فاتورة الخير الباهظة.. متى تنهي مشكلات الأمة؟

مواسم العمل يجب ان تخضع لدراسة وضبط

انقضى شهر رمضان المعظم لهذا العام،  وكان شاهداً ـ كعادته ـ على خيرية أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، شاهداً على أحداث استثنائية في عمر الأمة والتاريخ الحديث، فما بين ثورات قامت وخلعت حكاماً جثموا في حكم أوطانهم بقبضات حديدية لسنوات طويلة، وثورات لا تزال قائمة، يقدم الثائرون فيها أثمانا باهظة من دمائهم وأموالهم وأعمارهم، وبما خلفته هذه الثورات من أزمات اقتصادية وإنسانية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية المسبقة، ومعدلات الفقر المرتفعة،  وتدني المستويات الصحية والتعليمية في أغلب دول الإسلام، وكذلك الأزمات والكوارث التي حلت في أكثر من مكان، ولعل أكثرها قسوة تلك المجاعات اللعينة والجفاف العظيم الذي طال منطقة القرن الأفريقي المسلم، ودولة الصومال العربية، فخلف أكثر من 29 ألف قتيل معظمهم من الأطفال، في مدة وجيزة لا تتخطى ثلاثة شهور؛ الأمر الذي فاق كل إمكانات المساعدة والدعم على أرض الواقع، رغم استنكار المؤسسات الدولية الداعمة أن يحدث هذا في زمن صارت فيه الأرض قرية صغيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو ما يجعل السؤال الملح يفر من بين الثنايا: هل أصبحت الفاتورة الخيرية الإسلامية، التي تتصاعد قيمتها عاماً تلو العام، من أجل شكر النعم والفوز بالجنة، وفي  ظل مثل  هذه المشكلات المتصاعدة ـ أيضاً ـ، عبئاً ثقيلاً يرهق كاهل الخيرين؟
 
الأمر على أرض الواقع يؤكد هذه الحقيقة، والخوف من الانغماس في وحل السياسة يعتبر عائقاً بالحسابات التقليدية، ولكن بالحسابات الإنسانية الدقيقة والمنظمة، التي تستمد قيمها من التعاليم الإسلامية، والتي يجب أن تسير وفق الأولويات التي حضت عليها الشريعة السمحة، بما يضمن للمسلم الحق في الحياة، وعلو الشأن، ودرء المشكلات، خاصة أن الفاتورة الخيرية الضخمة من شأنها أن تستوعب كل الأزمات والمشكلات إذا أٌحسن استثمارها إنسانياً وفق أولويات سنفرد الكلام عنها بعد التطرق لقيمة الفواتير والنفقات التي قدمتها أمة الإسلام وأهلها  من أجل الدعم  الخيري، حسب الإحصاءات الموثقة في غير مكان من أماكن الأمة:
 
فلقد استأثرت المملكة السعودية بنسبة 56.5% من قيمة النفقات والفواتير الخيرية الخليجية، التي تمثل قيمة التبرعات النقدية الحكومية فيها نسبة تصل إلى 90.6%، بإجمالي مبالغ 749.1 مليار ريال، شكلت فيها الجمعيات والمؤسسات المانحة مبالغ وصلت إلى 736.5 مليار ريال، حسب  التقرير المعلوماتي الصادر عن مركز (مداد) لأبحاث ودراسات العمل الخيري، والمنشور في جريدة الشرق الأوسط اللندنية، وفي أكثر من نافذة إلكترونية، نقلاً على لسان الدكتور خالد السريحي ـ مدير عام مركز مداد ـ.
وفي مصر، وحسب دراسة أجراها مركز معلومات مجلس الوزراء، منشورة بتاريخ 6/9/2010 بجريدة الأهرام الرقمية المصرية، فقد بلغ حجم الإنفاق الخيري المصري مبالغ تجاوزت 4.5 مليار دولار سنوياً، منها 200 مليون جنيه على الموائد الرمضانية.
 
وقد قُدر الوقف الإسلامي عالميا بمبالغ وصلت 105 مليارات دولار ـ حسب تقرير صحيفة (arabianbusiness)، والمنشور إلكترونياً بتاريخ 20 ديسمبر 2010. وبلغت الصناديق الاستثمارية الإسلامية العالمية مبلغ 52 مليار دولار حسب تقرير صادر عن الصحيفة نفسها، بتاريخ 25 مايو 2010؛ الأمر الذي يثير الاندهاش والعجب عن عجز كل هذه المليارات المرصودة،  والتي من شأنها أن تؤسس لعوالم جديدة يظفر فيها أهلها بكل أسباب الكفاف، عن حل هذه المشكلات التي صارت تحوط الأمة من كل جانب، ويتداعى لها أفرادها، فيفقدون بسببها حقوقهم  الأصلية، وأكبرها حقهم في الحياة!
 
والحقيقة، رغم كل هذه الأموال والوفرة الخيرية، والدعم غير المتوقف من قبل الحكومات والمؤسسات التابعة لها، والمؤسسات الأهلية  الإسلامية، وأصحاب الأيادي والقلوب البيضاء من أبناء الإسلام وكوادره الخيرية، ومن خلال قراءات  في أمور شتى؛ فقد رصدت أسبابا متعددة هي السبب المباشر وراء التفاقم وعدم السيطرة التامة على المشكلات ومواجهة الأزمات في عالمنا الإسلامي الكبير، نذكر منها:
 
§       الخوف من الانغماس في وحل السياسة، وسط  أجواء عالمية مشحونة ضد الإسلام وأهله من قبل القوى العالمية المتربصة، والتي سرعان ما تصدر تقاريرها المشبوهة بأن ما يقدم من دعم يقع في قبضة المتطرفين الإسلاميين، ويزيد من الاضطراب والقلق الدولي لخطورة الأمر، وكذلك  وضعها للكثير من المؤسسات الخيرية والتنموية الإسلامية في قوائم المؤسسات الداعمة للإرهاب حول العالم؛ مما يجعل الدول العربية والإسلامية في محاولة للنأي عن نفسها من هذه الاتهامات أن تفرض قيوداً على عملية نقل الأموال الخيرية، إلا في إطارات رسمية تعبث بها البيروقراطية الحكومية لمؤسسات أقل قدرة على حسن التصرف والاستثمار الخيري؛ مما يزيد من تفاقم الأزمات، وصعوبة السيطرة عليها بنفس الطاقات والقيم والإمكانات التي قد تقدم. (1)
 
§       تفرق الأموال الخيرية في أماكن وسبل شتى، وبصور غير مكثفة؛  مما قد يفقدها قيمتها الاستثمارية المثلى، وبما يحول دون الاستفادة القصوى، خاصة إذا حدثت الأزمات والمشكلات الكبرى والطارئة.
 
§       عدم تسويق الأزمات والكوارث والطواريء التي تحل في البلدان الإسلامية والعربية إلا بعد  تفاقمها، وعدم نقل الصور الدقيقة، وعدم الدعوة الصريحة لتقديم الدعم والإغاثة والتدخل الإنساني بالشكل الذي حضت عليه تعاليم الإسلام، خاصة إذا كانت الدولة المنكوبة ليست من دول الجوار.
 
§       اتكال الدول ومؤسساتها على المؤسسات والهيئات الإغاثية القارية والدولية، لتقوم بالدور الإنساني منفردة؛ لتعوقها المصالح والحسابات السياسية أحياناً، أو أن تعجزها الإمكانات المادية في جل الأحيان.
 
§       عدم تكاتف الدول في عملية الدعم  والتكافل الاجتماعي  والإنساني، لتكمل إحداها ما بدأته الأخرى، ليتم القضاء على مشكلة معينة  في دولة أو مكان محدد، وعدم وجود أجندة إسلامية وعربية واضحة  تحتم التدخل الإغاثي والإنساني وفق الأولويات التي حضت عليها الشريعة  وروح الإسلام، رغم انتشار المشروعات الخيرية الكبيرة في دول إسلامية مدعومة من قريناتها، ولكنها لا تخرج عن أنشطة محددة.
 
هذه هي بعض الأسباب التي قد تحول بين عملية الدعم الخيري العملاقة والقضاء التام على المشكلات في المجتمعات العربي  والإسلامية، والتي ينتظر منها أن تقوم بأدوار أكثر قوة وفق متطلبات ومعايير وأولويات معينة، ومنها:
 
أولاً: وهي البديهيات والأبجديات والأساسيات التي أقرتها الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم، فقد حث القرآن الكريم على المحافظة على الحياة والروح الإنسانية، فقال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) (2). بمعنى أن أولوية أي عمل خيري وإنساني يجب أن يكون باعثه الأول هو المحافظة على حياة الإنسان المسلم، ومواجهة كل ما قد يؤدي إلى هلاكها، وأخطرها الحوادث والكوارث والطواريء، أو حتى الحروب التي أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن تكون المحافظة على روح الإنسان المسلم فيها من أهم الأولويات، فقال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) (3). وقال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (4). والأخوة تضمن للإخوة التكافل والوقوف معاً دائماً في السراء والضراء، قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (5). والوحدة تعني عدم التجزّؤ أو التفرق أو الانفصال أو تنحية الوجه، تلك هي الوحدة التي كتبها الله تعالى لأمة الإسلام في لوحه المحفوظ، وهذا يعني أن الدعم الخيري يجب أن يكون حريصاً على المحافظة على أرواح كل المسلمين، رافعاً عنها كل ما يهددها، ليس فقط في الحيز القبلي أو الإقليمي، متحرراً من الحدود والقيود والخرائط التي كبل بها الاستعمار الأرض وأهلها، والتي لا تزال هي أكبر عقبات تقديم الدعم الخيري في الوقت المناسب، معلياً القيم التي ارتضى الله لعباده في الأرض.
 
ثانياً: العمل والأخذ بالاستثناءات التي أقرتها التعاليم الإسلامية، والتي أجمع عليها الفقهاء، بجواز نقل الزكاة والصدقات في الحالات المحددة  والمعروفة، كأن يستغني أهل بلد ما، أو توجد مجاعة أو كارثة في بلاد المسلمين، أو كان الأمر يتعلق بمساعدة المجاهدين الذين يدافعون عن الإسلام وأهله (6)، مع  الأخذ في الاعتبار أن المصارف الثمانية، التي حددها القرآن الكريم للزكاة والصدقات، لا تغني عن أن تكون الأولوية في  تقديم الدعم الخيري لدفع الخطر الذي قد يهدد الحياة الإنسانية، قال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (7). وكل هذه الصور التي وردت في الآية الكريمة لا تحول بين الإنسان وحياته، ولكنها قد تعترضها، وتكدر صفوها، وتحول بين تمام الاستقرار والرفاهية المطلوبة لتؤدي دورها في عمارة الأرض وعبادة الواحد القهار ـ سبحانه وتعالى ـ .
 
ثالثاً: أولويات يجب أن تكون نصب أعين الهيئات والمؤسسات وشركاء العمل الخيري في العالم الإسلامي، ومنها:-
§       العمل المسبق على اكتشاف المشاكل التي قد تكون آثارها كارثية تهدد أعدادا وفئات كثيرة من البشر، والعمل على مواجهتها قبل أن تصبح خطراًً عظيماً يصعب السيطرة عليه، وذلك من خلال العمل الاستكشافي، وإنشاء أجهزة تابعة للمؤسسات الخيرية  يكون لديها القدرة على ذلك، وكذلك الأخذ بالتقارير الإخبارية والصحفية التي تنذر بمثل هذه الأمور.
§       أن تكون الأهداف الأساسية للجمعيات والمؤسسات الخيرية العربية والإسلامية هي أولوية تقديم الدعم للمحافظة على الحياة الإنسانية للفرد المسلم، في الداخل والخارج، خاصة إذا لم يكن هناك خطر قد يحيق بالفئات التي تعمل من أجلها، والعمل على تقنين ذلك.
§       العمل على إنشاء ائتلاف بين المؤسسات في كل أنحاء البلدان الإسلامية، وتوجيهها دائماً نحو القضايا الأساسية التي تخدم المصالح العليا للإسلام وأهله.
§       العمل الدائم على أن يتم التواصل بين المؤسسات والجمعيات الخيرية والعربية والإسلامية، كل على اختلاف رؤيتها وأهدافها، وفي إطار قانوني، لاتخاذ قرارات من أجل أدوار ناجعة في عملية مواجهة مشكلات الأمة.(8)
§       المساهمة في إنشاء مراكز بحثية، تساهم في دعم العمل الخيري، من خلال إجراء عمليات البحث الميداني، وتقديم المشورة والنصائح اللازمة من أجل تقديم استثمارات خيرية تساهم في تقديم الإنسان المسلم في أفضل الحلل.
 
……………………………
المصدر: المركز الدولي للدراسات والابحاث (مداد)