تعبيرية
تظل قضايا التنمية والتطوير أحد أهم التحديات التي تواجه العمل المؤسسي في الميادين شتى. والعمل الخيري ليس استثناء من هذه القاعدة، خاصة وأن القرن الحادي والعشرين قد دهمنا بالعديد من التحديات التكنولوجية والفكرية والسياسية، والتي أثرت على مجمل أداء العمل الخيري سلبا أو إيجابا على اختلاف المواقف وتنوع الأماكن.
لذا؛ فإن العمل الخيري مطالب بالبحث الدوري والجدي في آفاق تطويره وتنميته، مما يؤدي إلى استدامة بقائه، وتفعيل دوره على الدوام في خدمة الفرد والمجتمع.
والحديث الدائم والمتواصل عن التجديد والتطوير المؤسسي يعكس مجموعة من القناعات التنموية لدى المؤسسة الخيرية، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:
1- تحمل المسؤولية أمام أفرادها وعموم المجتمع، إذ تبقى المؤسسة الطامحة إلى التطوير والسالكة سبله ملتزمة بسبر أغوارها لاكتشاف مواطن العطب، ومعالجة أوجه الخلل دون الاستنامة إلى بعض النجاحات التي قد تكون وقتية أو حتى زائفة.
2- الرغبة في اللحوق بتطورات العصر التقنية والإدارية .
3- الإيمان بأن عملية التطوير عملية مستمرة، ورحلة لا نهاية لها، وجهد لا يتوقف أو يتعطل.
4- الطموح والهمة العالية، اللذان يجعلان المؤسسة الخيرية تقنع بما حققته، بل تطمح إلى المزيد من النجاحات المؤثرة.
ولكن، كيف يمكن تحقيق التطوير والتنمية؟
تطرح هذه الرؤية محورين للتطوير داخل منظومة العمل الخيري:
§ تفعيل العمل المؤسسي.
§ حوكمة المؤسسات الخيرية.
أولاً: تفعيل العمل المؤسسي:
ظل العمل الخيري يعاني في العقود الماضية من غلبة النزعة الفردية على العمل المؤسسي المنظم، فالعمل المؤسسي ظل غائبا عن المجال الخيري لحساب النزعة الفردية، وهو ما يعزوه محمد ناجي بن عطية، في ورقته البحثية "البناء المؤسسي في المنظمات الخيرية: الواقع وآفاق التطوير"، إلى الأسباب التالية:
1- طبيعة المجتمعات الإسلامية المعاصرة عامة، وعدم ترسخ العمل المؤسسي في حياتها؛ لما اعتراها من بُعد عن الدين؛ أدى إلى تأصل الفردية، وضعف الروح الجماعية والحوار والمناقشة والمشاركة، ولِما حلّ بها من تخلف حضاري، أقعدها عن الأخذ بأسباب الفاعلية والنجاح؛ فأصابها التأخر وتبدد الطاقات.
2- ضعف المَلَكة الإدارية لدى كثير من العاملين في القطاع الخيري؛ بسبب إهمال العلوم الإنسانية التي استفاد منها الغرب، وهذا مما وَرِثَه العاملون عن مجتمعاتهم.
وقد أدى هذا الضعف إلى الجهل بالعمل المؤسسي ومقوماته، وأسباب نجاحه؛ فتلاشت الخطط، وأغلقت دراسة الأهداف وإقامة المشاريع، وصار العمل مجرد ردود أفعال غير مدروسة، أو عواطف غير موجهة.
3- الحاجة الماسة إلى انتشار الأعمال الخيرية، مع قلة الطاقات المؤهلة؛ ما حدا بكثير من القائمين عليها إلى التركيز على الكمّ لا الكيف، والغفلة عن قدرة العمل المؤسسي على الموازنة بين الكمّ والكيف، وتحقيق أكبر قدر منهما.
4- الخلط بين العمل الجماعي والعمل المؤسسي، والظن بأن مجرد قيام الجماعة يعني عملاً مؤسسياً، في حين أن كثيراً من التجمعات والمؤسسات لا يصدق عليها حقيقة هذا الوصف؛ لانعدام الشورى، ووجود المركزية المفرطة في اتخاذ القرار.
5- حداثة العمل الخيري العربي المعاصر؛ فإنه إذا ما قورن عمره بعمر المؤسسات الغربية فإنه قصير جدا.
هذه الأسباب يجب أن تعالج بمزيد من الأناة والعلمية، وصولا إلى تأصيل روح العمل المؤسسي في نواحي العمل الخيري، والانتقال به من الفردية إلى المؤسسية؛ مما يتطلب تكاتف جميع الأجهزة الإعلامية والتعليمية والثقافية لتأصيل هذه الروح في المجتمع والأفراد منذ نعومة أظافرهم، كما أنه يتطلب التوسع في إنشاء المؤسسات الخيرية.
ثانياً: حوكمة المؤسسات الخيرية:
يُعرّف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة مفهوم الحوكمة بأنه: "ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شؤون الدولة على كافة المستويات، من خلال آليات وعمليات ومؤسسات تمكن الأفراد والجماعات من تحقيق مصالحها".
كما أن تقرير التنمية الإنسانية العربية يُعرّف المفهوم من منظور تنموي بأنه: "الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رَفَاه الإنسان، ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لاسيما بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا".
نلاحظ من هذين التعريفين " الأممي والإقليمي " تركيز المفهوم على حماية دور الأفراد في المشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم، بحيث يتحول الفرد من "متفرج" إلى "صانع" حقيقي يشعر بكينونته وذاته، من خلال توفير آليات عدة لممارسة دوره في التقييم والمساءلة.
وهذه الحوكمة تتمثل في عدة آليات، وهي:
أولاً: امتلاك رؤية واضحة:
فالرؤية بمثابة الحلم الذي تسعى المؤسسة لتحقيقه، وبدون هذه الرؤية تبقى الخطوات عشوائية، والغد غير واضح لها، وعلى أساس الرؤية الكلية للمؤسسة تتمكن من بناء خطواتها المرحلية وخطط عملها الإجرائية، وهذه الرؤية تكون معروفة ومعلومة لجميع أفراد المؤسسة؛ حتى يحدث التناغم المطلوب فكرا وسلوكا، فعلى سبيل المثال: بَنَت شركة (مايكروسوفت) الشهيرة رؤيتها في وقت من الأوقات في جملة بسيطة " حاسب لكل مواطن "؛ إذ إن امتلاك المواطنين لأجهزة الحاسب سيتيح ترويجا أكبر لنظام التشغيل " ويندوز "، الذي تحتكر الشركة إنتاجه، وهو ماحدث لاحقا، وحققت الشركة رواجا معروفا ومعلوما. فمن هنا وجب التحرك داخل المؤسسات الخيرية لبناء رؤى صحيحة وواقعية وممكنة التطبيق؛ فالمؤسسة الخيرية المحلية، التي تبني رؤيتها على أساس " وطن بلا فقراء "، تخطت فيها إمكانياتها وقدراتها، رغم نبل الرؤية الموضوعة، لكنها أكبر منها؛ لذا يجب بناء الرؤية على أساس واقعي وسليم.
ثانياً: المشاركة:
وهي ركيزة أساسية للحكم الجيد، ويجب أن تتحول المشاركة من مجرد شعارات إلى آليات واضحة ومعلومة، تمكن الفرد داخل المؤسسة الخيرية من الاشتراك في وضع السياسات العامة وإجراءات التنفيذ؛ حتى نتمكن من الجمع بين النزعة الفردية المتأصلة داخل النفس البشرية والعمل المؤسسي الذي نطمح إليه.
ثالثاُ: الشفافية:
وتعني أن صناعة القرارات وتنفيذها تجري وفق قواعد ولوائح معروفة سلفاً؛ حماية للقرار من التقلبات المزاجية أو تطاحن الأهواء. وتعني – أيضا – أن المعلومات متاحة، ويمكن أن تصل مباشرة إلى أولئك المتأثرين بهذه القرارات وتنفيذها. وتعني ـ كذلك ـ إتاحة معلومات كافية بأشكال مفهومة.
رابعاً: المساءلة:
وتعتبر من أخص خصائص الحكم الرشيد، والتي تفتح الباب واسعاً لتمكين الفرد داخل المؤسسة. وبشكل عام، فإن أي منظمة أو مؤسسة يجب أن تخضع لمحاسبة أولئك المتأثرين بقراراتها أو أفعالها. والمحاسبة لا يمكن أن تكون سارية بدون شفافية وحكم القانون.. والمساءلة – المشار إليها – يجب أن تتم وفق نظام محكم؛ لضمان عدم شكليتها، وذلك عبر تقييم " الفرد" الدائم لأداء المؤسسة وفق معايير منضبطة، تشعره بأنه " المالك " الفعلي للمؤسسة التي يعمل من خلالها، وليس مجرد " رقم " في منظومة أرقام طويلة.
خامساً: المساواة:
تقتضي المساواة أن يُمَكّن الفرد من الارتقاء داخل السلم التنظيمي في مؤسسته وفق آليات معروفة، تخضع لمعايير موضوعية منضبطة، بعيداً عن اختيارات البشر وأهوائهم، والتي قد تفتح مجال الترقي واسعاً أمام أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة.
سادساً: الفاعلية:
ونعني بها أن تتوافق مخرجات المؤسسة الخيرية والتنموية والإدارية مع مجمل الخطط الموضوعة والبرامج المستهدفة من قبل المؤسسة؛ مما يدفعنا إلى الاهتمام بمجمل العمليات التي تتم لتحويل المدخلات إلى مخرجات ذات قيمة، فالعمل الخيري يجب أن يتحول من مجرد ناقل للأموال – وفقط – من الغني إلى الفقير، إلى الاهتمام ببناء الخطط والأفكار، التي تضمن تحول الفقير إلى عنصر إنتاج داخل المجتمع؛ حتى لا يظل يمد يده على الدوام.
والله من وراء القصد..
المصدر: موقع مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70017
