أرشيفية
سيكون من المجحف فعلاً أن ننادي بضرورة العودة لاستخدام أشياء صارت الآن في حكم الموروثات البالية، ولكن الواقع المؤسف، والصدمات القاسية والمؤلمة والمباشرة في ذات الوقت، والتي عبثت بدولنا ومجتمعاتنا وبيوتنا؛ فثكلت الأمهات، ويتَّمت الأطفال، ورملت الزوجات، وأقعدت الكثير من الشباب مرضى دون حراك في حاجة لنظرة عطف كانوا في غنى عنها، وأثرت في الاقتصادات سلباً ـ ولا زالت ـ تحفز وتشجع وبدون أدنى خجل للمناداة والمطالبة بذلك. ولكنه بالفعل يعتبر من المزعج والمخزي ـ في نفس الوقت ـ أن يطالب أمثالنا من البشر في أماكن أخرى من العالم، ليست ببعيدة عنا، بالمزيد من التقدم والرفاهية، والانطلاق في طريق التكنولوجيا إلى آفاقه اللامتناهية، ونعود نحن لنطالب بالعودة لاستخدام طرق ووسائل عفا عليها الزمن، بل نستطيع أن ندّعي أنها انقرضت بمقياس الحداثة والتقدم التقني والتكنولوجي الراهن. ولكن المتأمل للإحصاءات السلبية التي طالت المواطن العربي عموماً والخليجي خصوصاً جراء استخدام أدوات التكنولوجيا والتقنيات المتقدمة، وعلى رأسها السيارات والمركبات، التي تلتهم الأرواح التهاماً سيصدم بحقائق قاسية بلا شك، خاصة إذا قورنت إحصاءات الأربعين عاماً المنصرمة في منطقتنا العربية والخليجية، لنجد أن أعداد ضحاياها تفوق وتزيد على أعداد ضحايا وحروب واعتداءات وقعت عليها خلال الأربعمائة عام الأخيرة على أقل التقديرات..
وهذا ما يجعل من الطرق والسيارات وما تخلفه في مجتمعاتنا العدو الأول الذي يعد من الحتميات التي يفرض علينا الشرع أن نتصدى له، ونقف في مواجهته، وننشر المتطوعين من أجل القضاء عليه في كل الطرق وفي كل الدروب وفي كل السيارات إن أمكن؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ دعانا للمحافظة على أنفسنا وأرواحنا وأرواح البشر بدعوى إلهية صريحة في قوله الكريم: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). بما يعني أن النفس الواحدة يساوي حق المحافظة على بقائها حية ترزق وتتعبد، أو حتى تعيث في الأرض، حياة الناس جميعاً وعمارة الكون، ليكون الأمر بموازاة القوانين التي لم تصل لدرجة الصرامة المطلوبة للمحافظة على الأرواح، متمثلة في الرقابة المرورية الحكومية التي لا نستطيع أن نلقي عليها اللوم كله أو اتهامها بالتقصير.
إن الإحصاءات تؤكد أن 86% من الحوادث في المملكة العربية السعودية تسببها أخطاء بشرية نتيجة التهور والرعونة، وأسباب أخرى احتلت بها المملكة المركز الأول عالمياً في أعداد الوفيات والضحايا عام 2008، بتجاوز أعداد المتوفين 8600 قتيل، وعشرات الآلاف من الجرحى والمصابين والمقعدين، بإجمالي حوادث تخطى 400 ألف حادث في العام نفسه ـ حسب إحصاءات صادرة عن الأمن العام السعودي ـ ومخلفة خسائر اقتصادية تجاوزت 15 مليار ريال. وبتراكم الإحصاءات نجد أن أعداد القتلى جراء حوادث الطرق في المملكة خلال العشرين عاما الأخيرة تجاوز90 ألف قتيل، إضافة إلى ملايين المصابين والجرحى والمقعدين، ففي دراسة أجريت أظهر فيها أحد الباحثين أن السعودية بحاجة لمبلغ 25 مليار ريال لعلاج 50 ألف حالة مصاب بالحبل الشوكي نتيجة الحوادث، وأن 73 % من المصابين بالشلل في أطرافهم السفلية هم بسبب حوادث السيارات.
ومن العجيب أن المركز الأول في أعداد ضحايا حوادث السيارات في العالم لا تتقارع عليه مع السعودية سوى مصر؛ نتيجة أخطاء بشرية تقدر بـ 75% على الأقل، وبأعداد حوادث تخلف ما لا يقل عن 450 ألف مصاب وقتيل في العام الواحد. وفي الأردن لا تقل أعداد الحوادث عن 98 ألف حادث في العام في إحصاءات عام 2006، وكذلك فإن دولة الإمارات قدرت أعداد القتلى جراء حوادث السيارات في الفترة الزمنية من عام 2000 حتى عام 2006 بأكثر من 4800 قتيل، وأن أعداد الضحايا عام 2009 وصل 15443 ما بين قتلى ومصابين.
وهذا ما يؤكد دموية الإحصاءات وخطورتها، ويجعلنا من السهل أن ندّعي أن حوادث السيارات هي وباء العرب القاتل، ويجعل السؤال القبيح ينسكب من محبرتي لأتساءل مستغرباً مستنكراً مشدوهاً، بعد عشرات السنوات من استخدام أدوات التكنولوجيا، بما فيها السيارات كوسيلة عصرية من وسائل النقل بكل ما خلفته في مجتمعاتنا من نهضة وسرعة، وفي المقابل قتلى ومصابون وضحايا وآلام نفسية واجتماعية واقتصادية، ورغم امتلاكنا لهذه التقنيات، فهل ما زلنا دون مستوى التعامل معها والاستفادة منها دون خطورة ـ كما يبدو ـ أم ما زلنا غير مؤهلين بالكلية للحداثة ومواكبة التقدم، ومجاراة أندادنا من البشر، خاصة أن الأخطاء التي تحصد الأرواح على الطرق والدروب أغلبها أخطاء بشرية بسيطة يمكن درؤها بأبسط الطرق والوسائل، منها الدعوي، والتنويهي، والإرشادي، والتحذيري، والرقابي، والتي يستطيع أن يؤديها أفراد عاديون من المتطوعين والمؤسسات والهيئات الأهلية والخيرية، بإمكانيات غير مكلفة، من الصعب أن تصل في مجملها كل هذه المبالغ الطائلة من مليارات الريالات التي تقدر كخسائر سنوية اعتيادية، تقع تكلفتها وتبعاتها على الخزانات الوطنية والاقتصادات القومية في دولنا، لتكف الموت المنسكب والدماء المهدورة على الطرقات ….؟
والحقيقة، فإن الأمر المطلوب من الهيئات والمؤسسات الأهلية والخيرية للمساهمة في القضاء على مثل هذه الظاهرة القاتلة بإشكاليتها المتنوعة يتطلب أدواراً مركبة، وإيماناً عميقاً بضرورة العمل والتعاون مع الحكومات لفرض رقابة صارمة وتدخلات حازمة في الأوقات المناسبة من أجل السلامة العامة المنشودة للأفراد خاصة وللمجتمعات عموماً، وعدم الاكتفاء بالأدوار الإغاثية التي لا تجدي كثيراً بعد وقوع الحوادث.
ومن هنا ننادي ونطالب الحكومات في منطقتنا بالكثير من المرونة لتتعاون مع المؤسسات والهيئات الأهلية والخيرية الراغبة في تقديم أدوار ما على الطرق بمنحها صلاحيات واسعة وغير مقيدة لتساهم في المحافظة على الأرواح التي تتطاير بمعدلات يومية متصاعدة ، لتحد من ظاهرة صارت هي مهلكة العرب الأولى، فتعمل دون شفقة على حصد الأنفس والأرواح، وسحق العظام في ومضات سريعة بوحشية وقسوة وأكثر مباشرة، متدثرة تحت سهوة، وهي أشبه بالوباء الخاطف، لتخلف صورا بشعة لجثث ومقعدين، وثكالى وبؤساء، بما يعني أنها العدو الأول المتربص ببلادنا، وهذا ما يجعلنا نطالب الجمعيات والمؤسسات والحكومات إذا كان لا يمكننا التراجع للخلف بالتقدم للأمام، وإعداد خطط طواريء دائمة للمحافظة على الأرواح والأفراد الذين هم دعائم المجتمع وأمل الأمة، وإعداد المتطوعين من أجل ذلك بشكل ييسر لحياة سريعة وسليمة وآمنة، ولا يعيق الانطلاق نحو المستقبل الأفضل الذي ننعم فيه بالتقدم والنهوض والسلامة، فمن المؤكد أن لوائح التحذيرات على الطرق السريعة، والنصائح التي تبث عبر وسائل الإعلام، وعبر الآباء والأمهات والإخوة والأصدقاء والأبناء والزوجات، وكذلك الرقابة الحكومية والمرورية، فقدت قدرتها على درء خطر الموت القبيح الرابض على جوانب الطرق وفي العجلات، وكذلك فإن الأدوار الإغاثية بعد الحوادث ستكون أكثر إيجابية إذا كان في وسعها العمل على مكافحة الحوادث من الأساس، وتجنيب المجتمع آلام هذه الآفة الخطيرة. ولكن، لأننا أمة مسلمة مؤمنة؛ فإننا نصبر ونحتسب، ونلقي أحزاننا على القدر بمنتهى الانهزام والاستسلام، أو لا نهتم لأن المصَاب علي بعد خطوتين عنا، رافعين عن أنفسنا عبء المسؤولية الجماعية، التي لا يمكننا ـ رغم الصبر والاحتساب ـ التنصل منها؛ فالدعوة إلهية سماوية أيضاً، حيث قال سبحانه وتعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ).
لذلك؛ فإن مكافحة حوادث الطرق تعتبر من الحقوق، بل من الفروض، التي يجب على الجميع العمل على دعمها وتطبيقها، والسير في دروبها بالأقوال والأفعال الملموسة.
ولهذا؛ فإن إنشاء وتأسيس جمعيات ومؤسسات أهلية وخيرية تعمل من أجل مكافحة حوادث الطرق والسيارات بشتى السبل الشرعية المتاحة لا تقل أهميتها عن دعم وتأسيس مؤسسات وجمعيات تعمل في إطار أهلي خيري في مجالات الخير الأخرى، مثل: مكافحة الفقر، وتقديم العلاج، وبناء المشافي.. بل تتزايد أهميتها لأنها عندما تؤدي دورها وأهدافها ستكون قد جنبت المجتمعات والأفراد سلاسل لا متناهية من المشكلات، وبغض الموت المباشر الذي يأتي دون مقدمات، وحافظت على مجتمع مستقر، فهناك الكثير من العوائل يذرون أزواجهم وأطفالهم تعصرهم الحاجة، ويحوطهم الفقر، ويأسرهم المرض، كما أنه بإتمام المهمة ستكون قد ساهمت وساعدت الحكومات، في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة، في رفع فاتورة الموت الباهظة بخسائر وقتية ومستقبلية تابعة، والتي إن قدرت بحسابات مادية تتخطى المليارات، ولكن التكلفة المستقبلية المتصاعدة مع الأيام ستتجاوز ذلك بكثير عندما تكون الحكومات مطالبة برعاية أسر فقدت عوائلها رعاية مادية ونفسية ووقائية، وكذلك تقديم العلاج والرعاية للجرحى والمصابين والمقعدين جراء الحوادث ..
كفانا الله وإياكم شر الحوادث.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70094
