أطفال لعائلات سورية نازحة في لبنان
لم تصل معالجة مشكلة النازحين في لبنان إلى حد اعطائها الاهتمام اللازم من المسؤولين. وما يجري يبقى مجرد كلام وبيانات واحصاءات، أما على الأرض فحدّث ولا حرج.
إذ ان للمشكلة أبعاداً مختلفة منها الأمني أي أمن النازحين وحياتهم، وثانياً البعد الاجتماعي- والاقتصادي، وثالثاً الموقف السياسي الرسمي من القضية برمتها.
أما الأبرز في المشكلة وتداعياتها فهو وجود موقف خفي ربما يقضي بالتعامل مع المسألة من باب الاتفاقات الأمنية اللبنانية- والسورية وما يحكى عن بنودها غير المعروفة لجهة التعامل مع النازحين باعتبارهم مطلوبين، وما نصت عليه اتفاقية رقم 97، تاريخ 26-9-1991 والمسماة باتفاقية الدفاع والأمن، والتي تضمنت بنوداً حول "منع أي نشاط أو عمل أو تنظيم في كل المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية من شأنه إلحاق الأذى والإساءة للبلد الآخر. وأن يلتزم كلّ من الجانبين بعدم إيواء أشخاص أو منظمات يعملون ضد أمن البلد الآخر وفي حال حصول ذلك تسليمهم للجانب الثاني".
وإلا ما تفسير التوقيفات الدائمة للنازحين على الحواجز الأمنية اللبنانية وارتفاع منسوب ووتيرة الاجتماعات الأمنية لما يسمى بلجنة الحدود (اجتماعان في أقل من شهر في وقت تواجه سوريا احتجاجات عارمة)، والتغاضي عن التزام لبنان ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدة الدولية لتنظيم أوضاع اللاجئين ومناهضة التعذيب.
والقضية على حد قول العشرات من النازحين ليست فقط رغيف الخبز والحصة الغذائية والمعاينة الطبية والأغطية، وكلها في الأساس تتوفر "بالقطارة"، بل القضية هي بقاء ووجود وحماية في ظل موقفين اثنين: التوقيف المؤقت من قبل الجهات الأمنية اللبنانية بسبب غياب الوثائق والقسائم، وثانياً دور الشبكات الأمنية السورية وأزلامها والمتعاونين معها في لبنان التي نشطت مؤخراً على عينك يا تاجر، لاستدراج ناشطين فعليين بوسائط وأدوات عمل استخباراتية كاستخدام المنومات والتخدير والاعتقال والاختطاف والجر عبر النهر الكبير الجنوبي الى سوريا وهؤلاء إلى الآن صاروا خمسة حسب لجنة النازحين وهم: عدنان حلوم، محمود حيدر، نضال حيدر ورامي ومحمود العلي وعثر عليهم لاحقاً في داخل مراكز الاستخبارات العسكرية والجوية في حمص وتخوف آخرين من المصير نفسه اضافة الى تهديدات عبر الهاتف الخلوي وأخرى تتعلق بتوقيف الأقارب والأنسباء في الداخل، وسوى ذلك من سلوكيات باتت معروفة.
والمشكلة الأخرى الأشد وقعاً هي محاولة التلاعب بأعداد النازحين في بورصة أرصدة صعوداً وهبوطاً وفقاً للوائح تكبر وتصغر حسب الامكانيات المتوافرة لدى الهيئات المانحة والاغاثية، الى الاتجار الكبير الذي تمارسه هيئات أخرى جعلت من القضية مصدراً للاسترزاق، بدل أن تأخذ طابعها الانساني البحت.
في هذا الاطار لا توافق لجنة النازحين على ما تورده المفوضية العليا للاجئين السوريين في الشمال من ان العدد وصل الى 2819 نازحاً باعتبار أن تعدادها بنته وفق تقريرها الذي أصدرته اثر عملية توزيع المساعدات على الأسر النازحة بشكل مباشر، ويأتي هذا الرقم بعد رقم كانت أصدرته المفوضية قبل أسبوعين قدّر العدد بأربعة آلاف. التعداد غير منطقي وغير موضوعي، ولا يمكن تحديد العدد على أساس مساعدات قدمت، كما أن اللجنة تعلم علم اليقين أن مئات النازحين السوريين يخافون على مصيرهم وهم من بين الناشطين السياسيين وغير السياسيين الذين آثروا الاختباء لدى عائلات خوفاً من المطاردة والملاحقة والاختطاف.
ويقول محمد عناد سليمان عضو "المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا" و"المجلس الأعلى لقيادة الثورة السورية"، ممثل النازحين في لبنان ان عدد النَّازحين السُّوريين إلى لبنان هو 3500 نازح، غالبيتهم في الشمال، إلا أنَّ هؤلاء لم تسلم حياتهم من تنغيص طال معظم جوانب الحياة العامَّة في المجالين الأمنيّ والاقتصاديّ، ولم تتوفَّر لهم أبسط حقوق الرِّعاية في هذين الجانبين.
ويوضح انه سُجِّلت حالات اعتقال كثيرة من قِبَل السُّلطات اللبنانيَّة، بحجَّة عدم حمل قسيمة الدُّخول إلى الأراضي اللبنانيَّة، وهي حجَّة باطلة من أساسها، فكيف يمكن لنازح دخل بطريق غير شرعي بحثًا عن الآمان أن يحمل بطاقة دخول شرعيَّة؟
وآخر هذه الاعتقالات ما حدث فجر الأربعاء عندما قامت القوات الأمنية اللبنانيَّة باعتقال الشَّاب سامر باكير أثناء عودته إلى مكان إقامته في "وادي خالد"، من دون سبب يذكر، أو جرم يبرِّر ما فعلوه.
ويضيف إنَّ الأمر راح إلى أبعد من ذلك، عندما بدأت هذه القوَّات باعتراض الطَّريق على اللُّبنانيِّين أنفسهم الذين يقومون بواجبهم الإنسانيّ في مساعدة الجرحى السُّورييِّن ومحاولة إيصالهم إلى المستشفيات وتقديم المساعدة الإنسانيَّة لهم، وما حدث في منطقة "عرسال" اللبنانيَّة خير دليل على ذلك، حيث قامت هذه القوَّات بإيقاف سيارة مدنيَّة كانت تقلُّ جريحًا سوريًا، وقبل نقله إلى سيارة الإسعاف رموه أرضًا، وانهالوا بالشَّتائم على مَنْ قام بنقله.
وفي الجانب الاقتصادي، يقول سليمان ان الوضع مأسوي لأن ما يقدم للنازحين يكاد ينحصر بالمساعدات الغذائيَّة، ممَّا دفع الكثير منهم إلى بيعها بثمن بخس من أجل الحصول على بعض المال لتأمين بعض المستلزمات الضَّروريَّة.
وتقدم سليمان بسلسلة اقتراحات من بينها التَّدخُّل الفوريّ لمفوضية اللاجئين في لبنان من أجل منح النَّازحين السُّوريين بطاقات تعطيهم حقَّ التَّجوُّل بحريَّة من جهة، والبحث عن فرص عمل لتأمين حياتهم من جهة أخرى. والتَّدخُّل السَّريع للمفوضيَّة للبحث عن مكان أكثر أمنًا، يمنع التَّعرُّض للتوقيف أو الاعتقال، إلى حين الانتهاء من إجراءات حقوق اللُّجوء في لبنان. وتأمين المستلزمات المعاشيَّة الضَّروريَّة بخاصَّة ما يتعلَّق منها بفصل الشتاء، من بطانيات وألبسة شتوية تحميهم من برد الشِّتاء القارص.
في جانب آخر تظهر مشكلة الطلاب والتلامذة الجامعيين الى الواجهة باعتبار أن هناك قراراً اتخذ بتسجيل هؤلاء مجاناً في المدارس مستثنياً الطلاب الجامعيين، وفيما يقدر عدد التلامذة بحوالي المئة وخمسين في المراحل كافة، فإن هؤلاء فوجئوا من قبل ادارات المدارس بوجود تعميم يقضي بضرورة الاستحصال على إذن اقامة من الأمن العام، أو صورة عن جواز سفر أو هوية يُضاف اليها افادة من المدرسة التي كان يتلقى فيها التلميذ تعليمه في سوريا، وباعتبار ان الغالبية لا يملكون هذه الوثائق باعتبارها اما حرقت أو صودرت أو تركت، يبقى أن هؤلاء لن يدخلوا إلى المدارس الرسمية في لبنان، هذا عدا أنه لم يتخذ قرار بشأن الشابات والشبان الذين كانوا يدرسون في الجامعات السورية وعددهم يقدر بعشرة.
عن موقع صحيفة المستقبل الالكتروني
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69960
