الوقف الخيري شكل من أشكال الاستثمار في العمل الخيري- أرشيفية
من المعلوم يقيناً أن حاجاتٍ ليست اعتيادية، أهمها الاتساع الإنساني والاجتماعي الكبير، هي التي فرضت على المجتمعات الإنسانية ـ بأشكالها المعاصرة ـ تبني الدعوة لتكوين وتقنين وإنشاء الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأهلية، لتؤدي هذه المؤسسات والجمعيات أدواراً إنسانية واجتماعية داعمة وموازية للأدوار الحكومية بشكل أكثر مرونة وتحرراً من القوالب الرسمية الاعتيادية، بكل ما يعتريها من أشكال القيود والروتين المبالغ فيه في غالب الأحوال, بما ييسر مهمة الأنظمة والحكومات في المحافظة على شكل المجتمعات بطريقة صحية وسليمة، يساهم فيها المجتمع المتفاعل والمتضامن والجاد من أجل مساعدة البشر في مواصلة القيام بواجباتهم الإنسانية في عمارة الأرض، واستكمال المشروع الإنساني الذي ارتضاه الرب الجليل ـ سبحانه وتعالى ـ لعباده في الأرض.
وبنفس الطريقة، وبنفس الدوافع الاجتماعية والإنسانية والخيرية، ووفق الضوابط والتشريعات والقوانين والمصالح العليا لكل مجتمع, فإن هذه المؤسسات والجمعيات انطلقت لتمارس أدوارها وفق المشروع الإنساني والأخلاقي والديني لكل دولة، ولكل جمعية ومؤسسة, بهدفٍ واحدٍ أكثرَ نبلاً، ألا وهو تنمية الإنسان، ودرء ومواجهة أزماته ومشكلاته، ومعالجة أدرانه وعلاته, لتحوّل ذلك الإنسان في النهاية من إنسان محروم اجتماعياً إلى شخص فاعل ذي قيمة.. ولكن مع تنامي الوقت، وتداول الأيام؛ فإن المعوقات التمويلية – تحديداً – التي تطوف حول العالم بكل دمامتها، صارت شبحاً يخرج لسانه في وجه هذه المؤسسات والجمعيات في غير مكان, وأصبح التراجع التمويلي حائلاً بين هذه الكيانات وعملها المخلص في استكمال مهمتها وأدوارها تجاه مجتمعاتها, فكانت الدعوى المخلصة والواعية بمنح هذه المؤسسات والجمعيات رخصة قانونية في الاتجاه للعمل الاقتصادي، الذي يضمن لهذه الكيانات الخيرية والأهلية مواصلة تأدية أدوارها هذه على الدوام، دون أن يكون هناك تأثير للدور المجتمعي، متمثلاً في التبرعات التي تتأثر هبوطاً وارتفاعاً حسب القدرات المالية للمتبرعين والداعمين خصوصاً، وللدول والمجتمعات عموماً، المتأثرة اقتصادياً خصوصاً, وذلك بما لا يَحُوْلُ بين هذه الكيانات الاجتماعية والخيرية والإنسانية ودورها الأساسي الذي تكونت وأنشئت من أجله. ولقد خاضت الكثير من هذه المؤسسات والجمعيات التجارب الاستثمارية والاقتصادية المتنوعة والناجحة دون أن يتأثر أداؤها الاجتماعي والخيري بأي خلل.. ومن ثم فإن فكرة العمل الاقتصادي في الجمعيات الخيرية العربية، والخليجية تحديداً، تكون قد تحققت في مثل هذه النماذج الموثقة والمعلن عنها، وتحققت فيها أركان التجربة الناجحة لكل جمعية خاضتها حسب إمكانياتها وقدراتها المادية والتقنية والبشرية.
ويمكننا عرض البعض من هذه النماذج والقيام بتحليلها من أجل التوضيح وتعميم الفائدة كلما كان ذلك ممكناً، وعرضها على النحو التالي:
تحقيق فكرة الاستثمار قبل التكوين:
وهذا الأمر يتطلب ابتداء أن يكون خلف إنشاء الجمعية الخيرية رجال أولي بأس شديد, أو كيان اقتصادي له ثقل ووزن، ويكون لدى صناع القرار في ذلك الكيان الاقتصادي الرغبة الصادقة والنزعة الإنسانية التي تعينهم على أمر تكوين وإنشاء جمعية خيرية موازية للكيان الاقتصادي لتؤدي رسالة اجتماعية معينة تجاه فئة من الفئات المحرومة والمحتاجة، مستعينة بجانب ثابت يستقطع من المكاسب بشكل منتظم، تعتمد عليه هذه الجمعية الخيرية في تأدية رسالتها التي تتبناها وفق احتياجات المجتمع, وهذا الأمر يتطلب عدة أشياء من قبل الإدارة الاقتصادية لذلك الكيان الاقتصادي، ومنها:
· الحس والرؤية الاجتماعية النابعة من قلوب صادقة، جعلت الله تعالى ورضاه هو غايتها, والانتباه لخلقه من الضعفاء بعينٍ عَطُوَفةٍ فاعلة دائمةِ المنحِ والعطاء بما يعود بالنفع الكبير على المجتمع.
· الوعي بأبعاد العمل الإداري المنظم والدقيق، متمثلاً في الاعتقاد بأن ذلك العمل المنظم والإدارة المحترفة لديها وحدها آليات ومقومات النجاح المتكاملة. ولذلك فإن الجمعيات الخيرية هي الأقرب لتحقيق ذلك النجاح المنشود وفق الضوابط والقوانين العامة.
· العمل علي استقطاع ريعٍ ثابتٍ من أرباح الكيان الاقتصادي، أو توقيف ما يساهم في توفير ذلك الريع، الذي هو من أهم أدوات الجمعيات الخيرية في تأدية رسالتها الإنسانية والاجتماعية.
والنموذج الدائم والأقرب لمثل هذه الجمعيات في دول المنطقة العربية والخليجية هو جمعيات رجال الأعمال، التي يقوم عليها العديد من رجال الأعمال والمستثمرين والاقتصاديين، لتساهم جمعياتهم في دعم مشروعات الشباب، وتقديم العون للفقراء وغيرهم، والعمل الصادق الذي يستطيع أن يحول هذه الفئات المدعومة من فئات تتقبل الدعم والصدقات إلى فئات داعمة ومتصدقة، ومنها: "جمعية رجال الأعمال الخيرية بالمدينة المنورة".
تحقيق فكرة الاستثمار عند اتخاذ خطوات التكوين:
وتحقيق فكرة الاستثمار عند اتخاذ خطوات التكوين والإنشاء ربما تكون إثر انتباهةٍ واعيةٍ من قلوبٍ مخلصةٍ وعقولٍ طموحةٍ للخير الكبير، لميزةٍ ما يمكن استغلالها بشكل يجلب ريعاً معقولاً تستطيع أن تعتمد عليه الجمعية الخيرية في تنفيذ برامجها، ومواصلة أنشطتها الخيرية والإنسانية بشكل يجعلها تستطيع أن تتقدم للأمام دائماً في تأدية دورها الاجتماعي بشكل طيب.. و في ظل عالم الاقتصاد والاستثمار المفتوح، فإن أقل الميزات قد تكون ثمرة طيبة يمكن الاعتماد عليها واستغلالها دائماً, ومن ذلك ـ مثالاً وليس حصراً ـ الموقع الجغرافي للجمعية الخيرية, فقد يكون الموقع الجغرافي والمساحة الإجمالية التي يقام عليها مبنى الجمعية وكافة فروعها ميزة يمكن استغلالها عند التصميم بإقامة منشآت قد تدر الربح, كالمحال التجارية، والأماكن الترفيهية، والأندية الاجتماعية, والمخازن، وغيرها.
وكذلك فإن الواجهات يمكن استغلالها وتأجيرها للشركات المتخصصة في أغراض الدعاية والترويج للمنتجات كلما كان ذلك ممكناً، وكلما كان موقعهاً حيوياً وجاذباً. ومن ثم فإنه يراعى عند إنشاء الجمعيات الخيرية الانتباه لما قد يمكن استغلاله مستقبلا مما يتاح لها من موارد ومواقع ومباني وغيره، بشكل يمكن تهيئته ليتم استثماره أو استغلاله تجارياً واقتصادياً ليجلب المنافع المالية والمادية للجمعيات الخيرية على الدوام, ليقي الفئات التي تدعمها هذه الجمعيات شرور الأزمات والكبوات الاقتصادية كلما كان ذلك ممكناً, وكذلك فإنه يجب التنويه على كافة الجمعيات الخيرية والأهلية، التي تقدم رسالة خيرية واجتماعية وإنسانية، إعادة التخطيط واستغلال كافة إمكانيات الجمعيات الخيرية، كالمواقع والمساحات الشاغرة التابعة لها, والتي تستطيع أن تستغلها سواء بالإجارة، أو بإقامة المشروعات الصغيرة، أو بأي صورة مناسبة ومضمونة, لتحقق من خلالها أرباحا تعود بالنفع على الفئات التي ترعاها هذه الجمعيات.
والمثال في ذلك "جمعية الإصلاح الكويتية"؛ ذلك أن مقر الجمعية قد صمم بحيث إنه يضم بين جنباته العديد من المرافق الاستثمارية، منها: نادٍ اجتماعي تم تأجيره، ومطعم(1).
تحقيق فكرة الاستثمار اعتماداً على أبسط الإمكانيات والأفكار:
فكثيراً ما نجحت الجمعيات الخيرية في إقامة مشروعات استثمارية صغيرة بإمكانيات قليلة وأفكار بسيطة، من أجل تحقيق مكاسب متعددة، على رأسها محاولة اكتشاف الأسواق، وتحقيق الاستثمار كفكرة تعزز تقديم ريع ثابت وموارد دائمة للجمعية الخيرية، تساعدها في استكمال مهمتها الإنسانية، بما يشجع المجتمع على دعم هذا العمل الاقتصادي الذي ترعاه هذه الجمعيات الخيرية, والذي يصب في النهاية في صالح المجتمع ككيان يجب أن يظل متماسكاً ومتضامناً. كذلك تستطيع الجمعيات الخيرية، اعتماداً على هذه الأدوات والإمكانيات البسيطة، عمل مشاركة اقتصادية فاعلة بينها وبين أفراد المجتمع، خاصة من الخريجين والمتعطلين والفقراء، بدعم مشروعاتهم الصغيرة بصيغ قانونية غير مجحفة، وحسب الأنظمة العليا لكل دولة.. ومن هنا، فإنه ـ وبهذه الرؤية العميقة ـ فإن الجمعيات الخيرية ستكون قد حققت عدة مكاسب في وقت واحد، ومنها:
· تأدية الرسالة التي تعمل وفقها بشكل طيب وفعال.
· القضاء على أمراض اجتماعية متعددة كالبطالة، والفقر، والتسول.
· استيعاب العاملين الذين يتم تسريحهم نتيجة الركود والتضخم والأزمات الاقتصادية.
· تحقيق مكاسب مالية تستطيع الجمعية الخيرية من خلالها توسيع أفق الدعم للفئات التي ترعاها، وتطوير مشروعاتها الاستثمارية.
وهذا النموذج، بهذه الآليات التي تسمح بصناعة الشراكة، ربما لا يكون موجوداً على الطبيعة، ولكنه من النماذج التي يجب التفكير فيها بشكل مكثف لتحقيق مثل هذه النتائج الاجتماعية والاقتصادية بشكل يحول المجتمعات من مجتمعات راعية للفقر والبطالة وكافة أنواع الأمراض الاجتماعية إلى مجتمعات تمتلك أسباب النهوض ومواجهة المشكلات والأزمات، بما يصنع الرقي الإنساني والأخلاقي المطلوب لصناعة حياة آدمية كريمة، مع العلم أن هناك مئات من الجمعيات التي تدعم مثل هذه المشروعات الصغيرة للشباب وللأسر المنتجة وغيرهم، دون صناعة مثل هذه الشراكة، ولكن الشراكة يصنعها الإحساس بالمسؤولية التي يتم تسويقها لمن يتم دعم مشروعاتهم عند النجاح. ولذلك، فإن قمة ما يمكن أن تحققه هذه الجمعيات الداعمة هو تحويل ذلك المتبرع إليه من شخص محتاج إلى شخص فاعل ذي مسؤولية اجتماعية يستطيع أن يقدم الدعم والتبرعات.
تحقيق فكرة الاستثمار بشكل احترافي:
أما عن تحقيق فكرة الاستثمار بشكل احترافي تام، فلا زالت الدعوات من أجل ذلك تتوالى وفق ضوابط وقيود، أهمها: تنويع الإدارات، بحيث يتم تدشين إدارة اقتصادية مختصة، إضافة للإدارة العامة للجمعية، التي تعمل على تنفيذ أهدافها بحيث يكون التطابق في الأفكار يوصل في النهاية إلى العمل على التنمية الإنسانية والاجتماعية الشاملة.
ولكن يبدو أن الأمر يعتريه الكثير من العوائق والمحاذير، فلم تتجرأ أي من الجمعيات الخيرية على العمل الاستثماري بشكل احترافي، وأغلب الجمعيات التي تخوض التجارب الاستثمارية المتنوعة تحرص على التوازن في الأداء بين مهمتها الخيرية والأهلية والإنسانية التي قامت من أجلها، وبين ذلك العمل الذي يقصد من ورائه إيجاد موارد جديدة، بحيث لا يَجُوْرُ أمر التنمية والاستثمار، رغم سمو الهدف الذي تسعى إليه.
والله من وراء القصد؛؛
المصدر: موقع مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69993
