الملاجيء ودور الأيتام.. والآثار العكسية لزيارات ساكنيها

أرشيفية

ثمة تقارير غير معلنة تظهر أن الزيارت التي يقوم بها الكثير من الأشخاص للملاجيء ودور الأيتام تأتي بآثار عكسية، وتسبب آلاماً نفسية للنزلاء، خاصة وأن الزائرين ـ في معظم الأحوال ـ يذهبون وهم على يقين تام بأن هؤلاء النزلاء غير كاملين؛  فبعضهم فاقد لوالديه، وبعضهم جيء به من الشوارع، والكثير منهم لهم حكايات مختلفة كانت سبباً مباشراً في أن يكونوا قيد تلك الدور وهذه الملاجيء. وعلى هذا النحو تكون معاملة الزائر مع هؤلاء النزلاء، خاصة من صغار السن. فالبعض يقدم لهم من الغلو في الحنو وحُسن المعاملة ما يشعر الطفل أو النزيل بأنه محل نقص كبير يعتريه؛ فيظل الطفل في طور مأساته الأولى لا يتقدم، ليرى مستقبلاً أكثر سوءا ينتظره، ويظل الإحباط يلازمه لما بعد انتهاء الزيارة وقدوم زيارات أخرى لأشخاص آخرين يعاملونه بمثل هذه الطريقة، التي تشعره  بالنقص المستمر والدونية.
والآخرون يعاملونهم على أنهم محل للبركة، ومصدر لمحو السيئات وجلب الحسنات؛ فيقضون وقت الزيارة بالقرب منهم، يمسحون برؤوسهم دون توقف؛ لأنهم يدركون أن بكل شعرة يمسونها حسنة لا محالة، ولأنهم لا يدركون ما يسببه هذا المسح غير المنقطع واللاممنوع على رؤوس هؤلاء الأطفال، وهم غالباً أذكياء جداً للدرجة التي يعلمون من خلالها أن هناك خللاً أو نقصاً يعتري تركيباتهم الإنسانية لن يستطيعون تعويضه وحدهم دون أن تتزايد تلك الأيادي التي تتعطش لمثل هذا النوع من المسح الذي يجلب البركة لا محالة.
أما النوع الأكثر ألماً لهؤلاء النزلاء، وهو ما يُخلف في أنفس الكثير منهم آلاماً تصل لدرجة الأحقاد والضغائن وأسباب الحسد، أو حتى درجات العنف، فهو الذي يصطحب فيه الزائرون صغارهم وهم من يرون أنهم يربون أبناءهم الصغار على فعل الخيرات في وقت مبكر لكي يظلوا على هذا النهج طيلة أعمارهم، ولأن من شب على شيء شاب عليه، فما بالكم وإن شب الرجل فينا على فعل الخيرات وشاب عليه؟! والأمر يبدو من مظهره جيدا محمودا عندما يكون تلقائياً، دون أن يعلم أطفالنا بمعاناة هؤلاء الأقران فيجرحونهم دون قصد ((يحدث هذا الأمر كثيراً بين الأطفال عموماً)). ولكن الآباء والأمهات، الذي ينوون اصطحاب أبنائهم الصغار، يخبرونهم أنهم سيذهبون لزيارة هؤلاء الصغار الذين ينقصهم الأبوان أو ممن لا يعرف لهم أب ولا أم، ويلبسون صغارهم ملابس الخروج باهظة الثمن جميلة المنظر، وكأنهم يظنون أنهم في رحلة ترفيهية، دون اعتبار لما قد يتركه هذا الأمر في نفوس أولئك الأطفال من نبذ للذات، واستكثار هذا الأمر على هؤلاء الأقران ممن يملكون آباء وأمهات يجلبونهم معهم في الزيارات؛ فيكون الأذى النفسي مركباً، فالأقران يتجملون بثيابهم ومناظرهم الأنيقة، كما أنهم غير محرومين من آباء وأمهات يرافقونهم دائماً ويمتنون عليهم بالحنو الصافي غير المصطنع.
ومن الأشياء الأكثر تأثيراً عندما نترك صغارنا مع صغار النزلاء ليمرحوا ويلعبوا ويتحدثوا بعضهم إلى بعض، ونحن نصبو إلى أن تحدث الألفة بين الصغار، فيحدث العكس لأسباب عدة، من بينها أننا قد أخبرنا صغارنا بأن هؤلاء الصغار ينقصهم الأبوان، وهم من المساكين الذين نقتطع لهم من أموالنا ونقدم لهم بعضاً من ملابسنا القديمة، وكذلك الطعام والحلوى، فيتناول الأطفال فيما بينهم مثل هذه الأحاديث، التي تزيد الإحساس لديهم بالدونية والانحطاط، خاصة عندما يداخلهم الإحساس بأن ما يتلقونه من طعام وملابس…إلى آخر ما يتلقونه من أشياء ومسميات محض مَنٍّ وإحسان، ومن ثم تسير مشاعر هؤلاء الأطفال في اتجاهين متعاكسين، أحلاهما مرّ، أما الاتجاه الأول، وهو الذي يصبح فيه الطفل واهناً مستسلماً ليس لديه القدرة على التفكير والإبداع لخلق غد يكون هو سيده وسيد نفسه وصاحب مصيره، فيهيء ذاته على أن يظل ينعم بما يقدم له دون أن يُتعب نفسه، وتظل الدونية التي يشعر بها هي التي تُسيره وتكون ملاذه الدائم للحصول على تلك الأشياء التي تسمى من وجهة نظرهم بالنعمة التي يجب حفظها بالمزيد من الانكسار والولاء، كما أنها تكون ملاذه في الهروب وعدم المشاركة في المواقف التي تتطلب العمل الجماعي الذي يحدد المصير عموماً له ولغيره.
وأما الاتجاه الآخر، وهو الذي يكون الطفل فيه أكثر اعتزازاً بنفسه وبكينونته، فيريد أن يثبت فيه ذاته ويحدد مصيره، فيرفض تلك النظرة الرحيمة التي تنظر له دون إرادة منه؛ فيكون سلوكه أكثر عدوانية على الأقران، خصوصاً من الزائرين الذين يظهرون نظرة الامتنان تلك التي يدركها ويستشفها من تحت قناع العطف، والتي إن كانت خفية فإنها تبدو واضحة أمام هذه الفئة، جلية بفعل التكرار، كما أن مثل هؤلاء الأطفال الذين يتحلون بمثل هذه السمات الشخصية والمزاجية يكونون أكثر عدوانية مع الأقران من النزلاء، وأكثر تمرداً على تعليمات المشرفين، كما أنهم في أحايين كثيرة يحاولون الهروب والانفلات من هذا القيد ليصنعوا مصيراً مبهماً لأنفسهم، يكونون عادة هم فيه الجناة والضحية في نفس الوقت، ففي الخارج عندما يهربون يكونون أكثر عرضة للانحراف بما يسببه هذا الانزلاق من أضرار مؤلمة لهم وللمجتمع.
ولكي نتجنب مثل هذه الآثار الجانبية السلبية لمثل هذه الزيارات، التي ندعو لها ونحض عليها من أجل التكافل الإنساني والاجتماعي الذي يحض عليه ديننا الحنيف، فإننا ندعو كل الجهات التي تهتم بمثل هذه الدور والملاجيء أن تعمل وفق منظومة علمية متكاملة،  تهييء للزائرين أسباب الزيارات  بطرق لا تترك خلفها أية آثار على مثل هذه النفوس الطاهرة المنكسرة التي تتشكل داخل هذه الملاجيء، ويكون الدور الأكبر في هذه المرحلة البنائية والتأسيسية لهذه الفئة المحرومة على الأخصائيين النفسيين الذين يجب تجنيدهم من قبل هذه المؤسسات والدور، أو أن يكونوا من المتطوعين الذين يحملون على عواتقهم المساهمة في خلق فئة قوية من أشخاص ينقصهم أهم ما يتمتع به غيرهم من دفء الأسرة وحنوها، و ليكونوا هم الموجهين لمثل هؤلاء الزوار، خاصة إن كانوا من الزوار العارضين غير الدائمين، وليكونوا هم المعالجين لهذه النفوس الصغيرة عندما تتعرض لما يسوؤها دون قصد، لكي تخرج برعايتهم العلمية الأمينة، وعبر هذه المؤسسات، شخصيات سوية متزنة تستطيع أن تدعم منظومات التنمية الإنسانية والحياتية والمجتمعية التي تعتمد أساساً على الأفراد الذين هم دائماً دعامة هذه الأمة وداعمها للتقدم والنهوض. ولهذا كان الإسلام واضحاً وصريحاً، وقد جاءت الآيات الكريمة تحض على حسن إصلاح الأيتام وإيوائهم، هم ومن على شاكلتهم، فقال تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم) [البقرة ـ الآية  220 ].
كما جاءت توصيات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحض على رعاية الأيتام وكفالتهم، فجعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كفالتهم وإيوائهم معبراً سهلاً لا شك فيه إلى الجنة، وملازمة دائمة له في فردوسها ونعيمها الخالد، بقوله الشريف: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى. بما يعني الملازمة التامة لشخصه الكريم ـ صلوات الله وتسليماته عليه ـ في النعيم المقيم.
المصدر: مداد