الجمعيات الخيرية..والتقصير في تسويق العمل التطوعي

تلاميذ يقومون بفعالية تطوعية- أرشيفية

تشير كثير من الإحصاءات إلى تدني نسب الخدمة المجتمعية ومعدلات الإسهامات التطوعية في بلادنا العربية والإسلامية مقارنة بما هو سائد في الغرب، وتعد هذه مفارقة مهمة تستدعي التأمل؛ لأن الأصل أن يكون الأمر معكوسا، خصوصا إذا علمنا أن تراثنا الإسلامي في الجانب النظري يزخر بالكثير من الآيات والأحاديث النبوية التي تدعو إلى فعل الخير وخدمة الناس، فيما تعد الشواهد العملية التي تجسد ذلك واقعا حيا في حياة الأمة عبر مسيرة تاريخها أكثر من أن تحصى عددا، أو تغمط نوعا وسبقا.
العمل التطوعي ما زال غائبا عن أوقات شبابنا، غريبا على اهتماماتهم وشواغلهم. وفي أحسن الأحوال فهو لدى الذين يفكرون فيه إما أنه يندرج في إطار الكماليات يؤدونه متى شاؤوا، ويتوقفون عن فعله متى أرادوا، دون أن يكون هناك ما يدعوهم للالتزام به، أو أنه يعد من "البرستيج" الشكلي الذي يحرصون على أن يعرفوا به أمام الناس، أكثر من أن يتأسوا به سلوكا عن قناعة وإيمان.
لقد استطاع الغرب أن يحول ذلك إلى ممارسة لها حضورها القوي بتحبيب التطوع والخدمة العامة إلى الشباب، وربطهما لديهم بالشعور بالرضا، أو بإلزامهم بهما، وإن كان من زاوية أدبية أو قانونية  تستدعي منهم أداء ساعات تطوعية كشرط لاستكمال نجاحهم في المرحلة الثانوية أو الجامعية، أو لإعطائهم مزايا يستفيدون منها في إطار سجلهم الأكاديمي والمهني، وهو ما يساعدهم على الاستفادة منه في حياتهم العملية والوظيفية.
على مستوى القطاع الخاص، سواء التبرع للعمل الخيري أو رعاية الأعمال الخيرية، فإن الغرب استطاع ـ أيضا ـ أن يقدم كثيرا من المحفزات لصالح ذلك، سواء من خلال خصم ذلك من الضرائب المتوجبة على الشركات  التجارية، أو جعل ذلك مشمولا في إطار ما سمي بالمسؤولية الاجتماعية للشركات أو المسؤولية الاجتماعية المشتركة Corporate social responsibility (CSR)، في إطار التوجهات الحديثة للعلاقات العامة، حيث تنفق هذه الشركات جزءا من أرباحها ـ من تلقاء نفسها ـ على مشاريع تخدم المجتمعات التي تعمل فيها؛ باعتبار ذلك جزءا من مسؤوليتها الاجتماعية، وإن كانت تستفيد منه في ذات الوقت لتحسين صورتها الذهنية.
في عالمنا العربي ربما يكون سند الجمعيات الخيرية ومصدر تمويلها الرئيس هو الزكاة، والتي بواسطتها تنفذ أغلب المشاريع الإغاثية والتنموية، ولكن هذه الزكاة التي يتوجب دفعها أقل بكثير مما يسدد أو ينفق فعليا، وللتدليل على ذلك نشير إلى ما أورده الدكتور علي القرة داغي ـ الخبير في المجامع الفقهية ـ في دراسة سابقة له من أن قيمة الزكاة الواجب إخراجها عن الأموال المودعة بالبنوك الخليجية في عام 2008  تقدر بنحو 100 مليار دولار، منوها بأن ذلك لا يدفع كله، ولو دفع لحل جزءا مهما من مشكلة الفقر في عالمنا العربي.
أما على صعيد إشراك الناس في العمل الخيري  والتطوعي، والاستفادة من جهدهم  وخبراتهم  في هذا المجال، وحشد الطاقات، فإن العبء الأكبر يلقى على عاتق  الجمعيات الأهلية ـ غير الحكومية ـ باعتبار أن توصيف العمل فيها يندرج في هذا الإطار.
لكن، هل تقوم هذه الجمعيات العربية والإسلامية  بواجبها إزاء ذلك؟  الجواب ـ بكل تأكيد ـ هو بالنفي؛ إذ إن هذه المشاركات التطوعية ما تزال محدودة وخجولة.
الغريب والعجيب أن هذه الجمعيات تستنفر عند تسويق حملاتها الموسمية والإغاثية وتقوم بتوظيف وسائل الإعلام المختلفة في هذه الحملات، ولكنها لا تفعل عُشْرَ هذا الأمر لصالح جذب المتطوعين إليها، رغم أن لهذا العمل قيمته كما هي التبرعات المالية والعينية.
من منظور مصلحة العمل الخيري والإنساني ومنفعته أن تركز هذه المؤسسات على جذب الأنصار إليها كما تقوم تماما بتسويق مشروعاتها وخدماتها سواء بسواء؛ لأن كسب هذه الشرائح هو كسب ثابت ودائم ومتواصل يصب في صالحها، كما أن خلق الخيرية في نفوس الناس يعني بصورة غير مباشرة الاستغناء عن التسويق المجتمعي للحملات الخيرية، أو بذل جهد ومصاريف محدودة لصالحها. ولتحقيق ذلك ينبغي أن تشتغل هذه الجمعيات الخيرية أفقيا وعموديا على مشروعين ضخمين هما: غرس قيم العمل الطوعي، ونشر ثقافته على مستويات ثلاثة  متعاونة مع الأسر، والجهات التربوية والشبابية ( المدارس، والجامعات، والمعاهد، والنوادي) ووسائل الإعلام، ففي الأول تقوم بتنشئة الأطفال منذ نعومة أظفارهم على ذلك، وفي الآخر تنشر ثقافة العمل التطوعي التي ما تزال أسفارها مجهولة للكثير من أبناء أمتنا لاسيما الشباب، وتقرن ذلك بتنفيذ برامج عملية، وبدء استقطاب الطاقات التي يصبح العمل الخيري لديها متعة لا غنى عنها مثل ممارسة الرياضات، وبأجر مقرون برضا الله تعالى من أجل حياة طيبة في الدنيا والآخرة.
في هذا الجانب، هناك الكثير مما ينبغي أن تنهض به الجمعيات الخيرية وهي تتوجه إلى عالمي الصغار والكبار، شرحا وتأصيلا، توعية وحفزا على نقل ذلك إلى إطار الممارسات السلوكية، فكثير من الناس لا يعرفون مقدار انعكاسات العمل الخيري على حياتهم الدنيوية قبل الأخروية؛ إذ من نعم الله علينا أن تنعكس مباشرة العمل الخيري علينا دون إبطاء، لنرى آثارها علينا عاجلا غير آجل، بركة في الرزق والعافية، وتيسيرا للأمور وقضاء للحاجات، فضلا عما ينتظرنا من أجور ومنزلة يوم القيامة إن قمنا بذلك.
وفي مجال ثقافة العمل الخيري ينبغي أن تنفض هذه الجمعيات غبار الجهل والنسيان عن مآثر المسلمين ونماذجهم المشرقة في مجالات الوقف والصدقات الجارية التي لا تخطر على البال، وغيرها، وتطوير آلياتها وقوالبها؛ لتقديمها أولا لأجيالنا بأثواب عملية معاصرة كي تتأسى بها، وتقديمها للعالم ثانية كيلا تظل أدبيات العمل الخيري الغربي هي السائدة  في المحافل الإنسانية الدولية، وكأن أصحابها هم رواد العمل الخيري .. وهذه ليست الحقيقة.
إنه لعمل شاق وما هو بالسهل، لكن آثاره عظيمة. فهل تشمّر جمعياتنا الخيرية عن سواعدها لإنجاز هذه المهمة النبيلة؟ نرجو ذلك.
المصدر: مداد