إبراهيم غرايبة
«ولم أر في عيوب الناس عيباً
كنقص القادرين على التمام» -أبو الطيب المتنبي.
ثَمَّة مجال لموارد واسعة وغير نفطية في دول الخليج بخاصة والدول العربية بعامة يمكن أن تعود على الاقتصادات والنواتج القومية بأضعاف عائدات النفط، ومنها الثروة السمكية في الخلجان والبحار، والمراعي والثروة الحيوانية والغذائية في الصحاري، والطاقة الشمسية، هذا بالإضافة بالطبع إلى الزراعة والصناعات الغذائية.
يتميز الخليج العربي (نعم عربي بضفتيه) والسواحل اليمنية والبحر الأحمر بثروة سمكية هائلة وذات جودة عالية، يمكن أن تجعل دول الخليج واليمن ومصر والسودان أهم مزوّد للعالم بأفضل أنواع الأسماك بالإضافة إلى الاكتفاء الذاتي وتلبية الإقبال المتزايد على السمك مع تزايد العمالة الآسيوية في الخليج والتي تفضل السمك في عاداتها الغذائية، وهذا سيقلل كثيرا من فاتورة الواردات الغذائية، ويقلل الضغط على الموارد والبيئة البرية.
وبقدر من الاستثمار في تحلية المياه وتطوير الصحراء العربية يمكن إنشاء ثروة حيوانية وصناعات غذائية وأصواف وجلود واسعة تكفي العرب وتكون أيضا سوقا واسعة للصادرات الغذائية إلى العالم الذي يواجه أزمة غذائية كبيرة، وتمكن العرب من تحقيق توازن اقتصادي وغذائي وتجاري مع دول العالم المنتجة للقمح والأرز والسكر وغيرها من المواد التي تحتاج إلى مياه فائضة وبيئة زراعية لا تتوافر في معظم الدول العربية.
والشمس العربية الساطعة في جميع أو معظم أيام السنة يمكن أن تكون مصدرا للطاقة تواجه الطلب المتزايد والملح على الطاقة في الدول الخليجية والعربية وفي العالم، فحتى مع توافر النفط في الدول الخليجية والجزائر وليبيا والعراق وفرص الحصول على طاقة بأقل تكلفة فإن ظروف الطقس القاسية والحاجة الواسعة إلى التكييف تجعلها في مواجهة تحدٍّ كبير لا تحله الطاقة النفطية، ويمكن أن تكون الطاقة الشمسية مصدرا للتكييف والتحلية والطاقة الكهربائية أيضا، وربما يمكنها تصدير الطاقة الشمسية مثل أو أكثر مما تصدر من النفط.
الطاقة الشمسية تمثل حلا معقولا وضروريا لمواجهة تحدي الطقس في الدول الخليجية، ويمكن أن تكون مصدراً لتكييف البيوت والعمائر والمجمعات التجارية والسكنية، والسيارات أيضاً يمكن تزويدها بمصادر للطاقة الشمسية تجعلها في حالة تكييف دائمة ومستمرة، وهكذا فإن قسوة الطقس والشمس يمكن تحويلها إلى نعمة وثروة هائلة لا تقل عن النفط نفسه، وربما يكون قد حان الوقت للبدء بمشروعات الطاقة الشمسية؛ لأن تحويلها أو تطويرها إلى بديل معقول وأقل كلفة وأكثر تقنية وتعقيدا وملاءمة يحتاج إلى وقت طويل وممارسة مقعدة ومستمرة، ولا بد من البداية والتجريب، والظرف الحالي القائم على وفرة النفط وأسعاره المعقولة يمنح فرصة كبيرة للبدء والاستثمار في هذا المجال، وربما يمنح هذا مع الزمن دول الخليج والدول العربية ميزة وسبقا كبيرين؛ بحيث تكون عند تحول العالم إلى الطاقة الشمسية قد قطعت شوطا كبيرا في التقنية والإنتاج وتنظيم الطاقة الشمسية.
وفي دراسة لأسامة الزعلوك (ليبيا) فإن مساحة من الصحراء العربية بحدود 16 ألف كيلومتر مربع يمكن أن توفر 5 أضعاف ما يحتاجه العرب من الطاقة! ولكن ثمة فجوة واسعة بين العرب والعالم في تقنيات الطاقة الشمسية نحتاج إلى جملة اقتراحات وأفكار لجسرها، مثل دعم وتمويل بحوث الطاقة الشمسية، وإنشاء قواعد المعلومات، ومشروعات التدريب والابتعاث للحصول على الخبرات والتقنيات والتجارب العالمية، والتعاون والتكامل العربي لمواجهة تحديات وأفكار قد تعجز عنها دول بمفردها، ويكون مردودها في الوقت نفسه على جميع الدول العربية بل والعالم بأسره.
وتجرى اليوم بالفعل تطبيقات عربية وإن كانت محدودة فإنها فعالة في استخدام الطاقة الشمسية في التدفئة والتبريد وتسخين المياه وتوليد الكهرباء، ولكن بعض التطبيقات ما زالا مكلفاً، وهو أمر طبيعي ومتوقَّع في البداية، ولكن التراكم والاستيعاب للتجربة سيؤديان بالتأكيد إلى إبداع تقنيات أقل تكلفة، ولا يمكن بالطبع أن ننتظر حتى تنخفض التكلفة؛ لأنها حينذاك ستكون سرا تقنيا عصيا علينا، وسندفع تكلفة الحصول عليه واستخدامه أضعافا مضاعفة، ويلاحظ اليوم في أوروبا التي تملك طاقة شمسية أقل بكثير من خُمس ما تملكه الدول العربية أنها تنفق عشرات أضعاف ما تنفقه الدول العربية على مشاريع الطاقة الشمسية، فيعمل (حسب دراسة الزعلوك) في فرنسا وحدها ضعف الذين يعملون في جميع الدول العربية، وتنفق بريطانيا على مشاريع الطاقة الشمسية ما يعادل ما تنفقه جميع الدول العربية.
ولكن لم يفُت الأوان بعدُ للعمل العربي في الطاقة الشمسية، وربما يمنح ذلك العرب أهمية استراتيجية جديدة، ويجعلهم أكثر إسهاما في الحضارة والمشاركة العالمية، بدلا من حالة التهميش والتبعية التي تثقل على العرب وسياساتهم ومواردهم.
……………….
نقلا عن صحيفة العرب القطرية
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69853
