نجاح عمل المؤسسات يكمن في المراجعة والتطوير دائما – ارشيفية
في غمرة الحديث عن التغيير الحادث من حولنا والذي انتشرت بشائره في أرجاء عالم عربي قد سيطر عليه لعقود من الزمن حكم أحادي تسلطي استشرى من أعلى قمة الهرم حتى بدت ملامحه في الكيانات المجتمعية الدنيا ، في ظل هذا الواقع هل لنا أن نتساءل متى سيحل على مؤسساتنا الأهلية ربيعها؟
نحاول هنا أن نلقي نظرة مقتضبة على واقع مؤسساتنا الأهلية ونتساءل عن مدى قابليتها للتغير الثوري (الجذري) الذي عمت ملامحه شعوباً وأوطاناً من حولنا، أم أنها ستلجأ إلى التغيير الذاتي حتى لا تطالها يد التغيير الخشنة.
إن مؤسساتنا الأهلية الفلسطينية على الأغلب وخصوصاً في قطاع غزة يغلب عليها الطابع الحزبي، فهي بالتأكيد تعكس صورة للمجتمع الفلسطيني الذي هو مفروز بطبيعته منذ زمن، نظراً لتعدد الاتجاهات التي تعمل على حل القضية والمساهمة في تعزيز صمود من يقعون تحت الاحتلال. فتأتي هذه المؤسسات لتعالج بعض آثار الاحتلال والسياسات المنهجية التي يتبعها لضرب صمود وبقاء هذا الشعب العظيم على أرضه ، فتأتي هذه المؤسسات كأحد أشكال النضال الفلسطيني ، لنجد أن المؤسسات الأهلية تندرج ضمن مقدرات وأذرع هذا الفصيل أو ذاك.
ولا ضير في ذلك ( من وجهة نظري ) بل لعل هذا الأمر يعطي العمل الأهلي ميزة تنافسية تخلو بعض المجتمعات منها، فالمنافسة الشريفة على خدمة الناس بالتأكيد تزيد من عدد المستفيدين وتقلل من عدد المشاكل التي تحتاج إلى حل، لكن المشكلة تكمن إن كانت هذه المؤسسات تمثلها إدارات عليا غير مهنية إدارياً وتفتقد إلى بعد النظر التخطيطي وتكون النظرة لديها قاصرة على أن هذه المؤسسة هي من مؤسسات هذا الفصيل أو ذاك وعليه يتم تقسيم المناصب وفقاً للتقسيمات الحزبية ، والأمّر من ذلك إن كانت البرامج والمشاريع التي تقوم بها هذه المؤسسات تأخذ نفس القسمة الحزبية والمناطقية فيصبح الموضوع أكثر سوءاً.
إن الناظر إلى الادارات العليا في مؤسساتنا ومجالس إدارتها المختلفة يجد العجب العجاب ، حدثني أحد الأخوة العاملين في مجال الإعلام والذي أثق به أن أحد الأشخاص عضواً في مجلس إدارة أكثر من 20 مؤسسة أهلية ، فتعجبت أيما عجب وحمدت الله كثيراً أن وجد في زماننا وبين ظهرانينا من لم تلد النساء مثله فريد دهره وزمانه، ناهيك عن عدم التخصص الغريب في أعضاء مجالس الادارة فمن طبيب متخصص في مجاله يؤتى به ليكون عضواً في جمعية زراعية إلى ضابط في الداخلية ليكون عضواً في مؤسسة صحية وآخر ليس له في هذا أو ذاك ليكون في مؤسسة تعليمية ..
وهذا لا تجده إلا عندنا في غزة، وما تستغرب منه بحق هو حالة الفوقية التي يشعر بها من بعض من يصبح عضواً في مجلس إدارة قد يكون عدد الموظفين فيها لا يتجاوز عدد أصابع اليد. وأزيدك من الشعر بيتاً عندما يوسد أمر مؤسسة من المؤسسات المهمة مثلاً إلى من لا يجد في حياته وقتاً لنفسه أو لأهله لانشغالاته المتعددة.. فتوقن ساعتها أن أمهاتنا قد عقمت أن تنجب العظماء منذ عقود وأن النجباء فقط هم من اكتسى الشيب رأسه .
كيف لمن هذه بعض صفاتهم أن يقوموا بالعمل على حل مشاكل مجتمعهم تلك المشاكل المستعصية التي تحتاج إلى حضور الذهن على الدوام وتحسس الاحتياجات أولاً بأول بكل الوسائل والأدوات، وكيف سيخاطب هؤلاء الجهات المانحة التي تعمل بذكاء ودهاء ومهنية نفتقدها ويعلمون عنا ما لا نتوقعه نحن ويعجبهم العمل بندية معهم وبتخطيط واتقان.
إن الهموم التي تعتمل في نفوس العاملين في مجال العمل الأهلي تبدو خافتة حتى اللحظة لكنها قد تعلو ويجب أن تعلو فمن يخاف على رزقه لا يؤمن بربه حق الايمان فالزق بيد الله وحده ولن يستطيع أحد كائناً من كان أن يمنع خيراً مهما بلغ من أن يصل من أراد الله له أن يصله هذا الخير . فالحديث بهذه الروح لا يقدح في أمانة أو صدق من نتحدث عنهم لكنها الادارة الخاطئة التي ينتهجها البعض والتي قد يصاحبها تكبر فارغ يشي بفراغ ما في الصدور وقد لا يستع المقام للتفصيل أكثر فمن يعيش على هذه الأرض يرى بأم عينه نماذج كثيرة تصدق ما نقول .
لقد أعطتنا الأزمة العالمية الأخيرة دروساً هامة في كثير من المجالات نستخلص منها ما قاله العديد من المحللين والمراقبين أن الخلل الإداري وسلوك بعض أصحاب الادارات العليا كان سبباً رئيسياً في تلك الأزمة بل لقد فاقم منها الطريقة غير الصحيحة في المعالجة الادارية لمؤشرات حدوث هذه الأزمة منذ البداية.
إن المواطن المتعب منهك القوى يستحق منا أن نقول وأن نعلي صوتنا حتى نكون رأياً عاماً يجبر الكل الفلسطيني إلى التفكير عميقاً وملياً لتقدير هذه الافكار والمطالب المتعلقة بالتغير الجذري المرغوب والشروع الذاتي فيه .
ففلسطين تستحق منا أن نتعب وأن نتحمل وأن نصارح ونواجه أنفسنا بكل شفافية وأن نتقبل أي شيء في سبيل المصلحة العامة فنظرة من المتنفذين والقائمين على هذه المؤسسات أن يعطوا أولوية لما يدور داخلها والاستماع من الجميع من أعلى الهرم حتى أخر موظف فيها، متسلحين بأفكار التغيير والتطوير والرقي وليكن الهدف من التغيير مسح الألآم الكبيرة الموجودة في صدور وقلوب هذا الشعب المكلوم وتعزيز صموده ليشهد لنا أمام الله شهادة ترتاح قلوبنا عند سماعها.
لعلها همسة نهمس بها إلى الجميع ونحن نستشرف عام جديد ونتأمل ما وصلت إليه الكثير من المؤسسات في العالم والتي نشترك وإياها في الهموم لكنهم يختلفون عنا في المهنية الإدارية ويجيدون التخطيط للمستقبل.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69969
