العمل التطوعي ونهضة التعليم..نموذج تطبيقي

أرشيفية

ربما لجأت كثير من الدول العربية عقب خروج المستعمر من أراضيها في أواسط القرن الماضي إلى إنشاء دولة قطرية مركزية قوية كي تتمكن من إعادة بناء قدراتها الذاتية والسيطرة على مواردها في ظل استفحال رأس المال الأجنبي على حساب المال الوطني.
وكان التعليم أحد المفاصل الهامة التي حرصت الدول الناشئة آنذاك على الاهتمام به كماً وكيفاً من حيث إتاحته لجميع أبنائها والتأكيد على مجانيته والتوسع في إنشاء المدارس وتوفير المعلمين اللازمين لبناء تلك المنظومة .
وكانت " المركزية " هي الفلسفة المسيطرة على الفكر الإداري آنذاك من خلال توجيه التعليم وإدارته من خلال بؤرة مركزية متمثلة في وزارة معنية تهتم بشؤون التعليم وما يتفرع عنها من أعمال المتابعة والتقويم والمحاسبة .
ولكن في ظل الاطراد المتنامي لحجم الدولة من حيث المساحة وعدد السكان فقد ازداد عدد المدارس بصورة فاقت قدرة الوزارة المركزية على المتابعة والمحاسبة والتقويم ففي مصر على سبيل المثال وصل عدد المدارس إلى ما يقرب من اثنين وأربعين ألف مدرسة ، هذا الحجم الكبير أدى إلى عجز المركز عن القيام بدوره المنوط به .
هنا اتجه التفكير الإداري إلى اللجوء إلى فكرة " اللامركزية " كأساس فلسفي لإدارة العملية التعليمية وهى الفكرة السائدة في معظم دول العالم بدرجات مختلفة . حيث يتحول الكيان المدرسي إلى كيان شبه مستقل فى النواحي الإدارية والمالية .
وفى ظل الاتجاه إلى اللامركزية يتعاظم دور المجتمع والعمل التطوعي في النهوض بالعملية التعليمية إذ يقع على المجتمع الأهلي ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات المهتمة القيام بدور رئيس ومهم في عملية التقييم والتحسين والمساءلة وقد عرفت الأمم المتحدة المشاركة المجتمعية في التعليم على أنه «العمليات التي توحد بين جهود الأهالي والسلطات الحكومية لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تحقيقًا لتكامل هذه المجتمعات ومساعدتها الكاملة في التعليم القومي» كما أن المشاركة المجتمعية تعزز من قيم الانتماء والمواطنة إذ يشعر حينها المواطن أنه ليس قد تحول من مقعد المتفرج إلى موقع المشارك بإيجابية وفاعلية فى أحد أهم مفاصل المجتمع وأكثرها لصوقاً بحياته ومستقبل أبنائه
مجالات عمل العمل التطوعى
أولاً : المساهمة فى تحسين العملية التعليمية : 
 
المجتمع الأهلي هو المستفيد الأول من الخدمة التعليمية لذا فإن رأيه يصبح ضرورياً في تقييم عناصر العملية التعليمية من حيث استيفائها المعايير المطلوبة لتقديم خدمة تعليمية جادة ومتميزة وذلك من خلال التقييم المستمر والدائم لمجمل العملية التعليمية وفق آليات يتم الاتفاق عليها بين المدرسة والمجتمع الأهلي من خلال اجتماعات بؤرية تجمع كل المهتمين بالعملية التعليمية من أولياء أمور ومجالس محلية وجمعيات أهلية محيطة وذلك وفق مؤشرات توضع بعناية ودقة ومن خلال هذا التقييم يتم تصميم خطط التحسين اللازمة لسد أوجه العجز والنقص ثم يقوم المجتمع الأهلي بمتابعة تنفيذ خطط التحسين ومدى اتساق معدلات الأداء مع الخطط الزمنية الموضوعة في خطط التحسين . هنا نلاحظ أن المجتمع تحول من مجرد متفرج على العملية التعليمية إلى شريك أساسي كما أنه يكون بمثابة جرس إنذار الذي يدق بشدة لتنبيه القائمين على العملية التعليمية إلى أوجه النقص والعجز .
وهذه بعض المجالات التي يمكن أن يساهم من خلالها المجتمع الأهلي :
– دراسة المشكلات التعليمية والمساهمة في وضع الحلول المناسبة لها.

– وضع البرامج للنهوض بالطلاب المتخلفين دراسياً .

– تصميم البرامج التعليمية.

– دعم المكتبات المدرسية وتزويدها بكل ما هو جديد.

– تجهيز المختبرات والمعامل كمعامل الحاسب الآلي واللغات.

– رعاية الطلاب الموهوبين والمتميزين.

– تشجيع البحث العلمي وتقديم مكافآت للبحوث المتميزة.
 
ثانياً : المساءلة الفعالة والتقويم المستمر
وفق النموذج التقليدى " المركزى " فإن المجتمع لا يتدخل ألبتة في محاسبة ومساءلة القائمين على العملية التعليمية إذ يتكفل المركز " الوزارة المعنية " بهذا الأمر ولكن وفى ظل الاتجاه إلى النظام اللامركزي فإن الحاجة تبدو ملحة لقيام المجتمع الأهلى بدوره فى مساءلة القيادة المدرسية عن مدى قيامها بمهامها المنوطة بها على الوجه الأكمل وهذا النوع من المحاسبة يتميز بالسرعة والكفاءة إذا ما تم تطبيقه بأسلوب جيد . خلافاً لأسلوب المساءلة المركزى الذى يعتمد على سلسلة من الإجراءات التي تعرف بـ " المساءلة الرأسية " التي تبدأ من الكيان المدرسي صعوداً إلى الإدارات التي ترأسها وصولاً إلى الوزارة المعنية وهو طريق طويل في ظل تعقد الإجراءات البيروقراطية الحكومية . أخذاً في الاعتبار أن المساءلة هنا تتمم ما تقوم به الإدارات العليا وليست مستقلة عنها إذ تبقى الإجراءات العقابية شأناً إدارياً خالصاً لا يستقل به المجتمع الأهلي ولكنه يكون بمثابة العين الباصرة التي تمد جهات الإدارة العليا بمواطن الخلل والعطب .
 
ثالثاً : المساهمة فى تكلفة التعليم والبحث العلمى :
لاشك أن كاهل معظم الحكومات قد عجز عن الوفاء باحتياجات العملية التعليمية من حيث بناء المدارس وإنشاء بنية تكنولوجية مناسبة وتحديث وصيانة المباني المدرسية وتوفير احتياجات الطالب خاصة في ظل التزام الدولة بمجانية التعليم وزيادة السكان زيادة كبيرة مم أدى إلى عدم وفاء المخصصات المالية باحتياجات العملية التعليمية الكافية .
من هنا يأتي دور المجتمع الأهلي كمكمل لدور الدولة وليس بديلاً عنها من خلال تشجيع القادرين على التبرع لصالح العملية التعليمية ورعاية الطلاب المتفوقين من خلال مؤسسات أهلية تنشأ خصيصاً لهذا الغرض قد لعبت مؤسسات عربية خيرية دوراً مشهوداً في القيام بدور رعوي للكفاءات والمواهب كذلك الدور الذي قامت به مؤسسات الأمير سلطان بن عبد الله – رحمه الله – الخيرية في تقديم العون للكفاءات والباحثين ، ومؤسسة الحريري في لبنان التي حرصت على إيفاد البعثات التعليمية ورعايتها وتقديم العون المادي لها .
إن المجتمع الأهلي عليه أن يطور في نظرته للعمل الخيري والذي يجب أن يتطور ليشمل التعليم واحتياجاته إذ إن نهضة الشعوب والأمم تبدأ من هذه النقطة تحديداً والتي أصبحت خارج طاقة الحكومات المركزية وقدراتها .
إن مفهوم الدولة والمجتمع المدني – كما تقول فهيمة العيد – مفهومان متكاملان، فالعلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية تتسم بالتوافق تارة والتصادم تارة أخرى ، وتتعدد الآراء ووجهات النظر بينهما في العديد من القضايا المعنية بالمجتمع ونشاط كلا الطرفين فيه، وتعدد الآراء هذا يصب دائما في مصلحة القضية المنظورة، إلا أنه من الضروري أن نعي جيدا أن العلاقة المفترضة بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية في أي مكان في العالم ليست علاقة تنافسية بل علاقة مبنية على أسس متكاملة من التعاون والترابط، لأن دور كلا الطرفين مكمل لدور الآخر، كما أن الأسس التنموية التي بني عليها كلا الطرفين أفكاره وأهدافه تصب في مصلحة المجتمع الذي يعيشون فيه، لأن تعاونهم مبني على الرقي وإثراء الحياة الثقافية والفكرية في البلاد ، بالإضافة إلى تنمية مهارات الأفراد في أداء الخدمات للمواطنين في جميع مجالات الخدمة الاجتماعية (الأدوار التكاملية لمختلف هيئات المجتمع المدني، مؤتمر: التوافق السنوي الثالث:"هيئات المجتمع المدني والتنمية الوطنية").
فهل من الممكن أن يتم التطوير ونرى مظلة العمل الأهلي والتطوعي تبسط خيرها على قطاع التعليم والبحث العلمي نأمل ذلك .
المصدر: موقع مداد