، يلاحظ بشكل ملفت للنظر أن القدس منذ احتلالها عام 1948م و1967م وإلى يومنا هذا كانت تقع في المرتبة الأولى بين الأولويات الاستيطانية في المشروع الصهيوني العام .
ومن السهل أن نرى كيف أن كل القوى والرموز الصهيونية تتسابق في طرح تصوراتها الاستيطانية في القدس والعمل على تطويرها دون كلل ولا ملل، وتبدو لنا القدس على أنها المشروع التنافسي الأول بين قوى الاستيطان الصهيوني المختلفة، وحكومات الاحتلال تعمل وتأكد جميعها على اعتبار القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وبالتالي الاستيطان فيها يجب أن لا يكون محل بحث واعتراض من أي طرف كان .
ليس هناك شك أن الهدف من كل هذه التوسيعات و التغلغلات الاستيطانية هو زيادة عدد المستوطنين اليهود والتفوق الديمغرافي لهم وزيادة المساحة الجغرافية التي يسكنها اليهود ضمن حدود القدس والسيطرة على اكبر مساحة من الأرض بوسائل وطرق مختلفة، بحيث أصبحت الأراضي الفلسطينية عبارة عن جزر معزولة داخل المناطق الاستيطانية، فبالاستيطان فقط يمكن للدولة اليهودية التحكم في نسبة الوجود اليهودي في مدينة القدس وعموم فلسطين، لذا فإن المشاريع الاستيطانية ليست مجرد برامج على هامش نشاطات المشروع الصهيوني، وإنما تمثل روح هذا المشروع وصورته المستقبلية .
فمن الصعب على الدولة اليهودية وهذا الكيان إيقاف الاستيطان بإرادتها لان هذه الخطوة تعني شلل هذا المشروع وتوقفه عن النمو . علما بأن الاستيطان يصطدم بالقوانين والأعراف الدولية التي رفضت أكثر من مرة ما تقوم به إسرائيل من تغيير على الأرض في منطقة القدس وسائر الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، مع إدراكنا بتواطؤ ومشاركة جهات دولية في الحملة المسعورة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على المدينة سواء أكان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.
فما يجري في القدس من زيادة عدد السكان اليهود، والاستيلاء على الأحياء العربية والبيوت وطرد أهلها منها وفرض الغرامات الباهظة المختلفة، وهدم للبيوت بحجج واهية ومحو للهوية العربية والإسلامية، ومحاولة استبدالها بهوية يهودية تاريخيا ودينيا، وعزل المسجد الأقصى المبارك عن محيطه، وحفر الأنفاق وفصل الأحياء الكاملة عن القدس، وبناء الجدار العنصري والعمل من قبل الاحتلال على تقطيع الأحياء العربية وضمان التواصل بين الأحياء اليهودية داخل المدينة وحولها ….. وغير ذلك الكثير، ليؤكد أن ما يحدث بالقدس هو سياسة تطهير عرقي بكل ما في الكلمة من معنى، فالتطهير العرقي في القدس طال البشر والحجر، ويعمل على تدمير المشهد الإسلامي والعربي في المدينة ومحيطها .
الهدف السياسي النهائي للاحتلال هو جعل الواقع الجغرافي المصطنع عقبه أمام أي محاولة لنزع السيطرة الصهيونية عن هذا الجزء الشرقي من المدينة، وإخراج القدس فعليا من أي عملية مفاوضات مزعومة وغيرها.
وفي المقابل فان الموقف الفلسطيني المترهل الضعيف يقبل بتجزئة المدينة أو بأي جزء منها، فقد وقع المفاوض الفلسطيني بأوسلو عام (1993) على هذه الاتفاقية … التي لا يوجد فيها نص واحد يفيد بوقف الأنشطة الاستيطانية، بل على العكس لوحظ أنه بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو تم تركيز الاستيطان في القدس والمناطق الإستراتيجية للمحتل، وذلك في ظل الاتفاق على إرجاء بحث موضوع القدس والمستوطنات إلى مفاوضات الحل الدائم . فهل أصحاب هذا الخيار التفاوضي سيتصدون لهذه المشاريع الاستيطانية ويعملوا على دعم صمود السكان ؟؟ … الواقع عكس ذلك تماما.
ففي ظل وجود هذا التواطؤ الدولي والصمت العربي والضعف الفلسطيني "إسرائيل" عازمة على فرض سياسة الأمر الواقع داخل مدينة القدس؛ حتى لا يبقى شيء يتم التفاوض عليه في ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي . فمرور الزمن هو في غير صالح هذه المدينة عربيا وإسلاميا ، وإن التغول الاستيطاني مستمر في التهامها بسرعة كبيرة وبجنون لا يقف عند حد ولم تنجح جميع القرارات الدولية والعربية في الحد من التهويد للمدينة المقدسة، فمستقبل القدس في خطر ومستقبل المواطن المقدسي في خطر .
إذا أردنا انقاظ ما تبقى من مدينة القدس وأهلها فيجب وضع خطة طوارئ وإنعاش سريعة وعملية، على كافة الصعد والمستويات الرسمية والشعبية ، إعلاميا وسياسيا وماديا قبل أن نبكي على مدينة أضعناها وفرطنا في الدفاع عنها وفي نصرتها وفي دعم صمود أهلها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69850
