(الانترنت) والتبرعات الخيرية..إيجابيات وسلبيات

أرشيفية

أشعر أن الربع قرن الماضي بكل ما فيه مر سريعاً، ولم تكن سنواته كثيرة، حينما كنت أتذكر عندما كان يحتضنني  جدّي ـ رحمه الله ـ وهو يجاوبني ببساطته المعتادة عن كل ما ورد في ذهني من تساؤلات عديدة لا يدركها عقلي الصغير وقتها، ومن أهم هذه الأسئلة: من هؤلاء الأشخاص يا جدّي الذين يأتون إليك يوما بعد يوم؟ ولماذا تصاحب مثل أولئك أصحاب الثياب الرثة، وأصحاب الأمراض والعاهات المختلفة؟؟ فيجاوبني جدّي ـ هذا الرجل الصعيدي ـ بابتسامته الصافية:هؤلاء ليسوا أصحابي ولكنهم أحبابي وأحباب الله، إنهم الفقراء يا صغيرتي.
أتذكر ـ أيضاً ـ وقتها بأول شعور لي بالخجل عند سماعي لإجابته هذه، وحديثه الرحيم عن الفقراء وكيفية معاملتهم.
هكذا نشأ إحساسي بتلك الفئة المستضعفة الرقيقة في مجتمعاتنا العربية، وقتها ـ أيضاً ـ كانت الصدقات وأموال الزكاة توزع في المحيط القريب لمن يتصدق عليهم أو لأولي القربى من الأهل الذين يستحقونها. وبعد تطور وسائل المواصلات والاتصالات بات الأمر يسيراً لوصول هذه الصدقات والتبرعات إلى أماكن أبعد من تلك البيئات المحيطة، وأصبح أمر إعلام الناس في مناطق معينة بما يصيب إخوانهم في مناطق أخرى بعيدة عنهم  من كوارث وابتلاءات (كالفيضانات والسيول والأعاصير، وغيرها…إلخ)، أصبح بالشىء اليسير على أبناء الوطن الواحد المتعدد الأطراف، بل وامتدت هذه التبرعات ـ أيضاً ـ إلى الدول المجاورة ودول إسلامية أخرى.
ولكن ومن الملاحظ في الآونة الأخيرة ظهور وانتشار نجم جديد في سماء الإتصالات ـ ولا سيما في العشر سنوات الأخيرة ـ وهو ما يسمى (بالشبكة العنكبوتية) أو الإنترنت، ذلك النجم الذي ظهر في زمن الفتن، فأصبح بمثابة السلاح ذو الحدين. ولست الآن بصدد الحديث عنه ككل، وذكر فوائده وأضراره في جميع مناحي الحياة، ولكن سوف يكون محور الحديث بإلقاء الضوء على علاقة هذه الشبكة العنكبوتية بالتبرعات، ومدى تخللها داخل الأجواء الخيرية، فالواقع الذي يجب علينا جميعاً أن نجزم به ـ وهو عن قناعة شخصية ـ هو (أن لكل شىء إيجابي سلبياته، ولكل ما هو سلبي إيجابياته أيضاً)، فلن نجد الكيان الإيجابي على الإطلاق؛ فالكمال لله وحده ـ عز وجل ـ، ولكننا نستطيع أن نحكم على ذلك الكيان بأنه سليم في حال وجدناه يحوز على نسبة من الإيجابيات أكبر من السلبيات.
وكذلك الحال بالنسبة لخدمة التبرعات التي يقدمها الإنترنت للبشرية في السنوات الأخيرة،  وإحقاقاً للحق  فإن هذه الخدمات لها إيجابيات عديدة مقارنةً بالنسبة الضئيلة لسلبياتها،
 وفيما يلي سوف أسرد معظم الإيجابيات للتبرعات عبر الإنترنت، ومدى الاستفادة منها:
أولاً: السرعة
وهي من أهم العوامل الإيجابية للتبرع عبر الإنترنت، حيث يسهل على المتبرع الوصول إلى المؤسسات والجمعيات الخيرية أو حتى الأفراد المحتاجين لتلك المعونات والتبرعات في أي مكان بالمعمورة.
ثانياً: السهولة
سهولة التعرف على تلك المؤسسات من خلال الإنترنت، بل وعلى كل ما يحدث في أي مكان بالعالم من كوارث طبيعية وبشرية، وما تخلفه من فقدان المأوى والمأكل والملبس؛ الأمر الذي يلفت أنظار المتبرعين في كل مكان بالعالم لضرورة التطوع للتبرع لهؤلاء المنكوبين.
ثالثاً: توفير الوقت والجهد
أحياناً كثيرة يكون العائق الأوحد لوصول التبرعات لمستحقيها هو الشعور بالعبء والثقل من ذهاب المتبرع سواء للأفراد أو للمؤسسات الخيرية، والتي يمكن أن يكون الوصول إليها بالشىء المرهق والمكلف بالفعل.
رابعاً: قلة التكاليف
فكثيراً ما يكون وصول التبرعات إلى أماكنها المشروعة باهظ التكاليف، وربما تكون هذه التكاليف ذات قيمة أعلى من قيمة التبرعات العينية أو المادية التي يود المتبرع إرسالها.
خامساً: المساعدة في الحد من البطالة
فعلى الرغم من أن المشاركين في القيام بمهام العمل على الربط بين المتبرعين والجمعيات الخيرية يعدون نسبة ضئيلة من الشباب، إلا أننا نرى أن من العوامل الإيجابية ـ  أيضاً ـ للتبرع بالإنترنت هو مشاركة عدد لا بأس به من الشباب مشاركات فعالة؛ الأمر الذي يساهم في القضاء ـ نوعاً ما ـ على البطالة، ومن هذا العامل نلاحظ أن جانب الاستفادة من تلك الفئة تسهم بالعديد من الإنجازات، حيث إنهم مواكبون للتقنيات الحديثة.
سادسا: فرصة المعاقين للمشاركة
وإذا سلمنا بأن كل العوامل الإيجابية ـ السابق ذكرها ـ قد تزيل العقبات عند القيام بالتبرع عبر الإنترنت، فإن علينا ـ أيضاً ـ أن نسلم بأمر هام آخر، ألا وهو إزاحة العقبات أمام المعاقين للمشاركة بالتبرع إذا كان مستطيعاً، أو التنسيق الإلكتروني إن كان لا يستطيع مادياً.
ومما سبق نستنبط عاملاً أخيرا من العوامل الإيجابية للتبرع عبر الإنترنت وهو:
سابعاً: حل مشكلة المكان
قبل انتشار الإنترنت، ولإنشاء مؤسسة خيرية، كان على مؤسسيها البحث عن مكان لإدارة تلك المؤسسة؛ الأمر الذى كان يصعب على جميع الأطراف المشارِكة التواجد والتعاون فيها، ولكن الإنترنت وفر هذه المسألة الصعبة، بل والعويصة أحياناً.
فما أروعها من أفكار للاستفادة السليمة من الإنترنت، ليستعمل فيها ـ فقط ـ الحد الطيب من السلاح، وهي الجوانب الخيرية.
سلبيات التبرع عبر الإنترنت
ولكن، ومع كل هذه الإيجابيات، سوف نجد بالطبع ـ  وانطلاقاً من مبدأ (أن لكل شىء إيجابي سلبياته) ـ أن التبرعات من خلال الإنترنت لها ـ أيضاً ـ بعض السلبيات التي إذا حاولنا تلاشيها فسوف يكون النجاح هو العنصر البارز والمسيطر على هذا النشاط المبارك، وهي سلبيات بسيطة مقارنةً بكل الإيجابيات السابقة، أذكر منها:ـ
أولا: اللصوص والنصابون
الذين هم  ـ للأسف ـ يتمتعون بنسب عالية من الذكاء الإلكتروني، ولديهم القدرة على السطو على حسابات الأشخاص في الإنترنت، ومنه يستطيعون اختراق الأرقام السرية وأرقام الحسابات في البنوك؛ ولذلك لا بد من الاحتياطات الأمنية عالية المستوى، كأن نعتمد على نظام تبرع إلكتروني آمن من الحسابات البنكية للمتبرعين عبر بطاقات الإتمان، أو في شكل حوالات مالية، والتأكد من بياناتها، ومن ثم حماية هذه البيانات لضمان سرية المعلومات.
ثانيا: الاستخدام السىء من بعض المشاركين
ولا بد هنا أن نتنبه إلى أن حملة التبرع بأكملها يمكن لها أن تفشل بسبب الاستخدام السئ من بعض الشباب القائمين عليها، كإهدار الوقت، أو العبث بالتبرعات، ومحاولة التزوير لاختلاس بعضها، وغيرها من الأخطاء التي يقع فيها بعض الشباب الذين تسول لهم أنفسهم ذلك ـ إلا من رحم ربي-.
 
وبين كل هذه السلبيات والإيجابيات للتبرعات عبر الإنترنت، أجد أنني أقف وقفة بعقلي لأتذكر شيئا هاما، وهو أن كل هذا العالم زائل لا محالة، وليس علينا إلا أن يكون لنا دور إيجابي في خضم هذه الطفرة العجيبة التي نمر بها ونستخدمها في عالم الإلكترونيات.
ولهذا يجب أن نضع الحياة الآخرة نصب أعيننا، وأن نخلص النية لله ـ عز وجل ـ حين استخدامنا لكل هذه النعم والتطور الذي يلحق بها يوماً بعد يوم؛ عملاً بقول الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب). صدق الله العظيم.