تعبيرية
"لا تعطني سمكة بل علمني كيف اصطاد"، هذا هو لسان حال كثير من أبناء وبنات الأسر الفقيرة الذين ترعاهم جمعياتنا الخيرية في جميع أنحاء الوطن المترامي. نعم، لسان حالهم ينطق بهذا المثل الصيني المشهور، حيث إن الكثير من هؤلاء الأبناء، وعلى وجه الخصوص البنات، كانوا يتمنون أن تتغير حياتهم المعيشية، وأن لا تكون حياتهم نسخة مكررة بالكامل من حياة آبائهم، وكم هو أملهم أن تسهم الجمعيات الخيرية والقائمون عليها في إحداث هذا التغيير في هذه الحياة البائسة التي يعيشونها، فهم لا يرون أي بصيص أمل في تغييرها من خلال ما تقدمه لهم هذه الجمعيات من دعم في المواد الغذائية، والملبس، وتأمين بعض الاحتياجات الدراسية وبعض المساعدات في صيانة مكان سكناهم أو تزويجهم، ممن هم أكثر سوءا منهم، لربما لتأتي النتيجة فقراً على فقر، و عوزاً إلى عوز، وحاجة لا تنتهي.
في ظني أن ما يطلبه هؤلاء الأبناء والبنات من القائمين على جمعياتنا الخيرية ليس بكثير، بل يجب أن يكون أول أولويات الأعمال في الجمعيات الخيرية، حيث ـ وحسب اطلاعي ـ فإن الدور الواجب على الجمعيات الخيرية القيام به هو معالجة الفقر في المجتمعات، وليس مساندته ورعايته، كما هو الحال في واقع كثير من جمعياتنا الخيرية، وللأسف!
طوال السنين الفائتة لم تستطع كثير من جمعياتنا الخيرية تغيير أجندة عملها تجاه الفقر والفقراء، ولم تستفد من الفرص التي توفرت، والتي كان بالإمكان استغلالها لمعالجة حال كثير من الأسر الفقيرة والمحتاجة، حتى مع ما تم توجيهه من دعم إضافي لهذه الجمعيات الخيرية فلا زال كثير منها يجهل كيف يمكن استثماره في صالح تصحيح أوضاع مستوى الأسر الفقيرة.
المؤشر على صحة ما نذكره هنا هو غياب الدراسات والأبحاث التي من المفترض على الجمعيات الخيرية أن تتبناه بشكل دوري؛ للتأكد من سير العمل فيها في الاتجاه الصحيح، والتعرف على أهم مسببات العوز والفقر والحاجة؛ للإسهام في طرح البرامج والمقترحات الكفيلة بعلاج هذه المسببات.. لم نسمع يوماً أن إحدى الجمعيات الخيرية قد تبنت مثل هذه الدراسات، أو تبنت طلب استشارات من مختصين في معالجة الفقر في المجتمعات للمساهمة في العلاج من خلال برامج نوعية يمكنها تحقيق ذلك.
إن ما تقوم به كثير من هذه الجمعيات الخيرية هي أعمال وأدوار تقليدية، بل إن بعض الباحثين والمختصين في هذا الجانب أخذ يطلق على هذه النوعية من الجمعيات الخيرية، التي لا تغيير لديها في الخدمات التي تقدمها للمجتمع سوى تقديم المؤن والمساعدات الغذائية وغيرها، يطلق عليها اسم (جمعيات رعاية الفقر والحاجة)؛ حيث بمثل هذا الدور تعمل هذه الجمعيات على تفريخ الأسر الفقيرة، لا القضاء على الفقر.
إن ما تقوم به الدولة ـ رعاها الله ـ هذه الأيام، من تقديم مساعدات مادية وعينية للأسر الفقيرة التي ترعاها الجمعيات الخيرية، من خلال إدارة الضمان الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية، كفيل لسد الحاجة الوقتية لهذه الأسر، والتي في الغالب تتسلم مساعدات من الجهتين الضمان والجمعيات.
من هنا، على الجمعيات الخيرية إعادة جدولة أعمالها بخصوص تقديم المساعدات، و التوجه نحو المعالجة الفعلية للفقر والقضاء على أسبابه، من خلال استثمار الفرص المطروحة، و من خلال عمل برامج التوجيه والإرشاد للمستفيدين من هذه الجمعيات، و الدراسات و البحوث التي من خلالها يمكن أن نضع يدنا على الأسباب الرئيسية في زيادة معدلات الأسر الفقيرة و المحتاجة، و التي أخذت كثير من جمعياتنا الخيرية ـ و للأسف ـ تفتخر بزيادتها.
كلي أمل أن أسمع عن برنامج فعلي لمكافحة الفقر في مجتمع ما من مجتمعاتنا، تتبناه إحدى الجمعيات الخيرية، مستعينة بعد الله ـ سبحانه و تعالى ـ بخبراء مؤهلين في هذا المجال، و أن تكون نتيجة هذا البرنامج خطة عملية قريبة أو بعيدة المدى، تسهم في انتشال مجموعة من الأسر الفقيرة من حالة الفقر و العوز التي يعيشونها، لتتحول إلى أسر معطاءة و منتجة في المجتمع، و بذلك تكون هذه الجمعيات بدأت فعلياً في تغيير أدوارها التقليدية إلى دور فاعل و بنّاء في المجتمع.. فلنبدأ بتعليم أبناء الأسر الفقيرة كيف يصطادون السمك، بدل من إعطائهم إياه.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70055
