أرشيفية
لقد نجحت مؤسسات الوقف، عبر التاريخ الإسلامي العريق، في خوض التجارب الاستثمارية الفعالة، والعمل الاقتصادي والتنموي من أجل المحافظة على الأصول الوقفية، بل ومن أجل تنميتها؛ مما ساهم المساهمة القصوى في دعم الدولة الإسلامية اقتصادياً عبر التاريخ الإسلامي الممتد، ولا يزال العمل يتقدم.. كما ساهمت هذه التجارب الاستثمارية في فتح آفاق واسعة للدعم الذي يقدم من خلال هذه المنظومة للأفراد والفئات الموقوف من أجلها، وللمجتمع عموماً، وساهمت هذه التجارب ـ كذلك ـ مساهمة بالغة في مكافحة الفقر بكافة صوره، ودعم مرافق الدولة الحيوية عبر الزمن؛ فقد كان نظام الوقف هو الممول الرئيس لمرافق التعليم، والرعاية الصحية والاجتماعية، ومنشآت الدفاع والأمن، ومؤسسات الفكر والثقافة. ولعل الشاهد على ذلك العديد من المؤسسات والمرافق الشامخة التي نشأت تحت كنف نظام الوقف، وظلت ـ إلى يومنا هذا ـ تؤتي واجبها كاملاً غير منقوص، وتستنهض العزائم والهمم لصحوة تعيد للأمة الإسلامية مجدها التليد(1).
وأموال الوقف هي أموال متنوعة ومتعددة الأصناف؛ فمنها المنقولات، ومنها الثوابت، كالأراضي الزراعية وكافة أنوع العقارات، وكلها بطبيعتها لا تعمل بآلية، بل هي أموال لها القائمون على أمر تنميتها وتثميرها عبر العديد من المجالات الاقتصادية، وضخ الخراج والربح؛ لينفق في سُبُله الشرعية والقانونية، فلا تكاد أيٌّ من الجهات والمؤسسات الوقفية في البلدان الإسلامية، التي ظهرت فيها هذه الهيئات وهذه المؤسسات، إلا وقد دشنت جهازاً استثمارياً يعمل فيه نخبة من الخبراء من أجل تولي مهمة البحث عن فرص الاستثمار الأكثر نفعاً وقيمة، والتعرف على المشاريع بكافة تنوعاتها، وتحديد الآليات الدقيقة التي تساعد في إنجاح المهمة الاستثمارية الخيرية بطبيعتها.
ولقد ظلت المجالات التي خاضت فيها مؤسسات الوقف تجاربها الاستثمارية في أغلب بلدان الإسلام انعكاساً طبيعياً لطبيعة الأموال الموقفة، فما وقف من أراضٍ زراعية فقد تم استثماره في هذا الإطار بطرُق مباشرة، تقوم عليها الهيئات أو المؤسسات أو الوزارات باختلاف مسمياتها، أو بطريق غير مباشر، بصيغ تعاقدية غير مجحفة لكل من الأطراف والجهات، بحيث تضمن حسن الاستثمار واستغلال هذه الإمكانيات بالطرق الشرعية، وعلى هذا الدرب سارت الأمور.
ومع توالي الأيام، وتضخم الأموال الموقوفة وزيادتها لدرجة أنها أصبحت قادرة على استنهاض أمم من كبواتها الاقتصادية والاجتماعية؛ فقد ظهرت الحاجة الأكبر للتوسع في الاستثمار في العديد من المجالات والقطاعات والمشروعات؛ من أجل استغلال هذه الأموال لإحداث الريادة والنهضة الاقتصادية والإنسانية الشاملة، التي تعود بآثارها الإيجابية العظيمة على المجتمعات الإسلامية كاملة.
وبالفعل، فقد ساهم الاستثمار في أموال الوقف في صناعة الاستقرار الاجتماعي في غير مكان، وأصبح الممول الرئيسي لأغلب قطاعات ومرافق الدولة الإسلامية، وأسهم بهذه الرؤية الاقتصادية الإنسانية المحترفة والمتخصصة، ومن خلال اختراق المجالات الاقتصادية الأكثر نفعاً وربحاً ومشروعية، في صناعة النهضة والقوة الاقتصادية والسياسية للدولة الإسلامية، وكبح جماح المشكلات الاجتماعية بجميع أشكالها.
وأدى إضعاف دور هذه المؤسسة في كل الدول الإسلامية، من خلال الاستعمار الغربي الذي عمد لذلك، إلى فقد الدولة الإسلامية لمكانتها وريادتها الاقتصادية والنهضوية، رغم إيمانناً بأنها قريباً ستعود ـ بإذن الله ـ. و رغم أن أموال الوقف، التي تخوض تجارب الاستثمار، ليست هي كل أموال الدولة الإسلامية، لكنها ستظل يقع عليها دور كبير عبر مجالات أو قطاعات الاستثمار المختلفة، وبآلية وأدوات شرعية وعصرية.. وقد أدركت أغلب الحكومات والأنظمة الحديثة مدى أهميته، ولذلك فإنها تحاول ـ اليوم ـ أن تستنهض هذه المؤسسات الضخمة من سباتها؛ لتساهم من جديد في استعادة الأمة لريادتها بكل قواها، وذلك بدعم كل الوسائل التي تساعد مؤسسات الوقف على القيام بهذا الدور المهم من دعم مراكز أبحاث، ومجلات متخصصة، وإقامة الفعاليات والمؤتمرات، والعمل على سن قوانين، لعل أشهرها قانون الأوقاف الجزائري الجديد، الصادر في العام 1990م؛ الذي سُنّ خصيصاً من أجل استرداد الأوقاف الجزائرية التي بددها الاستعمار أثناء سنوات احتلاله؛ لأنه أدرك أن الوقف بممتلكاته شكل ثروات ضخمة كانت ستحول بينه وبين أغراضه غير الشريفة في هذا البلد الإسلامي الكبير.. ولكن ما يهمنا في هذا العرض أن نشير لبعض الصور والمجالات التي كان الوقف ـ ولا يزال ـ يستثمر فيها، وهي كلها تعتمد على وسائل احترافية مشروعة ومضمونة الربح، وتبتعد كل البعد عن الشبهة والريبة، وبها من المرونة والتيسير ما أهَّل مؤسسات الوقف لأن تصير أحد أبرز وأكبر أسباب النهضة والتقدم.
وإذا نظرنا أوّلاً إلى طبيعة ثمرات أو منافع أو نتاج الثروة الموقوفة، فإنه يمكن تقسيم الأموال الوقفية إلى نوعين، هما: أموال تنتج خدمات استهلاكية مباشرة للغرض الموقوفة عليه، مثال ذلك: المدرسة، والمستشفى، ودار الأيتام، والمسكن المخصص لانتفاع الذرية. وهذا النوع من الوقف يمكن أن يكون غرضه وجهاً من وجوه الخير العامة، كالمدرسة للتعليم، أو وجهاً من وجوه البر الخاصة، كمسكن الذرية. ولنطلق على هذا النوع من الأموال الوقفية اسم (الوقف المباشر).
أما النوع الثاني من أموال الوقف، فهو ما قصد منه الاستثمار في إنتاج أية سلع وخدمات مباحة شرعاً، تباع في السوق، لتنفق عوائدها الصافية أو أرباحها على أغراض البر التي حددها الواقف، سواء أكانت دينية، أم خيرية عامة، أم أهلية خاصة (ذرية). ولنطلق على هذا النوع من الأوقاف اسم (الأوقاف الاستثمارية)(2).
ولقد خاضت هذه الأموال تجارب استثمارية ناجحة، عبر العديد من القطاعات والمجالات الاستثمارية المختلفة، ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ ما يلي:
1- المجال والقطاع الزراعي:
فلقد أتيحت لمؤسسات الوقف الإسلامية الأداة الرئيسية التي ساهمت المساهمة القصوى في عمليات التنمية والتثمير والعمل الجاد من أجل المساهمة في القضاء على الفقر، وتوفير الغذاء والكساء، وفتح أبواب العمل عن طريق الزراعة، ولقد كانت ـ وستظل ـ الأراضي القابلة للزراعة، أو القابلة للاستصلاح الزراعي، هي أثمن ما يقدم الفرد المسلم تجاه دينه وأمته؛ لأنها عندما يحسن استغلالها والعمل عليها فإنها تقدم النفع الدائم الموصول، الذي لا يحبطه وقت، ولا يوقفه زمان، وشاهِدُنَا في أن الأراضي الزراعية هي أثمن ما يقدم المسلم من وقف ما روي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: " أن عمر أصاب بخيبر أرضاً، فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به". قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها". فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل. لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه.. لتبقى هذه الأرض تقدم نفعها لصالح فئات هم أكثر حاجة وفقراً، ويبقى الأجر دائماً لا يحده حد ما دامت السموات والأرض.
ولقد توسعت الدول الإسلامية عبر التاريخ في الاهتمام بالأوقاف الزراعية، والعمل على الزيادة في أصولها وتوسيع رقعتها، فتحكمت مؤسسات الوقف في مصر – مثلاً – في أكثر من ثلث الأراضي الزراعية التي ساهمت في توفير الغذاء والكساء وفرص العمل .. إلخ، عبر السنوات الطويلة، ولا زالت تقوم بذلك الدور، وتستثمر لصالح المجتمع المصري. وقد بلغت الأوقاف الزراعية وأوقاف المدن حدا كبيراً جداً في جميع البلدان الإسلامية التي أتيحت لها الفرصة الزمنية الطويلة للتراكم. وفي تركيا لم تَقِلّ الأراضي الزراعية الموقوفة عن ثلث مجموع الأراضي الزراعية عند تحول تركيا إلى الجمهورية في أواخر الربع الأول من القرن العشرين، وبلغت الأوقاف مثل ذلك القدر الكبير من مجموع الثروة القومية في سورية وفلسطين والعراق والجزائر والمغرب، وفي منطقة الحجاز من السعودية(3).
وفي الوقت الحالي، في المملكة العربية السعودية، فإن أوقاف الراجحي الزراعية، المنتجة للتمور، تمتلك أكبر المشروعات المتخصصة في العالم، بمساحات شاسعة تقدر بآلاف الهكتارات، وبإنتاج يساهم بشكل فعال في الاقتصاد، وتنعكس نتائجه على المجتمع السعودي, وتعتبر وقفية (مشروع نخيل الباطن) أكبر المشروعات المتخصصة في إنتاج تمور النخيل على مستوي العالم، وقد تم تسجيلها في موسوعة "غينيس" للمعلومات العامة والأرقام القياسية لذلك(4)، بما يعني أن الاستثمارات في القطاع الزراعي والأراضي الموقوفة بلغت مبلغاً عظيماً من الرقي والتقدم والإنتاج، ومن ثم فإن الإنتاج الزراعي عبر مؤسسات الوقف وهيئاته يعتبر من أهم المجالات الاستثمارية التي أدت فيها هذه الهيئات أو المؤسسات الإسلامية، باختلاف مسمياتها، دوراً اقتصادياً وإنسانياً قوياً في الوقت نفسه.
2- قطاع الإسكان والمباني والإنشاءات:
وهذا القطاع من القطاعات الحيوية في كل بلدان ومجتمعات العالم، وقد تعاظم دوره وأهميته في العقود الأخيرة؛ نظراً للتزايد السكاني الكبير، والاتساع الكبير في الأنشطة الإنسانية، ولتقارب دول العالم بعد التقدم العظيم في وسائل النقل والاتصال والتواصل.
ولم تكن مؤسسات وهيئات الوقف في كل الدول الإسلامية أبدا بعيدة عن خوض هذه التجارب الاستثمارية الناجحة في هذه القطاعات الهامة، والأمثلة في ذلك لا تعد ولا تحصى.
ولقد تفوقت مؤسسات الوقف الخليجية في هذا القطاع، وزجت بمئات الملايين من الدولارات، فأنشأت واستثمرت، ولا تزال تستثمر، في هذا القطاع؛ لتساهم في توفير الوحدات السكنية بكافة أشكالها العصرية، وتوفير المحال والأسواق التجارية الاستثمارية، بما لها من قيمة عظيمة، وكذلك توفير كافة أنواع الإنشاءات، لتقوم في النهاية ببيعها أو تأجيرها حسب ما تقضيه المصلحة العامة، وضخ الأموال في مشروعات من أجل التنمية والنهضة الشاملة.. ولهذا؛ فإن هذا القطاع يعتبر من القطاعات المهمة التي لعبت فيه مؤسسات الوقف ـ ولا زالت ـ دوراً يعود بالنفع الكبير على الأمة الإسلامية بأنظمتها ودولها ومجتمعاتها، وهذا النموذج الاستثماري الكبير والفعال هو من النماذج المهمة التي يجب لفت الأنظار إليها.
3- قطاعات ومجالات الشركات والبنوك:
فأغلب هيئات ومؤسسات الوقف تمتلك أسهما في شركات عملاقة وكبيرة في كل البلدان الإسلامية المهتمة بالوقف، بالإضافة إلى المساهمات الكبيرة التي تُقدَّر بمليارات الدولارات في العديد من البنوك والسندات والصناديق الاستثمارية، بل إنها قد تكون من المؤسسين الرئيسيين لهذه الشركات والبنوك؛ نظراً لضخامة ثرواتها.
وتطبيقاً لمبدأ توزيع المخاطر، فلمؤسسات الوقف وهيئاته أموال كثيرة مستثمرة بشكل آمن في صورة ودائع بمئات البنوك المختلفة، وتدر هذه الودائع عوائد متميزة، حيث تمنح هذه البنوك للهيئات والمؤسسات الوقفية معدلات امتيازات مرتفعة على ودائعها إذا ما قورنت بأسعار المعدلات السائدة في السوق المصرفية والممنوحة لعملاء آخرين؛ باعتبار أن هذه الهيئات والمؤسسات عميل متميز؛ نظراً لضخامة أموالها المودعة بهذه البنوك. ويعتبر إيداع الأموال في البنوك ليس هدفا في حد ذاته، بل هو وسيلة آمنة للاحتفاظ بالأموال الوقفية لحين استخدامها، و في إضافة أصول جديدة تزيد من ممتلكاتها، مثل: إقامة مشروعات إسكانية، أو زراعية، أو صناعية، حسب ما تعلنه هذه المؤسسات الواعدة على الدوام.
والله من وراء القصد؛؛
مراجع
(1) انظر كتاب: نظام الوقف في التطبيق المعاصر، ص 7.
(2) انظر كتاب: الوقف في المجتمع الإسلامي المعاصر، للدكتور/ منذر قحف, الفصل الأول.
(3) المرجع السابق، ص 9-10.
(4) http://www.rajhiawqaf.org/ar/agricultural_dept.asp
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69994
