الفقر من منظور غزي

تلاميذ من غزة يذاكرون دروسهم في العراء بعد تدمير مدرستهم- أرشيفية

وصل 11 عضواً من مؤسسة فيفا بالستينا-ماليزيا، ومؤسسة الأقصى الشريف إلى غزة في العاشر من يونيو 2012 كجزء من مهمة إيصال قافلة المساعدات الإنسانية الدولية "أميال من الابتسامات". وكان من بين الـ120 مشارك أناس من دول شتى مثل مصر، المملكة المتحدة، بلجيكا، فرنسا، سنغافورة، تونس، الأردن، جنوب إفريقيا، ليبيا، الجزائر، موريتانيا، تركيا، المغرب، ونيوزيلندا. وقبيل مغادرتنا المفاجئة لغزة، ليلة الـ13 من يونيو، التي فرضت علينا من قبل السلطات المصرية، التي أغلقت معبر رفح، أضع بين أيديكم بعض التأملات المتعلقة بهذه الزيارة:
ما من شك أن هناك إحساس كبير بالأمل لدى شعب غزة. ولم تتمكن الظروف المعيشية الصعبة في أكبر سجن في العالم المعاصر من إضعاف إيمان الغزيين بالأمل في العودة إلى أرضهم التي سرقت منهم من قبل الصهاينة السارقين الغادرين. يصف نيلسون مانديلا بدقة متناهية ظروف المحرقة الجديدة التي يعيشها الفلسطينيون بـ "أسوأ أزمة أخلاقية يعيشها العالم الحديث"، والتي عززت عزم الفلسطينيين على مضاعفة جهادهم للحصول على ما هو حق لهم.
ومن شأن وحدة طوفان الأمة الإسلامية أن يجعل احتضان فلسطين أمراً واقعاً. إلا أن الأنظمة العربية عانت من الاستبداد والفساد والتبعية للقوى العظمى. ويمكن للمرء أن ينظر إلى الربيع العربي، الذي يمهد للتأسيس إلى حكم ديمقراطي، كونه سيجعل القضية الفلسطينية أولوية لتلك الشعوب. كما ساهم انتصار جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية في التخفيف من الطوق المفروض على معبر رفح.
وفي الوقت الذي خذلت فيه اللجنة الرباعية الشعب الفلسطيني، واصل المجتمع المدني الفلسطيني مسعاه من أجل العدالة، والحرية، وتقرير المصير. وعلى الرغم من الصعاب، بات المجتمع المدني الفلسطيني يملك اليد العليا ولو ببطء، وتسببت أفعال إسرائيل الصهيونية الغير إنسانية، والإجرامية، والوحشية في النظر إليها بوصفها دولة منبوذة.
ويمكن للمرء أن يلحظ قدراً عالياً من التفكير والرؤية الثاقبة. فلو تعرضت أمم ومجتمعات عدة لهذا الحصار الخانق لتخلت عن عزتها الوطنية، ولنزعت عن نفسها ثوب الكرامة الإنسانية، ولظلت مُهانة إلى الأبد، ولكن هيهات أن يقدم الفلسطينيون على فعل ذلك.
يروي التاريخ المصير المأساوي لكثير من السكان الأصليين على أيدي الغزاة الوحشيين أمثال الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية، والموري في نيوزيلندا والأبورجينز في أستراليا.
 تمثل الأنفاق المتعددة المحفورة على طول الحدود الواصلة غزة بمصر، باستخدام تقنيات بسيطة، وأيدي عارية شريان حياة لسكان قطاع غزة المحاصرين والمحرومين. وإلى جانب استخدامها في إدخال المواد الغذائية الأساسية، تستخدم لإدخال السولار، والبنزين، ومواد البناء، وقطع الغيار، والمبيدات الحشرية، والأسمدة إلى سكان قطاع غزة لدفع عجلة الاقتصاد المتوقفة.
ويساهم شباب غزة الشجعان، جنباً إلى جنب مع زملائهم المدربين والمهنيين في إعادة بناء الاقتصاد بشقيه الجزئي والكلي، بشهادة المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الخيرية. وتضاعفت أعداد الماشية، مما ساهم في توفير الحليب ومشتقاته وصناعة الأجبان- إلى جانب توفير لحوم الأبقار. وشجع تقليص إسرائيل للمساحة المسموح بها للصيد إلى 3 إلى 6 أميال بحرية على إنشاء مشاريع للاستزراع السمكي على الأرض. وظفرت العديد من نساء غزة، اللواتي ترملن أو يقبع أزواجهن في الأسر، بقصب السبق. وبتن يشاركن في أعمال النسيج، والتطريز، وصنع الخبز والكعك، ومراكز رعاية الطفل، ومختبرات الحاسوب، وصالونات تصفيف الشعر. وقد تبنت مؤسسة الأقصى الشريف-ماليزيا، وفيفا  بالستينا-ماليزيا والمنظمات الغير حكومية الأخرى تلك المبادرات التي من شأنها أن تخلق استقراراً وفرص عمل، مما سيساهم في دفع عجلة الاقتصاد مستقبلاً.
وإدراكاً منها لفداحة الضرر الذي لحق بأهل غزة، والذي يطلق عليه اسم "اضطراب ما بعد الصدمة"، افتتحت الجمعية الإسلامية-جباليا منتجع البستان على شاطئ البحر، في محاولة لإعادة الحياة إلى طبيعتها في غزة في مجالات اللعب، والراحة، والمتعة، والإغاثة، والتعافي. وتنظم دار القرآن الكريم والسنة مخيماً صيفياً سنويا يحفظ فيه 10,000 طالب القرآن في مدة شهرين، الأمر الذي من شأنه أن يساعد على التخفيف من محن الحياة في ظل الاحتلال.  يقول تعالى في الآية 28 من سورة الرعد: 
" الذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".
ويعاني قطاع غزة نقصاً في الوسائل. وكان نقص المواد الخام حاداً وغير مسبوق. ولا زال الغزيون يعيشون تحت احتلال أجنبي منذ عقود، متحملين أعباء القيود التي تفرضها القوة المحتلة. ورافق تقص المواد الخام الاحتلال العسكري، مما زاد من حدة القيود المفروضة على الحصول على المواد الأساسية التي تعد هامة "للحياة الطبيعية". وعانى الفلسطينيون من الفاقة في وطنهم، خاصة النساء والأطفال.
وتعيش 70% من العائلات تحت خط الفقر (3 دولار أمريكي يومياً). وتسببت العمليات العسكرية في خلق حالة من انعدام الأمن الغذائي، التي أثرت بدورها على قرابة 75% من السكان. وألقى التدمير الوحشي للأرض، والبيوت الزجاجية بظلاله على توفر المواد الغذائية الطازجة في قطاع غزة. ويشهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في نسبة المصابين بمرض التقزم، في أوساط الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 16 عاماً (بنسبة 7.2%). وتدق نسبة الإصابة بمرض الأنيميا ناقوس خطر، حيث تصل إلى 66% في أوساط الرضّع الذين تتراوح أعمارهم بين تسعة شهور وسنة. وتعاني 35% من النساء الحوامل من مرض الأنيميا.
باختصار، خَلُص تقرير جولدستون الصادر عن الأمم المتحدة عام 2009 إلى أن الهجمات الإسرائيلية على غزة في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009 هدفت إلى حد كبير إلى تدمير أو تخريب ممتلكات وسبل عيش السكان المدنيين. ويؤكد التقرير أن إسرائيل فرضت حصاراً على غزة يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، ونفذت سياسة منهجية تقوم على العزل والحرمان المتزايد بحق القطاع".
 وتعتبر الظروف التي تعيشها غزة ذروة أزمة حادة ذات أجندة سياسية واجتماعية حقيقية تعد بمثابة اختبار للقيادة السياسية والحكم. 
وعلى الرغم من ذلك، فإن رفع الحصار الغير شرعي وبشكل فوري، لا يحتاج إلى عبقرية للاعتراف بأن الأمم التي تنفق نسبة عالية من ناتجها المحلي لتعزيز قواتها وترساناتها العسكرية فسيكون على حساب الاستثمار في التنمية الشاملة في أنظمتها التعليمية والصحية والاجتماعية. ما من شك أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر والتفكير في تحديد الأولويات الوطنية، لكي لا يُسمح بتخريب الجهود الرامية إلى بناء أمة بغطاء من الأجندة العسكرية الخفية.
 وعلى النقيض من السلطة الفلسطينية السابقة، تكاد تخلوا حكومة حركة حماس الحالية المنتخبة ديمقراطياً من آفة الفساد نسبياً. وهي المنتخبة لأن سياستها تتمحور حول معاداة الصهيونية، والتأكيد على المساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية لجميع الفلسطينيين.
حظي وفدي الأقصى الشريف-ماليزيا، وفيفا بالستينا-ماليزيا في فترة وجيزة قوامها ثلاثة أيام بفرصة مقابلة رئيس الوزراء د. إسماعيل هنية، وثلاثة من أعضاء البرلمان: النائب د. باسم نعيم، وزير الصحة، الذي أطلعنا على الوضع الصحي، وابتعاث تسعة من الأطباء إلى ماليزيا لتلقي تدريب متخصص في الطب والجراحة. فيما ركز النائب د. محمد شهاب على تحديث قطاع التعليم، عبر المساعدة في إعادة بناء وتأهيل 11 مدرسة في جباليا التي تعرضت لأسوأ الهجمات في شمال غزة، بمنحة مالية تبلغ 1.7 مليون رينغت ماليزي، جُمعت من طلاب، وأولياء أمور، ومعلمي، وكادر وزارة التربية والتعليم في ماليزيا.
وينخرط النائب د. عبد الرحمن الجمل بشكل كبير في مخيم صيفي لتحفظ القرآن الكريم، يشارك فيه 10,000 طالب سنوياً، يحفظ غالبيتهم القرآن الكريم، في فترة شهرين. ولم نتمكن من مقابلة د. كمالين شعث، رئيس الجامعة الإسلامية، لكن المشاهد الحية والنظيفة جداً لمباني الجامعة الإسلامية تروي حكاية من التعليم والتعلم والبحث داخل أسوارها. واجتمعنا مع أ.د. مفيد المخللاتي، عميد كلية الطب في الجامعة، وتعاونا في مشروع يتناول الأمراض الجلدية.
 يبشر وجود هذا الفريق من المحترفين المؤهلين تأهيلاً عالياً، الذين يعيشون ذروة حياتهم المهنية الناصعة، ويحظون بسجل مدني وسياسي لا تشوبه شائبة بمستقبل مشرق لشعب غزة بشكل خاص، والقضية الفلسطينية بشكل عام. ما من شك أن مؤسسة فيفيا بالستينا-ماليزيا، والأقصى الشريف تؤمنان أن فسحة الأمل والقدرة على والإبداع، والأفكار، وسداد السياسات، والشعور القوي بالتوازن، وبعد الأفق سينتصر حتماً على قلة الحيلة.