العمل الخيري ومكافحة ظاهرة التسول

أرشيفية

تعتبر ظاهرة التسول من الظواهر المقلقة والمزعجة في مجتمعاتنا الإسلامية، والتي ينظر إليها كثيرون باعتبارها إدانة صريحة ودامغة للمجتمع أجمع، الذي فشل في سد الحاجات الأساسية لنفر من الناس؛ مما ألجأهم إلى مد اليد وإراقة ماء الوجه، أملا في الحصول على الطعام والشراب. ومعالجة هذه الظاهرة يستلزم منا التطرق إلى رؤية الإسلام فيها، ثم التطرق إلى الآليات المقترحة للجمعيات الخيرية لمعالجتها.
 
نظرة الإسلام إلى ظاهرة التسول
 
من الفرائد التي تميز بها الإسلام تلك الثنائيات التي حرص من خلالها على إقامة التوازن في النفس الإنسانية والمجتمع المسلم، فرغم أنه رغب عبر آيات القرآن الكريم وأحاديث سيد العالمين ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإنفاق ومساعدة المحتاجين والفقراء، إلا أنه في الجانب المقابل حث المسلم على عدم سؤال الناس شيئاً، وأن يتعفف عن السؤال قدر جهده ووسعه، ومدح الذين لا يسألون الناس إلحافاً.
 
فعن أبي مسلم الخولاني قال: حدثني عوف بن مالك قال: " كنا عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سبعة أو ثمانية أو تسعة، فقال: " ألا تبايعون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ ولنا حديث عهد ببيعة". قلنا: قد بايعناك! حتى قالها ثلاثاً. وبسطنا أيدينا فبايعنا، فقال قائل: يا رسول الله، إنا قد بايعناك، فعلام نبايعك؟ قال: "أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتصلوا الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا". وأسرّ كلمة خفية: قال: "ولا تسألوا الناس شيئاً". قال راوي الحديث: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه، فما يسأل أحداً أن يناوله إياه. [رواه مسلم وأبو داود والنسائي].
 
وعن ثوبان مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة"؟ فقال ثوبان: أنا يا رسول. فقال: "لا تسأل الناس شيئا". فكان لا يسأل أحداً شيئاً. [رواه أبو داود].
 
وعن أبي سعيد الخدري: أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء أوسع من الصبر". [رواه الستة إلا ابن ماجة].
 
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحث الناس حثا متتاليا على عدم السؤال؛ حتى لا يستمريء البعض السؤال ويترك العمل والإنتاج، وهما السبيل إلى تحصيل الرزق واستكفاء المال والحاجات، ولم يعد فقر المرء أو عوزه مبيحا له للتسول وسؤال الناس.
 
أفكار لمكافحة التسول                             
 
الجمعيات الخيرية يقع عليها عبء كبير في مكافحة هذه الظاهرة المقلقة، وذلك عبر استنبات العديد من الآليات التي تعمل على القضاء عليها من جذورها، وليس عن طريق التوسع في إعطاء المال والملبس وخلافه لمحترفي التسول، الذين اتخذوها حرفة ومهنة أساءوا بها إلى المجتمعات العربية والإسلامية.. وهذه بعض الأفكار المقترحة لمكافحة الظاهرة من جذورها:
 
أولاً: مكافحة الفقر:
 
فظاهرة الفقر من الظواهر المقلقة التي تعاني منها المجتمعات العربية بشدة، حتى إن بعض الإحصائيات تصل بالنسبة إلى ما يقرب من مائة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، خاصة في دول مثل السودان، وموريتانيا، وجيبوتي، والصومال.. إلخ.
 
ويمكن الاستفادة هنا من أموال الصدقات والزكوات والكفارات والنذور الشرعية، من خلال تعاون عربي مشترك لمكافحة الفقر، فالعرب يمكنهم ردم هذه الفجوة بين الأغنياء والفقراء حال تنظيم الجهد الخيري من خلال العمل المؤسسي الفعال والمبدع، إذ يمكننا أن نتوسع في المشروعات الصغيرة التي تغني الأسر عن السؤال، والتي يتم تمويلها من خلال الصناديق العربية الخيرية المنشأة لذلك الغرض، بدلا من توزيعها في صورة طعام وملابس وفقط، كما أن هذه المشروعات الصغيرة ستعمل على تحويل الطاقات السلبية المستهلكة في التسول والسؤال إلى طاقات إيجابية، تسهم بعد ذلك في زيادة الناتج القومي، كما تسهم في معالجة أزمة البطالة التي يعاني منها العالم أجمع.
 
ثانياً: مكافحة ظاهرة الطلاق والتفكك الأسرى:
 
إذ إن تفكك الأسرة يعتبر السبب الأكبر في تشرد أبنائها وتعرضهم لكل أشكال الانحراف والضياع، واحترافهم لمهنة التسول عن طريق العصابات المتخصصة في ذلك.
 
ففي دراسة مسحية سابقة لمركز المعلومات بمجلس الوزراء المصري، اتضح أن نسبة الطلاق وصلت بمصر لنحو 40%، في مقابل دراسات خليجية قالت إن النسبة في دول التعاون الخليجي وصلت إلى 47 %، مقابل 25 % لدول المغرب العربي.. وهي في مجملها نسب مرتفعة، بمثابة جرس إنذار لما تسببه هذه الظاهرة من ضياع وتشرد للأطفال، إذ اتضح أن معظم أطفال الشوارع الذين يمارسون التسول هم ضحايا التفكك الأسري بعد انفصال الوالدين..
 
ومن هنا يتضح لنا الدور الكبير الذي ينبغي على الجمعيات الخيرية أداؤه من أجل محاصرة ظاهرة الطلاق، والتقليل منها، عن طريق نشر جمعيات الوفاق الأسري، وإمدادها بالباحثين والمتخصصين من أصحاب القدرات على تلقي الشكاوى الأسرية، والتدخل لحلها، والحيلولة دون وصولها إلى الطلاق.
 
ثالثاً: مكافحة ظاهرة أطفال الشوارع:
 
الذين ينظر إليهم باعتبارهم قنابل موقوتة مستعدة للانفجار في أي وقت، وللعمل لحساب أي جهة أو منظمة، ولعل الطائفة الأكبر التي تمارس التسول ينتمون إلى فئة أطفال الشوارع الذين نشأوا نتيجة التفكك الأسري، أو غياب أحد الوالدين، أو رفقاء السوء الذين يدفعونهم إلى هجر بيوتهم وذويهم واحتراف التسول للحصول على الطعام والنقود اللازمة لشراء المخدرات والمسكرات التي تلازمهم، كما أن خطورتهم تكمن في تناسلهم من خلال العلاقات غير الشرعية التي تنشأ بينهم في الشوارع، وإذ بالمجتمع يفاجأ بطفلة صغيرة لا تتعدى الخمسة عشر عاما تحمل على كتفها رضيعة تتسول بها، وتعدها لتخلُفها في المهنة مستقبلاً.
 
هذه الظاهرة المرعبة تحتاج إلى جهد حكومي وأهلي من أجل محاصرتها، من خلال التوسع في بناء القرى الخيرية التي تستوعبهم وتعيد تأهيلهم خلال فترة من الزمن، ثم يعادون إلى المجتمع مرة أخرى، من خلال منظومة عمل ورعاية تضمن لهم الاستمرار داخل منظومة المجتمع، وعدم الانحراف مرة أخرى..
 
ويكفي للقارىء الكريم، كي يدرك مدى خطورة ظاهرة أطفال الشوارع، أن يعرف أن معظم الأحداث الدامية التي تشهدها مصر بعد الثورة، والتي يحبس العالم أنفاسه وهو يتابعها في محيط وزارة الداخلية، يلعب أطفال الشوارع الدور الأكبر في تأجيجها؛ فهم وقودها حتى ولو كانوا يعملون لحساب جهات أخرى. فالجهد الخيري عليه أن يصب مجهوده لانتشال هذه الفئة من حالة الضياع التي يعانون منها، والتي جعلتهم ناقمين على مجتمعاتهم ومستعدين للقيام بأي عمل تخريبي يشعرون من خلاله أنهم يثأرون من هذا المجتمع الذي تركهم نهبا للضياع، ولم يحنُ عليهم.
 
إن ظاهرة التسول تحتاج إلى إبداع خيري ينفذ إلى الأسباب الحقيقية للظاهرة، بدلا من الاكتفاء ببضع دراهم أو جنيهات نضعها في يد المتسول، ظانّين بذلك أننا كفيناه السؤال، دون أن ندري أننا نشجعه على التمادي في غيِّه دون أن ندري!!
المصدر: موقع مداد