العمل التطوعى.. والدعوة إلى الإسلام

أرشيفية

حث الإسلام أتباعه على ممارسة الدعوة إليه وإلى سبيله القويم فقال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) وقال سبحانه: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين) وقال جل شأنه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن).
ومما صح في السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في شأن الدعوة وفضلها قوله عليه الصلاة والسلام لما بعث علياً رضي الله عنه إلى خيبر قال:  "ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"  متفق عليه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.  
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هُدَى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" رواه مسلم.
ومن هنا مارست الأجيال الأولى الدعوة إلى الله ليس من باب "الوظيفة" ولكن من منطلق "المهمة" المخاطب بها كل مسلم مهما قل نصيبه من العلم أو الفقه انطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عنى ولو آية… الحديث"..
ورأينا الجيوش التي خرجت من جزيرة العرب لفتح البلاد والأمصار تمارس الدعوة إلى الله بجانب جهادها حتى أن هذه الجيوش تمكنت من إدخال الجم الغفير من أهالي البلدان المفتوحة إلى الإسلام في فترة وجيزة ولم تتعامل معهم من منطلق الفاتح الغازي ولكن من باب الداعي الشفوق.
كان العمل التطوعي بابا عظيما في الدعوة إلى الإسلام إضافة إلى عون المحتاجين وإغاثة الملهوفين خاصة إذا ما مارسه أصحاب الحس الدعوى.
وقد كان فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوعي من أسباب إلانة القلوب وترقيق الأفئدة وتحبيب الناس في دين الله تعالى، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  يأتي إلى امرأة عجوز مقعدة فيقم  (أي يكنس وينظف) لها بيتها ويحلب شاتها ويطعمها، ولما توفي قام بذلك أبو بكر – رضي الله عنه- فأتى عمر –رضي الله عنه- وقال للمرأة ماذا يصنع الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يقم بيتي ويحلب شاتي ويطعمني، فبكى عمر وقال: قد أتعبت الدخلاء من بعدك!
وقال صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت رجلأً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين" رواه مسلم .
ويقول صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار". .
ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث أبن عمر رضي الله عنهما: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربه من كرب الدنيا فرج الله عنه كر به من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما سترة الله يوم القيامة" متفق عليه .ويقول صلى الله عليه وسلم: "من مشى في حاجة أخيه كان خيراً له من اعتكاف عشر سنوات" متفق عليه .
كما يقول صلى الله عليه وسلم أيضا: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه احمد ومسلم.
وكان علي بن الحسن –رضي الله عنهما- يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يقسمها على فقراء المدينة! فلما مات وجدوا سوادًا في ظهره من حمل تلك الأكياس الثقيلة.
وعرف الفقراء من أهل المدينة أنه مات لانقطاع الدقيق عنهم.
إن خدمة الناس والقيام بقضاء شئونهم من أوسع أبواب الدعوة فهو يقرب القلوب ويجدد المودة.
ومن هنا، انطلقت دعوة الإسلام في آفاق الدنيا وانتشرت انتشاراً منقطع النظير، شهد بذلك العدو قبل الصديق، والبعيد قبل القريب والغائب قبل الشاهد.
التجار الدعاة ومواقف لا تنسى
إن  جموع التجار الذين تفرقوا في الأرض يبغون المال والرزق لم ينسون حظهم من الدعوة إلى الله تعالى، بل جعلهم الله سببا في إدخال شعوب بأكملها إلى حظيرة الإسلام دون إراقة نقطة دم واحدة كما حدث في دول جنوب شرق آسيا والدول الأفريقية جنوب الصحراء، كل هذا فعلوه من باب التطوع لخدمة الإسلام دون أن يكونوا مكلفين لممارسة وظيفة حكومية يتقاضون عليها أجرا ومقابل .
لقد كان الرعيل الأول من التجار أهل علم ودراية بالمؤثرات النفسية على تلك الشعوب، فكانوا يقضون فترات طويلة متجولين بين القبائل خاصة في المواسم التي لا تستطيع دواب التنقل السفر ما بين الساحل والظهير، مما أتاح الفرصة أمامهم للاستقرار بين ظهراني الأهالي والشعوب.
جاء في بحث الأستاذ أحمد محمد العقيلي بعنوان: "دور التجار في نشر الدعوة الإسلامية"؛ قوله: "وعن طريق ـ الاستقرار بين الشعوب المدعوة ـ تمكّن التجار من معرفة الكثير من العادات والتقاليد واللغات التي كانت العامل الأساس في تمكّن هؤلاء التجار من سبر غور هذه الشعوب. وبذا استطاعوا النفاذ إلى قلوب هذه الأمم بنشر العقيدة الصحيحة.
ومن هذا المنطلق استطاع التجار لكثرة احتكاكهم واختلاطهم بالأمم أن يقوموا بالدور الرائد في نشر دين الله، حيث ترعرعت الدعوة الإسلامية في ظلال التجار الذين غرسوها بأيدٍ أمينة وقلوب مخلصة.
يقول عميد الدراسات التنصيرية ساللر: إن من أسباب انتشار الإسلام أن الاتصال الإسلامي كان أكثر وأن التجار المسلمين كانوا يبدون للشعوب أنهم ليسوا بعيدين منهم، والعامل الأكثر أهمية أن رسالة الإسلام إيجابية Positive وسهلة الفهم Definable. " ويقول أيضا:
"لقد كان التجار المسلمون يدركون حقيقة أن من واجب المسلمين أن يكونوا جنوداً لدينهم في كل زمان ومكان. فكان أولئك التجار يقضون معظم أوقاتهم في الأمور التجارية سعياً وراء كسب رزقهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى في الدعوة إلى العقيدة الإسلامية، ولم يكن بينهم من يرى تضارباً بين أعماله التجارية وانصرافه للدعوة، حيثما ساروا وأينما حّلوا.
بل، كان أولئك التجار يقدّمون كل ما يحتاج إليه العلماء والفقهاء من أمور مادية، كفتح المدارس وإيقاف العقارات عليها وبناء المساجد ومساكن الطلبة، كما كانوا يرسلون الطلاب النجباء في بعوث إلى الجامعات الإسلامية في المغرب ومصر.
"وفي كل مكان وصل إليه التجار، أقاموا الكتاتيب والمساجد والمدارس والمساكن وقدموا المساعدات ووقفوا العقارات.
لقد كانت العلاقة وطيدة وثيقة بين التجارة والدعوة وقد كان التواصل ـ بين التجار والدعوة إلى عقيدة الإسلام ـ قوياً متيناً، وبهذا امتاز المسلمون وشهد لهم بذلك الأعداء".
لقد استخدم هؤلاء التجار الدعاة كل مخزونهم الخيري والتطوعي في إيصال رسالة الإسلام إلى شعوب الأرض قاطبة ولم يكن الأمر لديهم مجرد مكاسب مادية يسعون لتحقيقها وفقط بل ظلت الدعوة إلى الإسلام هي الهدف والغاية .
فأين نحن اليوم من هذه الأخلاقيات السامية والهمم العالية.؟!
المصدر: موقع مداد