المؤسسات الخيرية هل هي تجارة مع البشر أم تجارة مع الله؟!

غراس العمل الإنساني ينمو بجهود أهل الخير

"ليس لنا أن نجزم بأحقية أحد الفقراء أو المحتاجين عن غيره في الدعم المادي من الأفراد أو المؤسسات الخيرية؛ فهذا الجزم والتأكيد يحتاج بالطبع منا لبحث حالته الاجتماعية، وظروفه المادية، ومصدر دخله، وهل هو محدود أو كبير.. وهذا بالطبع واجب ولزام على مسؤولي الجمعيات الخيرية والقائمين عليها؛ حتى يمكنهم العدل مع الاعتدال في توزيع مال الله تعالى لمستحقيه كما ينبغي.
 
وضرورة ذلك الأمر تتلخص في كون بعض المطالبين بالإعانات المادية ـ أحياناً ـ من ذوي النفوس الضعيفة الطامعة، والتي لا تشبع، بل إنها تستحل أخذ حقوق غيرها من المحتاجين لهذه الأموال بالفعل من فقراء الأمة، في حين أن الشخص منهم لا يكون في حاجة فعلية لهذه الإعانات، ومنهم من هو في مصاف الأغنياء، ولكنه ـ عافانا الله وإياكم ـ يعاني من مرض نفسي، عَرَضُه الواضح هو التسول والشحاذة، مع وضع نفسه في قالب الفقير ذي الثياب الرثّة البالية.
 
ولكن هذا البحث المنوط من الجمعيات الخيرية تجاه هؤلاء المطالبين بالمعونات، هو أمر ضروري وممكن، وإذا أحسَنَّا التحري من خلاله فسوف يذهب لكل مستحق حقه في مال الله.
 
ولكن الأهم هنا هو التحري الدقيق ـ ليس على من تذهب إليهم تلك الأموال ـ ولكن في القائمين عليها، ومن يتولون مهمة توصيل المعونات الخيرية (من وإلى)؛ فللأسف، بعض المؤسسات الخيرية متهمة من الكثيرين بأنها تجارة مربحة لمؤسسيها والمسؤولين عنها، وأنهم هم من أكثر المستفيدين منها مادياً واجتماعياً، وأن ما يذهب للفقراء من خلالهم هو الفتات، وأن الذي يظهر للعامة من مشروعات خيرية لخدمة الفقراء والأيتام ما هو إلا قليل من كثير. كما أنها متهمة ـ أيضاً ـ بأن هذه التجارة والمشروعات المتنامية ـ الخاصة ببعض مسؤولي هذه الجمعيات والمؤسسات ـ أغلب تمويلها يكون من التبرعات الضخمة، التي تصل لهذه الجمعيات عن طريق المتبرعين من كل أنحاء المعمورة.
 
وبغض النظر عن كون بعض تلك الجمعيات تنتمي  إلى المؤسسات الرسمية التي تخضع لنظام الدولة، أو هي جمعيات خاصة، فما يهمنا هنا، كيفية أدائها للدور الذي تقوم به، ودورها الأساسي المُنْشأةِ من أجله، ومدى الأمانة في كافة تعاملاتها.
 
ولعل الرأي الأرجح ـ والذي هو عن قناعة شخصية ـ أن هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية هدفها الأول والأخير هو مساعدة المحتاجين، وإنشاء مشروعات خيرية مجتمعية تدعم نوازل أبناء الوطن الذي نشأت فيه، وأهدافها متعددة، بل ومتشعبة ـ أيضاً ـ في أغلب الأحيان.
 
تنامي دور المؤسسات الخيرية مؤخراً
لا شك من أن بدايات إنشاء وتعدد المؤسسات الخيرية تنامى سريعاً، وبشكل كبير، في الآونة الأخيرة؛ فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة متغيرات عديدة قبل حلول الألفية الثالثة، فخلال هذه الفترة الوجيزة، وقبل أن يأفل نجم القرن العشرين، وصلت التجارة الدولية والاستثمارات العالمية إلى أقصى نمو لها، واتسعت الفجوة بين دول الشمال والجنوب، ونتج عن هذا النمو الاقتصادي أن أصبحت الأغلبية تعاني من الفقر، بينما الأقلية تتمتع بثروات طائلة.
 
وشدت هذه التغيرات العديدة الانتباه إلى التحديات التي تواجه التنمية، كالتدهور البيئي، واستنفاذ الموارد؛ نتيجة للتنمية غير المستدامة والزيادة السكانية.
 
وكان من الطبيعي أن يؤدي تعثر خطط التنمية، في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة، إلى حدوث بعض الآثار السلبية على محدودي الدخل نتيجة لهذه البرامج، التي أدت إلى زيادة حدة الفقر، وتفاقم البطالة بين أفراد المجتمع؛ مما دفع بالحكومات إلى البحث عن منهج يكون أكثر التزاماً بالبعد الاجتماعي، وأكثر مرونة وكفاءة في العمل التنموي، ولا تحركه بواعث الربح الخاص، فضلاً عن وجود أفكار مبتكرة ومتجددة لمواجهة احتياجات مجتمعاتها.
 
وقد تمثل هذا في جهود وأنشطة المنظمات الخيرية التطوعية، التي بدت قادرة على أن تلعب دوراً إيجابياً في عمليات التنمية المحلية؛ أي تنمية مجتمعاتها، مع السماح بمشاركة أكبر من جانب الأفراد في تحقيق التنمية.
 
وتركز الجمعيات الخيرية برامجها ومشروعاتها على الفئات المهمشة والأكثر احتياجاً، وبالتحديد المناطق العشوائية، والمناطق الشعبية والمكتظة بالسكان بالمدن، وفي المناطق النائية والنجوع بالقرى والمراكز؛ وذلك بهدف استثارة المجتمعات المحلية لدعم مفهوم المشاركة المجتمعية في حل المشاكل والقضايا التي تواجههم، كذلك تفجير الطاقات الكامنة لديهم من أجل القدرة على الفعل بطريقة أفضل؛ مما ينعكس إيجابياً على مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
 
وتقدم بذلك الجمعيات الخيرية صياغة جديدة للواقع، ورؤية حضارية لمفهوم المشاركة المتبادلة، بدلاً من المفهوم التقليدي، وهو أن يقتصر طرف على تلقي الخدمة في مقابل آخر مانح لهذه الخدمة.
 
مفهوم الجمعيات الخيرية
ويشير مفهوم الجمعيات الخيرية إلى تلك التجمعات المنظمة غير الهادفة للربح، والتي تعمل في مجالات الرعاية الاجتماعية، وتعتمد في تمويلها على تبرعات القطاع الخاص، وأشخاص من المجتمع، أو من جهات أجنبية. كما إنها قد تحصل على دعم الحكومة؛ لمساعدتها في إنجاز أهدافها غير السياسية.
 
وتعبر هذه المؤسسات عن صورة حديثة لفكرة "التكافل الاجتماعي"، خصوصاً في أوقات الكوارث والأزمات، وتشمل جمعيات للمساعدة الذاتية، وأخرى تعاونية خيرية، وغيرها من الروابط الدينية التابعة للمساجد ودور العبادة، أو متخصصة في حقوق الإنسان، وتلك التي تسعى إلى تنظيم الأسرة، ورعاية الأمومة والطفولة، وتقديم الخدمات الصحية بأسعار رمزية.
 
ومن بين هذه المنظمات ما يعمل في المجال الاجتماعي، أو الرياضي، أو الترفيهي وحده، مثل تلك المهتمة بخدمة المعوقين، أو إنشاء دور الحضانة ورياض الأطفال ودور المسنين، وإقامة برامج لمحو الأمية ومساعدة الشباب، ومنظمات المرأة، التي تهتم بتوفير خدمات الرعاية الصحية والتعليمية والنفسية للأمهات والأطفال، كما تقوم بدراسات حول قضايا المرأة، وتنظيم الندوات والملتقيات الفكرية.
 
وهناك منظمات تمارس نشاطاً سياسياً ممزوجاً بالنشاط الاجتماعي، كمنظمات البيئة، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية.
 
وتمثل الجمعيات الخيرية جزءاً من القطاع المجتمعي في المجتمعات الحديثة، وتقع تلك المنظمات بين القطاعين العام والخاص.
 
وتعد تلك المنظمات بمثابة منظمات حلقة ربط و وصل بين مكونات المجتمع. و على الرغم من اختلاف الجمعيات الخيرية من حيث الحجم، والأهمية، ومناط الاهتمام بين الدول والثقافات المختلفة، فإن لتلك المنظمات وظائف متشابهة؛ فهي تناصر الفقراء والمهمشين والضعفاء، وتسعى للتغيير الاجتماعي، وتقدم الخدمات الاجتماعية، وفي بعض الدول تمثل الأداة الرئيسية لتوزيع ونشر الرفاهية الاجتماعية.
 
وخلال العشرين عاماً الأخيرة باتت تلك المنظمات قاسماً مشتركاً في الجدل حول التنمية، وأصبحت فاعلاً له دوره في أمور وطنية ودولية هامة؛ الأمر الذي أدى إلى نمو تلك المنظمات، سواء كان ذلك على مستوى العدد أو القوة والبنيان. وفي بعض الحالات اكتسبت الجمعيات الخيرية مصداقية وشرعية مع الضغوط التي تعاني منها الميزانيات الحكومية. وتسعى بعض الدول النامية ـ حالياً ـ لإفساح الطريق أمام تلك المنظمات للعب دور أكثر فاعلية، والمشاركة في عملية التنمية المستدامة.
 
ولكن ومع هذه الاتهامات، التي تلصق ـ أحيانا ـ ببعضها والقائمين عليها؛ كان لزاماً علينا التنبيه ولفت الأنظار لبعض السرقات والتربح من وراء تلك المؤسسات، من بعض ذوي النفوس الضعيفة، والتي تستحل أموال الفقراء لحسابها الشخصي، و دق جرس الإنذار. وهذا ليس تشكيكا في جميع ذمم ونزاهة وتقوى العاملين في المجالات الخيرية ـ لا سمح الله ـ، ولكن لزيادة الاطمئنان والحرص على أمانات الله لعباده، فقط بزيادة المراقبة الحكومية على تلك الجمعيات الصغيرة أو المؤسسات الخيرية الكبيرة بجميع أصنافها.
 
"فليس كــل من عمــل في مجــال البــر من زمــرة الملائكــة، ولا مـن يعمـــل بعيــداً عنهـــا مــن أبنــاء إبـليس".
 
أعان الله كل مسؤول ومراقب للعمل الخيري، وسدد على طريق الخير خطاه، والله تعالى من وراء القصد.
 
المصدر: المركز الدولي للأبحاث والدراسات – مداد