أثر التكافل فى تخفيف النوازل..الأشعريون نموذجاً
Villagers wade through flood waters in Madhepura District in Bihar state, India, Thursday, Aug. 28, 2008. The death toll from this year's monsoon has already climbed past 800 across India, and now some 1.2 million people have been marooned and about 2 million more affected in Bihar state, where the Kosi river has burst its banks, breached safety embankments and submerged all roads leading to the region. (AP Photo/Aftab Alam Siddiqui)
أرشيفية
ما من يوم يمر إلا وتفجعنا نازلة هنا أو هناك، بصور مختلفة وضروب متعددة، ما بين زلازل وفيضانات وقحط وجفاف، وصولا إلى الأزمات المالية الطاحنة التي يمر بها العالم اليوم، والتي تترك أثرها علينا لا محالة، وتترك الغني فقيرا والموسر محتاجا.
هذه الصور المختلفة من النوازل تفرض علينا أن نعزز من قيمة التكافل في واقع المسلمين اليوم، خاصة بعد أن تحولت الأمة الإسلامية إلى جزر منعزلة، اللهم إلا بعض جهود أهل الخير والرشاد، وجهود منظمات الإغاثة والتكافل، التي تبذل فوق طاقتها من أجل سد حاجة أصحاب النوازل؛ لذا بتنا اليوم في أمَسِّ الحاجة إلى استعادة نموذج الأمة الواحدة، وإلى تذكر أحد النماذج الرائعة في التكافل عند نزول الملمات والمصائب، إنه نموذج الأشعريين.
الأمة المسلمة أمة واحدة
ما فتىء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعيد ويؤكد على وحدة الأمة المسلمة، وأن ذمتهم ذمة واحدة في سداد الدين، وقضاء الحوائج، وسد حاجة المحتاجين، وأن هذه الأمة "كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
فقد روى مسلم عن جابر ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "أنا أولى بكل مسلم من نفسه، من ترك مالاً فلِوَرثته، ومن ترك دَيْنًا أو ضياعًا فإليَّ وعليّ". فالرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤكد هنا على مبدأ التكافل في الغرم بوصفه رئيسا للدولة، ومسؤولا عن رعيتها، بتحمله دين الميت.
ويحث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين على أهمية التكافل والتعاون في المأكل والراحلة " السيارة الآن"، فيقول في حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ: "من كان معه فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له".
يقول النووي ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث: "في هذا الحديث الحث على الصدقة والجود والمواساة، والإحسان إلى الرفقة والأصحاب، والاعتناء بمصالح الأصحاب، وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج" انتهى.
ويقول: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربةً فرّج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة". أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر. وهذا حث عظيم على الشعور بالمسلمين وقت شدتهم ووقت جوعتهم وفاقتهم.
ويصف لنا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المجتمع الإسلامي الحقيقي المتكافل المتكاتف تصويرًا رائعا في تماسكه وترابطه، إنه كالجسد الواحد، لا يصاب فيه عضوٌ إلا أحست به سائر الأعضاء وتأثرت؛ بسبب النسيج الذي يربط بينهم، فيقول فيما رواه مسلم عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
هذه هي صورة المجتمع المسلم وقت النوازل والملمات، إنه مجتمع الرحمة والترابط والتماسك والتكافل.
الأشعريون نموذجا للتكافل
ضرب الأشعريون ـ رضي الله عنهم ـ على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نموذجا رائعا في التكافل وقت النوازل والأزمات .. حتى صاروا علامة مضيئة عليه، وصاروا مضرب الأمثال ومعقد الدروس والعظات فيما فعلوه عند نزول الحوادث، فلم يكن تكافلهم من جنس ما عهده الناس، بل تعدوه إلى اقتسام كل ما يملكون بالسوية.
فعن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية؛ فهم مني وأنا منهم ". (رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنِّهد والعُروض، ورواه ـ أيضا الإمام مسلم باللفظ نفسه في صحيحه، في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين ـ رضي الله عنهم ـ).
يقول ابن حجر معلقا على الحديث في فتح الباري: "قوله: (إذا أرملوا) أي فني زادهم، وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل من القلة، كما قيل في (ذا متربة). قوله: (فهم مني وأنا منهم): أي هم متصلون بي،… وقيل: المراد فعلوا فعلي في هذه المواساة. وقال النووي: معناه المبالغة في اتحاد طريقهما واتفاقهما في طاعة الله تعالى. وفي الحديث فضيلة عظيمة للأشعريين قبيلة أبي موسى، وتحديث الرجل بمناقبه، وجواز هبة المجهول، وفضيلة الإيثار والمواساة، واستحباب خلط الزاد في السفر وفي الإقامة أيضا. والله أعلم".
وقال النووي: "في هذا الحديث فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد في السفر، وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها في الحضر، ثم يقسم، وليس المراد بهذا القسمة المعروفة في كتب الفقه بشروطها، ومنعها في الربويات، واشتراط المواساة وغيرها، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضا، ومواساتهم بالموجود". [شرح صحيح مسلم، 16/294].
وقال الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: "هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار والمواساة عند الحاجة". وقال القاضي عياض: "في هذا الحديث فضل المواساة والسماحة، وأنها كانت خلق نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وخلق صدر هذه الأمة وأشراف الناس".
ففعل الأشعريين هنا من أعلى درجات الإيثار والمواساة؛ فلم يكتفوا بإخراج ما زاد عن حاجتهم، بل جمعوا ما يملكون واقتسموه بينهم.
فأوقات الأزمات والنوازل لا تريد إلا حلولا عبقرية غير مسبوقة كحلول الأشعريين، لذا توقفت طويلا أمام من عارض إخراج زكاة الفطر في العام الفائت لجوعى الصومال ومحتاجيهم، ردا على من اجتهد وأجاز إخراجها لهم، ولست هنا في مجال المجادلة الفقهية، ولكني أبيِّن خطورة عدم الدوران مع روح النص، وعدم مراعاة الفتوى لمستجدات العصر ونوازله، وإلا فما فائدة الاجتهاد الذي يعمل فيه الفقيه وسعه من أجل استنباط الأحكام الملائمة للعصر؟ فلو لم نتوسع مع الرأي القائل بجواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر لمات أهل الصومال جوعا وفقرا واحتياجا؛ لذا لما سئل الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ عن نقل الزكاة قال: "نعم، يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد أخرى، ولكن الأفضل أن يفرقها في بلده؛ إلا إذا كان في النقل مصلحة، مثل أن يكون له أقارب في بلد آخر من أهل الزكاة، فيريد أن ينقلها إليهم، أو يكون البلد الآخر أكثر حاجة من بلده فينقلها إليهم؛ لأنهم أحوج، فإن هذا لا بأس به، وإلا فالأفضل أن يفرقها في بلده" انتهى. [فتاوى ابن عثيمين، رقم 12533].
قصة الأشعريين تعطينا الأنموذج في المواساة والعطاء، ذلك النموذج الذي ضربه أهل المدينة من قبلهم في استقبال إخوانهم من المهاجرين عندما واسوهم بالمال والدار، ولم يضنوا عليهم حتى بالاستعداد بالانخلاع من الزوجة، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ("لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ؛ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ:" لَا، مَا دَعَوْتُمْ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ"). رواه الترمذي.
فمتى تستعيد الأمة الإسلامية روح الأشعريين في مواجهة النوازل والمصائب – وما أكثرها فى عصرنا – رحمة بالمسكين وشفقة على المحتاجين؟
وأين عطف الأشعريين من قول "نيتشه" ـ فيلسوف الغرب ـ: "الضعفاء العجزة يجب أن يُفْنَوْا؟! هذا هو أول مبدأ من مبادئ حُبِّنَا للإنسانية! ويجب ـ أيضًا ـ أن يُساعَدوا على هذا الفناء".
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70024