البعد الخيري في الاقتصاد الإسلامي

أرشيفية

لعل أبرز الفوارق التي تميز النظام الإسلامي ـ بأوجهه المختلفة ـ هي مراعاته للجانب الخيري التراحمي في جميع نظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحربية..إلخ؛ فالإسلام في سعيه الدؤوب للانتشار لم يكن همه استعباد العباد بقدر ما كان يهدف إلى إخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ولهذا سعى الإسلام إلى ترسيخ أبعاد التراحم والتآلف في جميع نظمه؛ حفظاً لكرامة الإنسان عن الانحطاط إلى درك تستحيل معه الحياة الإنسانية غابة كبيرة ينقض فيها القوي المتمكن على الضعيف مسلوب الإرادة عديم الحيلة.
ولعل الناظر إلى الحضارة الغربية يدرك ذلك جيداً؛ فهي حضارة مادية طاغية، تقوم على مبدأ الاستعباد والاستغلال، وإعلاء لمكانة الرجل الأبيض على غيره من الأجناس الأخرى، وقد تمثل ذك جلياً في حركة الكشوف الجغرافية، والتي اتخذها الإنسان الغربي وسيلة لإشباع رغباته الجامحة في استعباد الآخر، بل نفيه والقضاء عليه، كما حدث في الأمريكتين؛ والسبب في ذلك كله هو غياب البعد الأخلاقي في النظم المختلفة التي أنشأتها الحضارة الغربية.
أما الإسلام، فقد راعى هذا البعد جيداً، كما هو معروف لكل مطلع على أبجديات نظمه المختلفة..
ونحن اليوم ـ في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ألمَّت بالعالم – أحوج ما نكون إلى التعرف على البعد الخيري في النظام الاقتصادي الإسلامي..فالنظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على منهج عقائدي أخلاقي، مبعثه الحلال والطيبات والأمانة والصدق والطهارة والتكافل والتعاون والمحبة والأخوة، مع الإيمان بأن العمل (ومنه المعاملات الاقتصادية) عبادة، وأساس ذلك قول الله ـ عز وجل ـ: " فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كنتم إياه تعبدون". (النحل: 114) ، وقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "طلب الحلال فريضة بعد الفريضة". (رواه الطبراني في الكبير).
ويتمثل مقصد النظام الاقتصادي الإسلامي في إشباع الحاجات الأصلية للإنسان، وتوفير حد الكفاية الكريم ليحيا الناس حياة طيبة رغدة، وليعينهم على تعمير الأرض وعبادة الله ـ عز وجل ـ، وبذلك فهو يهدف إلى تحقيق الإشباع المادي والروحي للإنسان، وأساس ذلك قول الله ـ عز وجل ـ: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا " ( هود:61)، وقوله كذلك: "وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ". (الذاريات: 56). فقاعدة الحلال والحرام هي القاعدة التي أقام عليها الإسلام بنيانه الاقتصادي؛ فقد أحل الله البيع، ولكن الشارع الحكيم أوضح لنا ما يجوز فعله وما لا يجوز، فليس الغرض من حركة الاقتصاد السماح لفئة دون أخرى باكتناز المال وتضخيمه على حساب بقية أفراد المجتمع.
ويمكننا تلمس البعد الأخلاقي الإسلامي في محورين رئيسيين:
الأول: تحريم الربا.
الثاني: تحريم بعض صور البيوع.
 
المحور الأول:  تحريم الربا
فقد اشتد وعيد الله تعالى على أكل الربا كما لم يشتد وعيده على كبيرة أخرى من ذي قبل؛ فتوعد الممتنعين عن ترك الربا فقال لهم ـ جل وعلا ـ: " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله …". (البقرة: 279)، هذه الحرب المعلنة من الله ورسوله على آكلي الربا والمتعاملين فيه انعكاس للآثار المدمرة التي يسببها التعامل بالربا في المجتمعات الإنسانية؛ فهو يقضي على كل روابط الحب والود بين أفراد المجتمع….. ولا يمكن أن تقوم المجتمعات الإنسانية ما لم يترابط الناس فيما بينهم بروابط الود والمحبة القائمة على التعاون والتراحم والتكافل…. والأفراد في المجتمعات أو قطاع الأمة، الذين لا تؤرقهم آلام إخوانهم وأوجاعهم ومصائبهم، كالعضو المشلول، الذي انعدم فيه الإحساس، وانقطعت روابطه بباقي الجسد.. ومثله كمثل الحمار الذي يدور حول الرحى؛ ذلك أن اهتماماته وتطلعاته وغاياته تدور حول أمر واحد هو مصالحه الذاتية، فلا تراه لدموع الثكالى، ولا لأنّات الحزانى، ولا لأوجاع اليتامى، يرى البؤساء والفقراء فلا يعرف من حالهم إلا أنهم صيد يجب أن تمتص البقية الباقية من دمائهم.
ألم يصل الحال بالمرابين قسات القلوب إلى أن يستعبدوا ـ في بعض أدوار التاريخ ـ أولئك المعسرين الذين لم يستطيعوا أن يفوا بديونهم وما ترتب عليها من ربا خبيث؟! ألم يخرج أبو لهب العاص بن هشام إلى بدر؛ لأن العاص مدين لأبي لهب، ففرض عليه الخروج إلى المعركة بدلاً عنه؟!
كيف ينعم مجتمع إذا انبث في جنباته أكلة الربا، الذين يقيمون المصائد والحبائل لاستلاب المال بطريق الربا وغيره من الطرق؟!! وكيف يتآلف مجتمع يسود فيه النظام الربوي الذي يسحق القوي فيه الضعيف؟ .. كيف نتوقع أن يحب الذين نهبت أموالهم، وسلبت خيراتهم، ناهبيهم وسالبيهم!!
إن الذي يسود في مثل هذه المجتمعات هو الكراهية والحقد والبغضاء، فترى القلوب قد امتلأت بالضغينة، والألسنة ارتفعت بالدعاء على هؤلاء الأشقياء الذين سلبوهم أموالهم، وكثيراً ما يتعدى الأمر ذلك عندما يقومون بثورات تعصف بالمرابين وأموالهم وديارهم، وتجرف في طريقها الأخضر واليابس. وهذا أمر مشاهد في حياة الناس المعاصرة؛ من حقدهم على من ورَّطهم في الربا، وأحال حياتهم إلى جحيم لا يطاق.
كما أن الربا يؤدي إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات؛ إذ هو ينزع عاطفة التراحم من القلوب، ويضيع المروءة، ويُذهب المعروف بين الناس، ويحل القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير ليموت جوعاً، ولا يجد من يجود عليه ليسد رمقه، ومن جراء هذا مُنِيت البلاد ذات الحضارة التي تعاملت بالربا بمشاكل اجتماعية، فكثيراً ما تألب العمال وغيرهم على أصحاب الأموال، واضربوا عن العمل بين الفينة والفينة، والمرة بعد المرة.
كذلك، فالربا يلعب دوراً هاماً في انهيار المجتمعات البدائية، وظهور الاقتصاديات القائمة على الرق؛ نظراً لأن القرض كان مضموناً بشخص المقترض نفسه إلى جانب ضمانات أخرى؛ فكانت النتيجة نزع ملكية صغار المزارعين، وتحويل عدد منهم إلى رقيق؛ مما أدى في النهاية إلى تركيز الملكية العقارية في أيدي قلائل.
هذا ما فعله الربا في الماضي. وقد استطاع الكتَّاب الذين عرفوا باطن الأمور أن يدركوا آثاره في تلك المجتمعات، ولكن كثيراً من هؤلاء يظنون أن الفائدة الربوية اليوم لا تحدث في المجتمعات الإنسانية ما أحدثته في المجتمعات البدائية. لقد حول المرابون في القديم البشر إلى عبيد يعملون في المزارع التي سرقوها من أولئك العبيد، ولا يزال المرابون إلى اليوم يسعون إلى السيطرة على ثمار جهود البشر، وسرقة عرقهم وأموالهم. فلهذا اشتد نكير الإسلام على الربا؛ نظراً للخراب المروع الذي يحدثه في المجتمعات على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.
ولم يترك الإسلام المعاملات الاقتصادية على عواهنها؛ بل ضبطها ضبطاً أخلاقياً يمنع به الجشع واستغلال حاجات الناس وعوزهم … ومن المذهل حقاً أن الأصوات الاقتصادية في العالم الغربي اليوم تدعو إلى جعل الفائدة صفراً؛ نظراً للخراب الهائل الذي أحدثه نظام الفوائد على الاقتصاد العالمي.
 
المحور الثاني: تحريم بعض صور البيوع
بالرغم من أن الشارع الحكيم أباح البيع فقال: " وأحل الله البيع " إلا أنه حرم صوراً منه؛ مراعاة للجانب الخيري والتراحم في عملية البيع والشراء، فهذه الصور المنهي عنها تنطوي على تغرير بأحد المتبايعين، أو جهالة تفضي به إلى التغرير، والشريعة الغراء نهت أشد ما يكون عن أكل مال الناس بالباطل..
وهذه بعض صور البيوع المنهي عنها للسبب السابق، كما سردها لنا ابن قدامة في كتابه القيم "المغني ": 4/ 297، حيث يقول:   
مسألة: قال: وبيع الملامسة والمنابذة غير جائز
لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذين البيعين، وقد صح [ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن الملامسة والمنابذة ]. متفق عليه. والملامسة: أن يبيعه شيئا ولا يشاهده، على أنه متى لمسه وقع البيع. والمنابذة: أن يقول: أي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته بكذا. هذا ظاهر كلام أحمد، ونحوه قال مالك والأوزاعي. وفيما روى البخاري [ أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ نهى عن المنابذة ]، وهي: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقبله أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة في تفسيرها قال: "هو لمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل ….". والمنابذة: أن ينبذ كل واحد ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه على ما فسرناه. ولا يصح البيع فيهما لعلتين: إحداهما: الجهالة، والثانية: كونه معلقا على شرط، وهو نبذ الثوب إليه أو لمسه له. وإن عقد البيع قبل نبذه فقال: بعتك ما تلمسه من هذه الثياب، أو ما نبذه إليك، فهو غير معين ولا موصوف، فأشبه ما لو قال: بعتك واحدا منها.
فصل: ومن البيوع المنهي عنها بيع الحصاة
فإن أبا هريرة روى [ أن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ نهى عن بيع الحصاة ] (رواه مسلم). واختلف في تفسيره، فقيل: هو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، وقيل هو أن يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وقيل: هو أن يقول: بعتك هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع. وكل هذه البيوع فاسدة؛ لما فيها من الغرر والجهل، ولا نعلم فيه خلافا.
فصل: وروى أنس قال: [ نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة ] (أخرجه البخاري).
والمخاضرة: بيع الزرع الأخضر والثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، والمحاقلة: بيع الزرع بحب من جنسه، قال جابر: أن يبيع الزرع بمائة فرق (وهو مكيال) حنطة. قال الأزهري: الحقل القراح المزروع، والحواقل المزارع. وفسر أبو سعيد المحاقلة باستكراء الأرض بالحنطة.
مسألة: قال: والنجش منهي عنه، وهو أن يزيد في السلعة وليس هو مشتريا لها
النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها؛ ليقتدي به المستام فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه؛ فيغتر بذلك. فهذا حرام وخداع، قال البخاري: الناجش آكل ربا خائن، وهو خداع باطل لا يحل. وروى ابن عمر [ أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ نهى عن النجش]. وعن أبي هريرة [ أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال: " لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد ] (متفق عليهما). ولأن في ذلك تغريرا بالمشتري وخديعة له، وقد [قال النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ:" الخديعة في النار".
فصل: وقوله ـ عليه السلام ـ: [ لا يبع بعضكم على بيع بعض ]
معناه: أن الرجلين إذا تبايعا فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون هذا الثمن، أو أبيعك خيرا منها بثمنها أو دونه، أو عرض عليه سلعة رغب فيها المشتري ففسخ البيع واشترى هذه، فهذا غير جائز؛ لنهي النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ عنه، ولما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه، وكذلك إن اشترى على شراء أخيه، وهو أن يجيء إلى البائع قبل لزوم العقد فيدفع في المبيع أكثر من الثمن الذي اشتري به، فهو محرم أيضا؛ لأنه في معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعا فيدخل في النهي…. أ. هـ
ولولا خشية الإطالة لذكرت بقية الصور التي ذكرها ابن قدامة في كتابه، والتي يدور التحريم فيها على مراعاة البعد الأخلاقي في عملية  البيع والشراء… ولكن لننظر إلى التعليلات التي علل بها ابن قدامة – رحمه الله – تلك الصور المنهي عنها فهي تدور كلها حول عدم جواز الإضرار بالمسلم، أو أنها تفضي إلى خديعة أو إفساد لمال المسلم، وكلها تعليلات تراعي التراحم بين عموم المسلمين، وهو أمر لا نجد نظيره في النظم الوضعية، فبيع الرجل على بيع أخيه جائز في النظم الوضعية، وكذلك النجش، أو ما يسمى في لغة عصرنا (المزادات)، حيث يعمد البعض إلى الزيادة في الثمن من باب الإضرار بالآخرين، ولا تمنعه النظم الوضعية… ودواليك.
فالحاصل أن الإسلام بنى نظامه الاقتصادي بناءً محكماً على قاعدة أخلاقية متينة، بحيث يتحول المال إلى وسيلة للإعمار المشروع، ولا يصبح وسيلة للاكتناز وشطر المجتمع إلى قسمين: قسم كبير يعيش على الكفاف، وآخر صغير تتكدس في يده الثروات، ولا يشعر بالآخرين.
المصدر:مداد