أرشيفية
العمل التطوعي ـ كما نعرفه جميعا ـ هو تقديم العون والنفع إلى شخص أو مجموعة أشخاص يحتاجون إليه، دون مقابل مادي أو معنوي. سواء كان تبرعه ماليا، أو برأي، أو بالعمل، أو بالتمويل؛ أي أنه عمل الخير في كل جوانبه. قال تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير له}. أما العمل الاجتماعي التطوعي فهو مساهمة الأفراد في أعمال الرعاية والتنمية الاجتماعية، سواء بالرأي أو بالعمل أو بالتمويل، أو بغير ذلك من الأشكال. ومن خصائص العمل الاجتماعي التطوعي أن يقوم على تعاون الأفراد مع بعضهم البعض في سبيل تلبية احتياجات مجتمعاتهم.
وهنا نركز على أن العمل التطوعي يكون دون مقابل لأنه لوجه الله ـ كما يفترض فيه أن يكون، لكن الواقع الآن يشهد بخلاف ذلك تماما؛ فمن النادر أن تجد من يتطوع لوجه الله أو لخير الوطن، أيا كان هذا الوطن، في بلادنا العربية والإسلامية. وهو أمر مؤسف يجعلني أتذكر ما قاله الإمام محمد عبده منذ أكثر من مئة عام، حين ذهب إلى باريس ـ عاصمة فرنسا ـ، وكان يصدر مع الشيخ جمال الدين الأفغاني مجلة "العروة الوثقى" هناك، حين قال: " لقد وجدت في الغرب إسلاما بلا مسلمين، ووجدت في الشرق مسلمين بلا إسلام". وهو قول أجده ينطبق على مجالات كثيرة في عالمينا العربي والإسلامي الآن، ولكن بما أننا نتحدث عن التطوع فدعونا نقتصر عليه الآن.
بعض دول الخليج صغيرة الحجم قليلة السكان، تعاني ـ بالطبع ـ من قلة العدد البشري، ومن ثم فرغم ما تبذله من جهود في مجال العمل التطوعي فإن أغلب المتطوعين هم من الوافدين على الدولة المقيمين فيها، والذين ينتظرون مقابلا ما أيا كان نوعه، خاصة لو كان ماديا؛ فهم جاءوا من بلدانهم من أجل المادة؛ لذا فهم في النهاية ينظرون للعمل التطوعي على أنه عمل سيحصدون منه مقابلا ما، وهو أمر شاهدناه في دورة الألعاب الآسيوية عام 2006 في الدوحة؛ حيث قابلت كثيرين أصيبوا بخيبة أمل حين لم يتقاضوا مبالغ مالية بعد انتهاء الدورة؛ لذا فإن الجملة التي تتردد على لسانهم حين يُعرض عليهم العمل التطوعي (مكافأة أو شهادة)؛ أي: هل سينال مكافأة مالية بعد انتهاء العمل التطوعي أم مجرد شهادة؟ وكثير منهم يتراجعون عن التطوع بمجرد معرفتهم أنهم سيأخذون شهادة فقط بعد الانتهاء من التطوع.
أما بعض الدول الكبيرة، فللأسف صار العمل التطوعي فيها – إلا مارحم ربي- وسيلة للمكاسب المتنوعة، منها المال، ومنها الشهرة التي تعني مالا للكثيرين، ومنها مناصب وسفريات للخارج، وبدل انتقالات، وخلافه، فهم يعدون الترشح لمجالس إدارات الأندية أو الاتحادات الرياضية عملا تطوعيا، في حين يتسابقون على الفوز به، وينفقون آلاف الجنيهات، بل مئات الآلاف، على حملات الدعاية. وبعضهم يقدم رشاوى في صورة هدايا، والاسم في النهاية أنه يريد عملا تطوعيا، ثم يتصارع مع الآخرين على الفوز بالمنصب، وعلى السلطة في مكانه، ومن يملك القرارات ويكون على رأس البعثات المسافرة للخارج، وتتصارع التصريحات في الصحف على صاحب القرار أو القول، وتراه يتدخل لتغيير القوانين هنا وهناك؛ ليتيح لنفسه حق الترشح مرة بعد مرة، مثل شرط الثماني سنوات في الاتحادات الرياضية في مصر، والذي عارضه العشرات من قبل؛ كي لا يحرمهم من مزايا ما يفترض أنه عمل تطوعي.. وبعضهم يملك المال الكثير لكنه يريد الشهرة؛ لتضاف له كعامل قوة في مشاريعه الاقتصادية والتجارية الأخرى.
وسواء كنا نتحدث عن بعض دول الخليج أو النموذج الآخر فكلاهما لا يمس التطوع في شيء من قريب ولا بعيد، ولا يعد تطوعا بأي شكل من الأشكال.. والأدهى والأمَرّ أنهم يقولون نحن نتطوع لمصلحة النادي أو لمصلحة الجماهير، في حين أنهم لا يقصدون إلا المصلحة الشخصية… وللأسف، هذا النموذج لا يوجد في الغرب الذي أخذ مبادئنا الإسلامية الحقيقية، وطبقها في مجالات كثيرة، ومنها العمل التطوعي. أما نحن، فنسينا " ومن تطوع خيرا فهو خير له" بمعناها الديني، وجعلناها دنيوية فقط؛ فترجم الخير ذلك إلى منفعة مادية وأدبية على حساب التطوع. فهل يمكن لهذا النموذج أن يسهم يوما ما في نشر ثقافة التطوع وإبراز دورها في التنمية الشاملة للمجتمعات؟ أو يكون له دور المساهمة في تطوير الأعمال التطوعية وتنظيمها؟ أو يضرب المثل والقدوة لغيره أو للشباب بأهمية التطوع وقيمته في المجتمع؟ أعتقد أنه من الصعب حدوث ذلك!.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70106
