استشراف مستقبل العمل الخيري في المنطقة

د. طارق المشهراوي

يبدو أننا نعيش مرحلة انتقالية وعصرا جديدا في المنطقة، أبطاله يختلفون عن أبطال المرحلة السابقة، بل إن أدواته وبيئات العمل وتقنياته وكل معطياته مختلفة شكلا ومضمونا.
 
في السابق كان العمل الخيري عملا محدودا فكرا وأداء وانتشارا، الندرة في الموارد ومصادرها يقوّض مساحات تواجده، فكان يميل للخاصة لا التخصص، وللأفراد لا للمؤسسات، وللاحتكار لا العدالة، ولليد العليا لا للخدمة والتميز والنوعية في الأداء، القرار فيها للمستفيد لا لسلطة مقدمها.
 
أصبح العمل الخيري معنيا بالتنمية، ومعنيا بتوازن المجتمع، لم يعد دوره هامشيا محدود الأثر، أصبح عملا مسؤولا، له غايات وواجبات، محاسبا من قبل المجتمع ومؤسساته الحكومية والخاصة والمدنية المجتمعية، بل وأفراده، نحو مشاركات نوعية تصب بالخطط التنموية للمجتمع، وبالرؤى الاستراتيجية لقياداته النابعة من القواعد الشعبية.
 
لذا؛ فإن رؤى مؤسسات العمل الخيري واستراتيجياتها القديمة لا بد أن تخضع للحوكمة، والتقييم، وإعادة البناء لتتواكب مع  معطيات ومتطلبات المرحلة الجديدة، وحتى يلمس المجتمع انتماء تلك المؤسسات له، وأنها تحقق تطلعاته وتشبع احتياجاته، وأنها معول بناء لا معول هدم، سواء بحسن نية أو سواها.
 
إن الدراسات المجتمعية، نظرا لندرتها وعدم تغطيتها لجوانب المجتمع الحالية والمستقبلية؛ جعلت كثيرا من الناشطين في العمل الخيري يتشتتون بين معالجات تخضع لضغوط الأزمة، أو رؤى فردية جزئية قدمت مصالح قريبة للمستفيد على حساب مصالح استراتيجية للمجتمع؛ مما أضعف انطلاقة المجتمع، وأهدر موارده.
 
اليوم يجب عدم الاستجابة للأصوات التي تدعو للتعامل مع العمل الخيري على أنه مجرد أزمة وإطفاء حرائق، وإنما ينبغي التعامل مع العمل الخيري في جميع مؤسساته وقطاعاته دينية أو خيرية أو مجتمعية، والتي تنطوي تحت راية العمل التطوعي المجتمعي، على أنه عمل بنائي مجدول ومقسم إلى مراحل يحقق إحداها الأخرى، وفق آليات مدروسة، لتغدو ميكنة التطوير لتلك المؤسسات وبناء الموارد البشرية واستقطابها عملا حيويا استراتيجيا، لا رفاهية واستنفاعا دون غايات مدروسة تحقق النمذجة والنوعية والتخصص، و "لا ترمي في بحر لا شواطئ له".
 
إن التطوير والتدريب  سيصبح لجميع فئات المجتمع إذا بني على مسارات تغذي المجتمع ومؤسساته لتوجهه نحو رؤاه الكلية وتطلعاته التي تحقق له دورا قياديا في المنطقة، ويغذي دورا إيجابيا مؤثرا في الأمة والعالم أجمع؛ مما يجعل أمتنا تقدم قدوة مستمدة من معتقداتها؛ مما يجعلها تستحق الانتماء بفعالية واقتدار.
 
* مستشار ومدرب ومدير تنفيذي في شركة "عطاء" للتنمية البشرية.
 
……………………………
المصدر: نقلاً عن المركز الدولي للأبحاث والدراسات – مداد