إبراهيم هويت
الحصار الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة حث وسائل الإعلام لرفع وتيرة تركيزها على محاولات أسطول الحرية البحري وما اصطلح على تسميته "الأسطول الجوي" لكسر الحصار خلال فترة الأسبوع الماضي. ولقد أثبت الإسرائيليون قدرتهم السياسية الكبيرة في التأثير على المستوى الدولي وتمكنوا من إقناع الحكومة اليونانية بعدم السماح لسفن أسطول الحرية الثاني من الإبحار إلى قطاع غزة .
الإتهامات باللجوء " للحيل القذرة" تم تنحيتها جانبا مع قيام الحكومة الإسرائيلية و المجتمع المدني ( واستخدامي المحدود لهذا المصطلح) بممارسة ضغوط على عدة جبهات لوقف ما أسموه " تحريض " نشطاء الأعمال الإنسانية الذين يسعون لإيصال المساعدت الإنسانية لسكان قطاع غزة ودعمهم معنويا، في حين السؤال المطروح لماذا لم يتم وصف نشاط إسرائيل النووي ولو مرة واحدة بأنه " تحريض" مع قيام مجموعة صغيرة من المناوئين غير المسلحين بتنظيم مظاهرة احتجاجية عليه؟، وهو الأمر الذي لم يتم تفسيره، ذلك لأن الإسرائيليين و مؤيديهم من جماعات الضغط في مختلف أنحاء العالم لا يحتاجون لشرح أو تفسير تصرفاتهم وأعمالهم ، هم فقط يقولون وعلى الآخرين أن يطبقوا أقوالهم.
مسلك متعجرف
لقد انتقدت وسائط الإعلام الإسرائيلية الحملة الأمنية التي شنتها أجهزة بنيامين نيتانياهو في مطار بن غوريون في تل أبيب بشكل مسبق على وصول نشطاء السلام الذين كانوا يعتزمون التوجه إلى الضفة الغربية التي أطلق عليه تسمية " الإسطول الجوي" ووصفتها بأنها مبالغ فيها، وكما حدث مع إطلاق الأعذار عندما تم مهاجمة سفن أسطول الحرية المتجهة إلى غزة وهي في المياه الدولية ، إدعى رئيس الوزراء نيتانياهو بأنه مكلف بالدفاع عن سيادة "إسرائيل" ولو أنه في نفس الوقت و السياق ينكر على الفلسطينيين حقهم في السيطرة على أراضيهم ومن له حق الزيارة لهم ، لا أحد يهتم بذلك ؟
ليس نيتانياهو بالتأكيد ، حيث أنه وحكومته ينتهجان مسلكا متعجرفا في التعامل مع القوانين والمواثق الدولية . وكما أشار تزيفي بارل في مقالة له في صحيفة "هآارتس" فإن إسرائيل تتحدث عن قطاع غزة وكأنه جزء تابع "لسيادة إسرائيل" ، واعتبارها الحصار كوسيلة للدفاع عن هذه السيادة . وهي تتمسك في القانون الدولي الذي يسمح لها بمنع السفن المتجهة لغزة باعتبارها تمس سيادتها ، بينما ترفض الانصياع له عندما يحاول إبلاغها كيف يجب أن تتصرف بطريقة قانونية كونها دولة "احتلال" . أكثر من ذلك ، فإن "إسرئيل" تلتزم في القانون الدولي فقط عندما تريد إتخاذ إجراء : لاحتجاز أو منع أو تقليص كمية السعرات الحرارية المسموح بها للسكان الذين تحتل أراضيهم. لكنها في نفس الوقت تدفع بهذه المحظورت في القانون الدولي بعيدا خارج مياها الدولية عند الحديث عن منع البناء في المستوطنات أو منع هدم منازل الفلسطينيين.
القوافل البريه وعراقيل المرور
فالقوافل البرية التي تحاول كسر حصار غزة كان يتوجب عليها دائما المرور من خلال مصر ومن ثم الدخول إلى الأراضي المحاصرة في غزة عبر معبر رفح لأن الإسرائيليين يرفضون السماح لأي من هذه القوافل المرور من خلالهم . وكان يتوجب على هذه القوافل تلبية شروط محددة من طرف وزارة الخارجية المصرية في القاهرة وهذا يتطلب كثيرا من العمل الشاق والنوايا الحسنة كي يتم تحقيقه ، لكنه ممكن.
ولقد وصف نظام الرئيس المصري السابق مبارك محاولات القوافل المبكرة بواسطة جورج غلوي المسماة "فيفا بلستينا" بأنها كانت درامية ومثيرة للقلق ، وبالتالي كانت المعارضة والاشتباكات العنيفة التي حدثت مثل تلك التي وقعت في ميناء العريش الصغير عندما تم مهاجمة هذه القوافل بواسطة أتباع النظام القديم. ومنذ ذلك الحين تمكنت مشاريع إنسانية مثل "قوافل أميال من الابتسامات 1 ،2 ، 3" من النجاح في حمل وإيصال الكثير من المساعدت الطبية المطلوبة ومن ضمنها كراسي كهربائية للمعاقين وسيارات إسعاف خاصة لمساعدتهم .
لقد أثبتت عمليات إسرائيل العسكرية في قطاع غزة أن فئة السكان المعاقين (بسبب الحرب) هم فقط الشئ الوحيد الذي لا تفتقده غزة . وقد تسبب الحصار في فقدان 200 مادة دوائية من قائمة الأدوية الأساسية في مستشفيات القطاع . وقد تمكنت القافلة الأخيرة (اميال 3) من تخفيف هذا الوضع المؤلم ولكن ذلك لم يكن كافيا بأية حال من الأحوال.
لقد كانت قافلة أميال من الابتسامات 3 أول تلك القوافل التي مرت عبر الأراضي المصرية في فترة ما بعد مبارك ولم تكن العملية بمثابة نزهة كما توقع الكثيرون حيث ما زالت كل العقبات والمعيقات قائمة عند معبر رفح تراوح مكانها . ومع ذلك ورغم امتثالها لكل اشتراطات الخارجية المصرية ، دخلت القافلة غزة الشهر الماضي ( يونيو 2011 ) بوصفها أول قافلة تدخل القطاع تحت نظام الحكومة المؤقتة وبعد اتفاقية المصالحة بين الفلسطينيين .
وعلى الأقل فقد اعتقد منظمو القافلة بأن ذلك سيكون بمثابة إثبات عملي أن مساعدة الفلسطينيين ليست مرتبطة بأمور حزبية لكنها مرتبطة باحتياجات السكان ، وليس من ذلك التوجهات السياسية للمستفيدين أو للحكومة التي تدير شؤونهم.
إن التأخير في تطبيق مواد اتفاقية المصالحة كان يعني أن الحكومة المضيفة كانت (ولا زالت) يتم إدارتها بواسطة ممثلي مجموعة الإصلاح والتغيير المنتخبة بصورة ديمقراطية. و كانت الجهود السابقة للمنظمات غير الحكومية المعنية بالقافلة من شأنها إثارة غضب جماعات الضغط الموالية لإسرائيل وبالتالي اتهمت تلك المؤسسات الخيرية والأفراد العاملين فيها بأنهم من "مؤيدي حماس" ومن " داعمي الإرهاب " مع توقع بأن يكون ذلك مرة أخرى مماثلا لحالة قافلة اميال من الابتسامات 3.
اميال الابتسامات والمهمة الانسانية
ونسبت صحيفة "جيروزالم بوست" إلى بعض مسؤولي الدفاع الإسرائيليين للتصريح بمجاملة خرقاء قائلين " إن أميال من الابتسامات .. وقيامها بإيصال المساعدات لغزة لا تتورط بمواجهات مع قوات البحرية الإسرائيلية ".
إن حقيقة لجوء السلطات الإسرائيلية للكلام عن أميال من الابتسامات 3 " لإثبات" أن أسطول الحرية 2 يمثل "تحريضاً " هو أمر مثير للحنق ، لكن صياغة عباراتهم بهذا الصدد قد وفر ختم الموافقة لما سلمت به جيروزالم بوست أنه كان " مشروع مساعدات إنساني .. تم تنسيقه بصورة مشتركة بين المسؤولين المصريين وحكومة حماس " .
إن هذا يعد بمثابة أخبار جيدة للمؤسسات الخيرية والمنظمات غير الحكومية بوصفه يشكل اعترافا صريحا إلى حد ما بأن المساعدات الإنسانية للفلسطينيين هي ليست " دعما للإرهاب" ولا أنها تمثل، بشكل أكثر تحديدا، دعما لحماس من قبل منظمي القافلة والمشاركين فيها . طبعاً من المستبعد أن يقنع ذلك جماعات الضغط الإسرائيلية التي دفعت تحركاتها الأخيرة وزير الداخلية البريطاني وأقنعته بضرورة التصرف ، وبحسب كلمات أحد الصحفيين ، " أكثر إسرائيلية من الإسرائليين " بخصوص اعتقال الشحصية القيادية والسياسية العربية الشيخ رائد صلاح . ولكن بعد كل شئ فإن الإعتدال والعقل لم يكونا أبدا النقاط القوية المتوفرة لدى جماعات الضغط . بعض الأشياء لا تتغير أبدأ.
…………………………….
* رئيس الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية "الأنتربال"
** المقال نشر باللغة الانجليزية في صحيفة "ميدل ايست مونيتور"، وتم ترجمته إلى العربية من قبل "إنسان أون لاين" – عدلي البرقوني.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69943
