تعبيرية
يمثل الفقر أحد أهم التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، ويعد مشكلة مزمنة تبحث عن حل، لكن بدلا من أن تجد مقاربات جدية للقضاء عليها فإنها تزداد تفاقما عاما بعد آخر.
على مستوى العالم — الذي يعتبر نصف سكانه من الفقراء — يعيش نحو 1.3 مليار إنسان تحت خط الفقر، وفي العالم الإسلامي يعيش 37 % من السكان تحت مستوى خط الفقر، أي ما يعادل 504 ملايين شخص تقريبا، وتبلغ نسبتهم إلى فقراء العالم 39 %، وهذا يعني أن أكثر من ثلث سكان العالم الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر يسكنون دول العالم الإسلامي.
في الإطار العقدي لا يمكن لمسلم أن يجادل في دور الزكاة، التي ورد ذكرها في القرآن بأكثر من ثمانين موقعا، كتشريع يتفرد عن غيره من التشريعات في علاج معضلة الفقر، كما أن أحدا لا يمكنه أن يماري في حجم مبالغ الزكاة التي يتوجب إخراجها عن الأموال التي بحوزة المسلمين في المؤسسات والشركات والبنوك والأفراد، والتي يمكن أن تسهم فعليا في حل كثير من المشاكل الاقتصادية في العالم الإسلامي، وخصوصا الفقر والبطالة.
لكن يظل السؤال حول أسباب الخلل القائم، هل بسبب تقصير المسلمين في تأدية حق الله في تجارتهم ورؤوس أموالهم وممتلكاتهم؟ أو بسبب سوء توظيف مدخلاتها اقتصاديا في مجالات التنمية ومحاربة البطالة والإفادة من مخرجاتها على نحو أفضل؟ ولماذا يتهاون بعض الناس في أداء الزكاة؟ هل بسبب غياب الوازع الإيماني؟ أو بسبب تقصير الجهات المعنية بالزكاة، سواء كانت رسمية أو أهلية في التوعية بها، وتفعيل أدواتها في واقع الناس، وطرح أفكار ابتكارية لخدمة المجتمع على يد مختصين من الاقتصاديين وعلماء الشريعة ممن يجمعون بين النظرة التأصيلية والمعرفة الاقتصادية وفهم الواقع والمستجدات من حولهم؟
لذا لم يكن مستغربا ـ على سبيل المثال ـ ما أورده الدكتور علي القرة داغي من أن قيمة الزكاة عن الأموال المودعة في البنوك الخليجية عام 2008 تقدر بنحو 100 مليار دولار، اعتمادا على أن الأموال الموجودة في البنوك الخليجية، والتي تجب الزكاة عليها، تقدر بأكثر من 4 تريليونات دولار.
كما كشفت إحصائيات أن عدد المليارديرات في العالم العربي وصل إلى ثلاثين مليارديرا خلال عام 2008، بزيادة نسبتها 25 % عن العام الذي قبله، وأن إجمالي ثروة هؤلاء الملياديرات أكثر من 125 مليار دولار، كما تبلغ قيمة ثروة أثرياء الخليج وحدهم أكثر من ألف مليار دولار، وعليه يمكن تصور مستحقات الزكاة الواجبة على هذه الأموال وغيرها في عالمنا العربي والإسلامي.
حتى بالنسبة للذين يؤدون زكاة أموالهم فإن الزكاة قد لا تمثل لكثير منهم سوى تأدية فريضة افترضها الله عليهم، دون الاهتمام بمتابعة أثر هذه الزكاة على حياة الناس والمجتمعات، ومَن ذهبت الزكاة إليهم وإن بصورة غير مباشرة، والتحولات التي تحدثها للانتقال بهم من الفاقة إلى الاستغناء عن الناس الذي تحقق به كرامة الإنسان.
وقد لا تمثل في ذات الوقت بالنسبة للجهات التي تعنى بشأن هذه الفريضة كالمؤسسات الزكوية والخيرية أكثر من مهمة تحصيلها ممن أوجبها الله عليهم، والانهماك في شأن جمع أكبر مبالغ ممكنة منها في المواسم، لاسيما في شهر رمضان، دون العناية بمخرجاتها، والاكتفاء بالدور الرعائي والإغاثي على حساب الدور التنموي (التنمية المستدامة)، مع أن الأخير هو الذي من شأنه تشغيل الأيدي العاطلة عن العمل وزيادة الإنتاج، بينما توزيع الزكوات والصدقات على الفقراء ـ بعيدا عن الحالات الخاصة ـ يؤدي إلى مزيد من تعطيل هذه الأيدي، ويفاقم من المشكلة دون أن يحلها، خصوصا وأن النظام الاقتصادي الإسلامي ينظر إلى الإنسان كأهم أداة في عملية التنمية المستمرة المرتبطة بعبادة الله، حيث اعتبر العمل عبادة لإعمار الأرض التي استخلفه الله فيها.
يجب على المهتمين بشأن الزكاة إعادة تفعيلها في حياة الناس، بدءا بتحبيب الناس فيها، والنظر إليها بطريقة مختلفة عن كونها أرقاماً ونسباً يجب خصمها من حساباتهم المالية مع كل دورة من دورات الحول، ليصبح أداؤها والتعاطي معها نعيما ولذة لا يعرفها إلا من ذاقها، كما كان دأب الصالحين من الصحابة والسلف في تعاملهم مع العبادات حينما خالطت حلاوتها شغاف قلوبهم.
وكجزء من هذه المقاربات العلاجية التقويمية ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ لماذا لا نربط الزكاة التي يؤديها الأثرياء ورجال الأعمال والتجار من أبناء هذه الأمة مباشرة بمشاريع سبق وأن تمت دراسة جدواها الاقتصادية من قبل المؤسسات الخيرية؛ ليقوموا بتمويلها من زكواتهم التي يؤدونها مباشرة، ويتابعوا من ثمّ تنفيذها وما تحدثه من بصمات إيجابية، وقصص النجاح التي تسطرها، سواء كانت مشاريع مدرة للدخل أو مشاريع صحية أو تعليمية أو اجتماعية، فتصبح بذلك قطعة من حياتهم، يسعدون بها كما يسعدون بالنجاحات التي يحققونها في حياتهم المهنية، أو بالنجاحات التي يحققها أحد أفراد أسرهم؟!
مطلوب ـ أيضا ـ البحث عن أدوات عملية تسهل على الناس دفع زكاتهم، دون أن يحسوا أنها عبء ثقيل عليهم، كتسديد قيمة الزكاة مقدما وعلى دفعات من خلال استقطاعات أو دفعات شهرية، ثم عمل مقاصة عند نهاية السنة، وتوفير خدمة تكييف ميزانيات الشركات السنوية؛ ليتم حساب الزكاة المستحقة عليها بدقة.
يجب أن نقوم بدراسات معمقة لنعرف جوهر تخلف الناس عن دفع الزكاة، ومن يتحمل المسؤولية عن ذلك، وحجم كل طرف في إطار هذه المسؤولية المشتركة، لأنه إن تمكنا من الحصول على هذه المبالغ يعني تحويل ملايين الفقراء من خانة العوز إلى خانة الاكتفاء الذاتي ويسر الحال، والدخول في عمليات تنمية مجتمعاتنا من خلال تدوير عجلة الاقتصاد والقضاء على البطالة.
وعلينا في هذا المقام أن نتذكر أن تاريخنا الإسلامي مليء بكثير من التجارب التي يمكننا الاستفادة منها في القضاء على الفقر، ومنها تجربة عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ التي استمرت سنتين وبضعة أيام هي كل فترة حكمه، حيث استطاع خلالها أن يحل المشكلة تماما، ولم يبق فقير واحد في العالم الإسلامي آنذاك.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70080
