الاستراتيجية الإعلامية لتنشيط العمل الخيري

أرشيفية

من الصعب إغفال دور الإعلام في التعامل مع قضية العمل الخيري، سواء في تحديد أهدافه، أو التعامل مع مجرياته، أو التأثير في العناصر البشرية التي يقع عليها مسؤولية العمل الخيري تخطيطاً وتنفيذاً..
بل أصبح من البدهيات القول بخطورة الإعلام ودوره الفاعل في إحداث التحولات الهامة في الرأي العام، وفي توجيه السلوكيات، والتأثير على مجريات الأحداث بالمجتمع.
لقد صار الإعلام جزءاً لا يتجزأ من صميم الحياة اليومية للفرد.. يتلقى المواطن منه المعلومات والأخبار، ويستمع ويشاهد من خلاله لكل ما ينعش ذاكرته ووجدانه بعد عناء عمل يومي متصل.
وإذا كانت نسبة الأمية في وطننا العربي لا تزال عالية ومقلقة؛ فإن الوسائل الإعلامية، مثل: الراديو والتلفزيون والملصقات المصورة، ربما تكون أكثر فاعلية في تأثيرها على السلوكيات وتوجيه الرأي العام.
وفي الواقع، يمكن أن يكون للإعلام رسالة قومية ودور وطني يتمثل في عدة أمور ومواضع علينا المشاركة الفعلية فيها كمواطنين، والمساهمة في تأصيلها وتفعيلها، حتى تنعكس في النهاية المواد التي يحملها لنا الإعلام عند بثها بما لا يدعُنا في مواقف الشك والريب منه وفيه, كأن تتغير النظرة الحالية للعمل الخيري على أنه مساعدة مباشرة أو غير مباشرة للمحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال تقديم المساعدات المالية أو العينية لهذه الحالات، وتحويل أنظار واتجاهات الرأي العام إلى المفهوم العصري للعمل الخيري باعتباره ركيزة وضرورة من ضرورات التنمية الاجتماعية، بحيث لا يستطيع المجتمع أن يتقدم بدون هذه الأنشطة الخيرية التي ينهض بها العاملون والمهتمون بالعمل الخيري..
إن غرس هذا المفهوم الجديد، الذي يلبي حاجة العصر وضرورات العولمة، سيؤتي ثمرته بشكل إيجابي في حث جهود أفراد المجتمع ـ كل بحسب قدراته ـ على الإسهام الإيجابي في مجال العمل الخيري، سواء بالتطوع وتحمل مسؤولية العمل التنفيذي، أو بالعطاء حسب الطاقة والقدرة. كما أنه لا بد من حفز همم الشباب خاصة إلى الإقبال على العمل التطوعي، واكتساب مهاراته، وتنمية القدرات الشبابية على البذل والجهد والعطاء السخي للآخرين من أفراد المجتمع المحتاجين لمثل هذه المساعدات، وبازدياد أعداد المتطوعين تتسع رقعة العمل الخيري.
كما يجب التنويه الإعلامي، وإبراز الجهود الناضجة والتجارب الخيرية الرشيدة في كافة مجالاتها؛ وذلك لتقديم المَثَل الطيب والقدوة الحسنة، وتقدير جهود العاملين المخلصين في مجالات العمل الخيري..
ولا بد ـ أيضاً ـ من متابعة أنشطة العمل الخيري بالنقد الموضوعي، الذي يلقي الضوء على الإيجابيات للإشادة بها وللمضي فيها، والإشارة إلى السلبيات بموضوعية، ودراسة أسبابها، وتشخيص حالاتها، والبحث عن أفضل السبل لتلافيها والقضاء عليها، وفي ذلك تعزيز للإيجابيات، وتحجيم للسلبيات في مجالات العمل الخيري.
وضروري جداً أن يكون هناك دائماً عرض لنماذج ناجحة وصور مشرفة للعمل الخيري في المجتمعات الأخرى مما يصلح تطبيقه كقدوة ونموذج ومثال يمكن الاحتذاء به، والاستفادة من المشروعات الخيرية الناجحة، ومحاولة تطبيقها في ظل الظروف والإمكانات المتوافرة.
كما أرى أنه من أولى الأولويات اهتمام الإعلام بحمل رسالة التوعية العلمية، والتحلي بالرؤى الاجتماعية والنفسية الصحيحة، في عرض برامج النشاط الاجتماعي الخيري، وإلقاء الضوء على معوقات العمل الخيري، سواء من حيث اللوائح الإدارية، أو المعوقات البيروقراطية، أو التقاليد، أو العادات المجتمعية، أو المظهرية في أداء العمل الخيري والاهتمام بالشكل دون المضمون.
هذا، ويجب جدياً أن تشمل أنشطة العلاقات العامة، بالوزارات الحكومية والمصالح ومجالات العمل الأخرى، برنامجاً إنسانياً يهتم بالعلاقات الإنسانية بين العاملين في مجالات العمل، وتقدير المشاعر، والاهتمام بكافة المحتاجين، وإرساء مفهوم التضامن الاجتماعي والأخوة الإنسانية والزمالة بين أفراد المجتمع، وإضفاء روح الأخوّة والعمل الخيري بين العاملين، ومشاركتهم في المناسبات المختلفة؛ إثراءً للروح الاجتماعية الطيبة الواجبة.
كما أنه لا بد من ابتكار الأجهزة الإعلامية المتعددة، و الوسائل المتنوعة التي يتميز بها العمل الإعلامي بإمكانياته التقنية العالية والمتطورة، ومن خلال أساليب تشويق وجذب ومتعه مع الإفادة؛ حتى يسعد المشاهد أو المستمع أو القارئ ـ كل بحسب الوسيلة الإعلامية المناسبة له ـ بثراء الفكر، وإنعاش الوجدان، من خلال تعميق مفاهيم العمل الخيري، الذي يعتبر رافداً أساسياً من روافد العمل الاجتماعي، وعنصراً رئيسياً من عناصر المشاركة المجتمعية في قضية التنمية.
وهناك أمر ضروري يحتاجه الإعلام دائما، وهو توعية الجماهير التوعيةَ الدينية الصحيحة بدعوة الدين للعمل الخيري على أوسع نطاق، باعتباره عملاً إيمانياً في المقام الأول، ينعكس أثره على الفرد والأسرة والمجتمع، وتعبئة جهود أفراد المجتمع لمواجهة مشكلات مثل: الفقر، والجهل، والمرض.
ومهم جدا إطلاق طاقات الإبداع والابتكار في مجالات العمل الخيري، فمن اهتمام برعاية كبار السن، إلى اهتمام بعناصر مهمشة في المجتمع، كأطفال بلا مأوى، أو العنف الموجه ضد المرأة في بعض الحالات، أو رعاية وكفالة الأيتام، أو الاهتمام بمجالات الكوارث، كالحرائق، أو الغرق، أو الأوبئة، أو الكوارث الطبيعية.
من الممكن ـ أيضاً ـ للإعلام إصدار نشرات إعلامية للتوعية بأهمية التطوع لمشروع ما، وضرورة التكاتف الاجتماعي للتعاون على إنجاز مشاريع عمل خيرية في مناسبات متعددة, لإحساس العاملين بالإعلام بالمسؤولية تجاه التفاعل مع العمل الخيري؛ باعتبار أن الإعلام شريك وليس مجرد ناقل لأنشطة معينة من أنشطة العمل الخيري؛ لأن الإعلامي لا بد وأن يشعر بأنه مشارك رئيسي فاعل في تنامي مشاريع العمل الخيري، وزيادة عدد المتطوعين والناشطين في مجالات العمل الخيري في كل المواقع بما يفجر طاقات الإبداع، ويحرك جهود العمل الخيري على امتداد رقعة المجتمع بلا حدود ـ "وقولي هذا يرجع إلى تجربة شخصية".
وأؤكد في النهاية أن الإعلام لا ينفطر عن الخير أو الحياة  بشكل عام؛ فهو جزء من كل, ولكي يكون داعما له من منطلق القوة فلا بد من التكامل والتوازي، وليس التوازي فقط بين الإعلام والعمل الخيري, حيث يؤكد علماء المنطق أن" الكل أكبر من مجموع أجزائه".
المصدر: موقع مداد