أرشيفية
تحت المظلة الشرعية التي تقرها التشريعات والقوانين والقرارات واللوائح تنشأ الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأهلية؛ لتؤدي أهدافها الإنسانية والأخلاقية والمجتمعاتية والسياسية، ووفق ضوابط قانونية معينة يتم تشكيل إداراتها، ويبقى الفارق الأساسي بين الجمعية والمؤسسة ـ كما حددته قوانين المملكة العربية السعودية وغيرها من القوانين الخليجية والعربية ـ أن الجمعية، وفي إطار ما نعرض، يستوجب لقيامها تآلف مجموعة من الأفراد، يشترط ألا يقلوا عن العشرين في قوانين المملكة الخاصة بتكوين الجمعيات الخيرية. وتساهم المنح والتبرعات والهبات والصدقات في تأديتها لأدورها التي أنشئت من أجلها، إضافة إلى الإعانات الحكومية، وموارد أنشطتها، ورسوم العضويات التي يقدمها أعضاؤها.
أما عن المؤسسات الخيرية، فهي التي يشترط لوجودها رأس مال معين، لا يقل في قوانين المملكة عن (5) ملايين ريال، وتسمى مؤسسات فردية خيرية، وقد يكون لها أكثر من مؤسس، وتختلف عن الجمعيات الخيرية بأنه لا يسمح لها بقبول المنح ولا التبرعات من العامة.
أولاً: فلسفة الإدارة الخيرية:
ومن هذا المنطلق تظهر "فلسفة الإدارة الخيرية"، ففي المؤسسات الخيرية الفردية تتجلى حقيقة مهمة وهي أن الإدارة في كل الأحوال ستبقى صنيعة المانح، أما بالنسبة للجمعيات وعلاقتها بالعامة، الذين هم أحد أكبر داعميها، فإن الأمر قريب إلى حد غير بعيد، خاصة إذا أنشئت الجمعيات في وسط لا يستطيع أن يدرك تماما الدور الذي قد تقوم به، ومدى ما ستبذله وتقدمه من خدمات إنسانية واجتماعية في المستقبل القريب، حيث سينتظر أولاً أن تقدم هذه الجمعية الخيرية المبادرة التي يجب أن تكون عامة وواسعة، قد يدفع فاتورتها مجموعتها التأسيسية، لتستطيع المؤسسة من خلال هذه المبادرة الخيرية تسويق مهمتها والترويج لنفسها، ومن ثم استقطاب الداعمين والأعضاء، باعتبارهم من دعائم نجاح أي مؤسسة أو جمعية أو كيان إنساني يسعى لصناعة مجتمع مثالي بلا مشكلات، ومن ثم خلق وجهة نظر إيجابية عن رسالة الجمعية الإنسانية والأخلاقية.
والمبادرة، باعتبارها من أكبر مهمات أي جمعية أو مؤسسة تحت الإنشاء، فإنها ـ بلا جدال ـ هي التي ستحدد شكل إدارتها في مستقبل أيامها، وبالتالي هي التي ستجعل المؤسسين يسعون لاستقطاب أشخاص لهم ثقل ما (مادي أو معنوي أو علمي وأكاديمي) ليكونوا واجهة تستطيع الجمعية من خلالها استكمال مهمتها. أما عن المهمة (تشكيل إدارة الجمعية أو المؤسسة الخيرية) فستصبح يسيرة إذا كانت الجهة المؤسسة أو أفرادها يعرفون الطريق تماماً نحو الأشخاص الذين يدركون حجم المهمة، وأبعاد المسؤولية الاجتماعية، والأمر سيكون أكثر يسراً إذا كانت المؤسسة أو الجمعية الخيرية تابعة لكيان اقتصادي أو مالي يهدف للارتقاء بالمجتمع من خلال الانحياز للعمل الخيري والإنساني، باعتباره من أهم طرق وأساليب التحام هذه المؤسسات بالمجتمع، أو إذا كانت الجمعية أو المؤسسة الخيرية ملتصقة بأسماء أشخاص لهم ثقل اجتماعي وتمويلي تريد تعزيز صلتها بالمجتمع. والإدارة في هذا الاتجاه، ومن هذا المنطلق، ستكون عملاً ميسراً، تعمل وفق السياسات الموضحة سلفاً من قبل هذه الكيانات الاقتصادية بشخوصها الاعتبارية، وكذلك من قبل المؤسسين من المانحين، وفي إطار السياسات والقوانين المفروضة من قبل الحكومات باعتبارها الوعاء الشرعي الذي يضمن مصداقية وشفافية القيام بهذا الواجب الاجتماعي والإنساني والأخلاقي العظيم.
ثانياً: التاريخ الخيري لأفراد الإدارة:
وهو يساهم كثيراً في خلق انطباع جيد عن الجمعية الخيرية، من خلال اختيار شخوص لهم باع طويل وتاريخ مسبق في منظومة العمل الخيري والإنساني بطرق غير رسمية، فالمانح سيفضل أن يداوم التعامل مع شخوص لهم باع ومصداقية في هذا الطريق عبر الطرق العرفية البسيطة، البعيدة عن الروتين والإجراءات والأوراق، أو الرسمية، وستكون الثقة في الجمعية وأدوارها التي تقوم عليها انعكاساً طبيعياً للثقة في الأفراد الموكول إليهم أمر إدارتها والعمل من أجلها، ويعتبر ذلك الأمر صنيعة سمات شخصية يتحلى بها أولئك الأشخاص، كالالتزام الديني والأخلاقي، والعمل الدؤوب، والسهر على حاجات الفقراء والبؤساء والأرامل واليتامى وغيرهم، بمعنى أن تكون لهم رؤية و قدرة على معرفة المحتاجين الحقيقيين، في وقت صار الادعاء بالعوز والحاجة سمة يتميز بها نفر غير قليل من البشر.
ثالثاً: الأولويات الإنسانية والاجتماعية:
من المعلوم في الحياة البشرية في شكلها المنظم أن هناك أولويات هي التي تحرك العالم والبشر، ووفق هذه الأولويات تكون هناك قضايا تحتم تأسيس جماعات وجمعيات وهيئات ومؤسسات. وفي الإطار الخيري، فإن المانحين والداعمين سيفضلون توجيه دعمهم وصدقاتهم واهتماماتهم إلى الجمعيات التي لديها القدرة على تلبية هذه الأولويات في كافة الظروف، خاصة في ظل الظروف المعقدة، كالحروب والكوارث الطبيعية، وكذلك عندما تقدم الجمعيات والمؤسسات خدماتها لفئات إنسانية لديها مشكلات معقدة، كجمعيات رعاية المعاقين والمرضى والفقراء. ولهذا؛ يمكننا أن نتوقع أن الإدارة الخيرية، التي ستلبي هذه الاحتياجات والضرورات، ستخلق ثقة كبيرة في شخوصها من قبل المانحين، وسيساهم ذلك في صناعة إدارة متميزة تستطيع مواكبة الأحداث، وتعمد إلى الاستثمار في الظروف العادية، والذي يعتبر من أهم مصادر تمويل الجمعيات في إطارها القانوني.
رابعاً: أنشطة الجمعية، واتساع قاعدتها الجماهيرية وأعضائها:
من الطبيعي عندما تكون إدارة الجمعية الخيرية إدارة محترفة، تهتم بقضايا اجتماعية وإنسانية مهمة تهم القطاع الكبير من الجماهير؛ فإن هذا الأمر سيساهم في خلق الثقة المطلوبة، وزيادة المنح والصدقات والهبات، وكذلك الأوقاف التي هي قمة العطاء الخيري من أجل هذه القضايا، وكذلك فإن هذا سيزيد من أعداد أعضاء الجمعية، وسيزيد من العوائد والرسوم التي قد تتحصل عليها صناديقها، وسيساعد ذلك ـ بلا شك ـ في تلبية الاحتياجات التي تعمل من أجلها، وتحقيق أهدافها، وحصد النجاحات، وأيضاً فإن لأنشطة الجمعيات المتنوعة أدواراً تمويلية، تساهم في إنجاح المهمة، خاصة إذا كانت الإدارة محترفة تستطيع معرفة وقياس احتياجات الجماهير، وتلبيتها بشكل قانوني واستثماري يستطيع زيادة العائدات، فتكون الجمعية بما قد تحققه من الاعتماد على أنشطتها وقاعدتها الجماهيرية (أعضائها) ومواردها الاستثمارية ـ إن أتيحت ـ وبشكل قانوني، تكون قد قطعت شوطاً كبيراً نحو الكفاف، وتلبية الاحتياجات المجتمعاتية والإنسانية، وإن كان الأمر يبدو صعباً بعيداً، ولكنه ليس مستحيلاً.
خامساً: الأهداف السياسية:
وهذا النوع من الجمعيات، التي تعمل وفق أجندات سياسية حكومية، أو تحت رقابة الحكومات، وفي الإطار الخيري والإنساني، سيكون ممولاً ومدعوماً بشكل أكبر، وإن كان للجمعيات ـ وحسب ما تنص عليه القوانين ـ منح تقدمها حكومات بلدانها في غير مكان، ولكن في هذا الشكل من الجمعيات الموجهة سيكون الدعم كبيراً وواسعاً، ولا جدال أن الإدارات في هذه الجمعيات ستكون صنيعة الداعم والمانح، وستكون علاقة هذه الجمعيات بالمانحين والداعمين الآخرين مقرونة برضاهم عن حكوماتهم وسياساتها.
ولكن ـ في النهاية ـ ستبقى الحقيقة التي يجب أن يعلمها المانح بأن الثقة في الجمعيات الخيرية، وضرورة دعمها، ضرورة يجب أن تظل متجددة ما دامت الجمعيات تؤدي أدوارها بشكل قانوني وسليم، وما دامت لا تقصر في أعمالها، وحتى ـ لا قدّر الله ـ إن حدث ما يظنه البعض أنه تجاوزات بشكل غير مقصود، فإن ما يقدم إنما يقع في يد الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وعلى الله يقع الأجر والثواب الدائم للداعم والمانح والعامل في مجال الخير بكل أشكاله، بحول الله وقدرته.
* المقال في ضوء المادة العاشرة من قانون الجمعيات الخيرية بالمملكة العربية السعودية، وبعض القوانين في منطقة الخليج العربي.
المصدر: موقع مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70043
