ارشيفية
جاءت فكرة هذا المقال عندما كنت أتصفح موقع (مداد) بعد فجر يوم الخميس 7/1/2010، حيث لفت انتباهي استطلاع للرأي عن هجمة الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية على العمل الخيري (ما رأيك في هجمة الغرب ضد العمل الخيري، وماذا نحن فاعلون؟). وفي رأيي هذا الاستطلاع عمل جيد وهام؛ لأنه نابع من إيمان راسخ بنبل الهدف، وكمال الوسيلة، وصدق الغاية التي يبنى عليها العمل الخيري. ويجب أن يكون بداية لرد عملي على هذه الهجمة الغربية الشرسة.
فإذا كنا خير أمة أخرجت للناس؛ فذلك لأنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. وما العمل الخيري إلا أمر بالمعروف وقيام به، ونهي عن المنكر وانتهاء عنه. وإن كنا قد أمسينا في حالة الاستضعاف التي نمر بها الآن؛ فذلك لأننا تخلينا، أو على الأقل ابتعدنا، عن مبادئنا وقيمنا الإسلامية، وتركنا المجال فسيحا لمن يكسر عصا الأمة ويقطع حبلها المتين. ولكن الأمل في مستقبل أفضل بإذن الله. بَيْد أن الواقع الذي نراه يتطلب منا قراءة صحيحة لما يزعمه الغرب، ومعرفة أسبابه ودوافعه، وتعلم متى نتجاهله ومتى ندفع الحجة بالحجة، وإن كان الأفضل أن نرد بالعمل والتفوق في علمنا وصناعتنا وزراعتنا.
والملاحظ أن الفتن والتقاليع التي يلاحقنا بها الغرب واحدة تلو الأخرى ( شرق أوسط جديدة – ديمقراطية – حقوق إنسان – موضات جديدة – تعدي على الأديان – فكر هابط ـ مفاهيم مغلوطة (مثل: تسمية مقاومة المحتل إرهابا، وإباحة المثلية ديمقراطية، والبعد عن أوامر الله حرية)؛ بهدف إلهائنا عن مقصدنا الرئيس، ووضعنا في دائرة مفرغة، ليس لقوة خارقة يتمتع بها الغرب، فهو أضعف مما نتصور؛ لأنه لفظ الروح والعقيدة – فكان نتاج ذلك أن انتشر فيه الاكتئاب، والانتحار، والاغتراب، والتشيؤ ….. إلخ – بل نحن من أتحنا له الفرصة؛ لأننا صرنا كثرة كثيرة لكن كغثاء السيل. لذا؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن جذورها في بعدنا عن ديننا وقيمه من التزام بالأخلاق، واحترام قيمة الوقت، والعمل والتفوق في كافة المجالات، خاصة العلم{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلَ} (آية 60, سورة الأنفال)، وليس كما يزعم الغرب بأننا تخلفنا لأننا مسلمون، فنقيض ذلك هو الصحيح؛ إذ إن تخلفنا جاء لبعدنا عن الإسلام. ولا أدل على صدق هذا أكثر من تفوقنا في عصر صدر الإسلام، وفي عهد الخلفاء الراشدين. بل إن من يقرأ التاريخ قراءة موضوعية يرى أن ما يسميه الغرب وأذنابه بعصور الظلام عنده إنما كانت عصر مجد الإسلام وشمسه التي لا تغيب، عندما كان أبناء الغرب يأتون ديار المسلمين طلبا للعلم، ثم يرجعون بما تعلموه ليضيئوا به بعض الظلمة التي عمت ديارهم. وكان من يرجع من بلاد المسلمين وقد تعلم شيئا من العربية يستخدم هذه الألفاظ العربية كنوع من الوجاهة الاجتماعية، وإبراز تميزه عن أقرانه، لدرجة أن القساوسة عندما استشعروا خطورة هذا الأمر كانوا يهددون الشباب الذي يتحدث بالعربية بالحرمان من الجنة. ثم قارِنْ ذلك بما يحدث الآن من كل من يعود من الدول الغربية مبهورا بنمط حياتها، محاولا فرض هذه النزعة الغربية على مجتمعه، مظهرا تأففه من كل لمحة في مجتمعه، بل قارن ذلك بمن يتعلم بعض الإنجليزية أو الفرنسية ويحاول التحدث بها للتعبير عن ثقافته الواسعة.
ويخطئ من يظن أن الهدف من هذه الحملات والاتهامات هو ضرب العمل الخيري لكونه عملا خيريًّا؛ فمثل هذا التفسير يسهل جدًّا دحضه والبرهنة على نقيضه ببعض ما تقدمه المؤسسات الغربية من مساعدات ومعونات ذات طابع إنساني في ظاهرها على الأقل، والصحيح في نظرنا هو أن الدوائر المعادية للعمل الخيري الإسلامي تقوم بضربه لغيره وليس لذاته؛ أي أنها تستهدف القضاء على ما يؤدي إليه من نتائج على أرض الواقع، حتى وإن لم تكن هذه النتائج مخططًا لها سلفًا أو مبرمجة بوعي وقصد. فهم لا يريدون أن يعم الخير والتكافل الاجتماعي في مجتمعنا؛ لأنه يحزنهم أن يكون في مجتمعاتنا أسر مستقرة مهتمة بأبنائها وأقاربها وترعاهم. فهم يحاربون فكرة الأسرة نفسها؛ ربما لحقد دفين داخلهم، فليس عندهم مفهوم الأسرة؛ فبمجرد بلوغ الولد أو البنت سن المراهقة فإنه يرحل عن أبيه وأمه، ويستقل بحياته، ثم لا يعود ويتذكرهم إلا فيما قل وندر، أو في مناسباتهم التي ابتدعوها، فيتذكر أمه ـ على سبيل المثال ـ يوم عيد الأم، وينساها باقي العام. أو ربما لأنه يريد مجتمعاتنا مضطربة مفككة مليئة بالمشكلات.
وليس الأمر وقفا على العمل الخيري، بل إنه يرفض فكرة الجماعة من جذورها، ويحاربها ابتداءً من الأسرة، وانتهاءً بمحاولة تفتيت الأمة الإسلامية كلها. فمن السمات الأصيلة في المجتمع الغربي النزعات المادية والنفعية، والتي جاءت في شكل الفردانية الطاغية، وما يعرف بموجات العولمة والحداثة، وما بعد الحداثة، والفكر التصادمي الداعي للصدام لا للحوار. (راجع كتب: صدام الحضارات، والموجة الثالثة، والقرن الأمريكي الجديد على وجه الخصوص؛ على اعتبار أن تلك الكتب موجه رئيس للسياسة الأمريكية في الفترة السابقة). ويقوم ازدهاره على استغلال واستعمار الآخرين، ونهب ثرواتهم، (ووسيلته في ذلك التوجه الاستعماري الإمبريالي الذي كان عسكريا واستيطانيا في القرن التاسع عشر، والذي يأخذ الآن شكل الغزو الفكري والثقافي والاقتصادي)، وإثارة الفتن بين شعوب الأرض قاطبة (كما حدث من تحريض لصدَّام على حرب إيران، ومساندته فيها، كما أوعزت له بالتدخل العسكري في الكويت واحتلالها على اعتبار أن العراق لديه موافقة مسبقة من الولايات المتحدة حسب اتفاق قرطاجة عام 1980، وكان النتاج الأخير تدمير العراق ـ وفق لبيتر هدرسون "رئيس قسم الشرق الأوسط في معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن"). ويرى الغرب في الاستقرار والتنمية والسلام الاجتماعي بين الطوائف المختلفة في أي مجتمع انهيارا له، أو هكذا يتصور؛ لذا فهو يحارب كل عمل خيري بمعناه الواسع، وكل مؤمن بعقيدته، حتى المؤمن من جلدته أيًا كان اعتقاده؛ لذلك آمن بالعلمانية، واعتنقها دينا له، وصدرها لنا ( شَنْقُ آخِرِ قيْصر "ملك" بأمعاء آخِرِ قسيس "شيخ").
فطريق الخير لم ولن يكون مفروشا بالورود؛ مصداقا لقوله تعالى:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (آية 2، سورة العنكبوت)، بل لا بد أن نتلقى هجمة شرسة بأساليب شتى وسيناريوهات عديدة؛ مرة بالهجوم على كتاب الله المبين، وتارة على أنبيائه، وثالثة المجاهدين في سبيل الله، وصولا إلى العمل الخيري؛ لأنهم يريدونها حياة يأكل فيها القوي الضعيف، ويدوس فيها الغني الفقير.. ولن أستطرد في كلام نظري؛ ولكن نشير إلى عدد من الحقائق والوقائع التاريخية التي تؤكد فعلهم، وحبهم ودعمهم لعمل الشر.
وثمة وقائع كثيرة تؤكد أن معظم الحكومات العربية والإسلامية – قبل أحداث سبتمبر، ومنذ بداية التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب الباردة- تعرضت للضغوط الأوروبية والأمريكية من أجل تحجيم الأعمال الخيرية وأنشطتها الداخلية والخارجية، وتجفيف منابعها شيئًا فشيئًا. وكمثال على ذلك فإن الولايات المتحدة ضغطت على الحكومة الباكستانية السابقة في عهد نواز شريف ليخفض من كثافة العمل الخيري الإسلامي الذي كان يمد العون للشعب الأفغاني في محنته عبر باكستان، وبالفعل تم تنفيذ هذا التوجه؛ فبينما كان يعمل في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية أكثر من 500 موظف عربي في بداية التسعينيات، وصل عددهم إلى شخصين اثنين فقط في عام 1999. وقس على هذا ما حدث للعمل الخيري الإسلامي في مناطق أخرى منكوبة بالفقر والحروب والمجاعات من العالم العربي والإسلامي. وزادت وتيرة التحجيم والضغوط بعد سبتمبر، وتحولت إلى إملاءات صريحة بضرورة محاربة الجمعيات والمؤسسات الخيرية كافة التي تقدم أي نوع من الدعم لضحايا الجرائم الصهيونية في فلسطين.
وقد اتخذ الضغط الغربي (الأمريكي خاصة) على العمل الخيري والدعوي الإسلامي عدة أشكال، منها:
– اتهامه بوجود علاقة بينه وبين الإرهاب، ويتمثل ذلك في وجود أي علاقة مع المجاهدين الأفغان، أو حماس، أو الجهاد الإسلامي، أو حزب الله، أو أحزاب كشمير… وقد أُغلقت بعض المؤسسات الإسلامية الأمريكية؛ بزعم وجود هذه العلاقة. كما حُبس بعض المسلمين العاملين في المجال الخيري والفكري؛ بزعم أنهم على علاقة بهذه أو تلك. وقُبض على عاملِين في المؤسسات الأمريكية؛ بذريعة أنهم طلاب خالفوا قوانين الهجرة بعملهم في المؤسسات، ولو تطوعاً. يؤكد ذلك ما أشار إليه المحامي الأمريكي وندل بيلو ـ رئيس جمعية أصدقاء المؤسسات الخيرية في الولايات المتحدة وأوروبا ـ في مؤتمر صحفي عقده قبل عامين في الرياض، حيث اتهم فيه بعض الجماعات والعناصر المؤثرة في صناعة القرار الأمريكي بالعداء للإسلام والمسلمين، وقال: "لم يكن قبل الحادي عشر من سبتمبر هناك اتهام لهذه الجمعيات والمؤسسات؛ لأنها تعمل تحت المظلة القانونية بصفتها جمعيات خيرية وإنسانية. ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الاهتمام الكبير بالإسلام والمسلمين، وأخذت دوائر إعلامية وسياسية في توجيه الاتهامات الخطيرة ضد المسلمين، لدرجة وضع المساجد والأئمة والخطباء تحت المراقبة، والتنصت على المكالمات الهاتفية، واعتراض الإيميلات، وتطبيق قانون الأدلة السرية، الذي يكشف عن محتوى الاتهامات بشكل واسع. وصار كل من يعمل أو يقترب من مكاتب الجمعيات الخيرية الإسلامية – بشكل مباشر أو غير مباشر- موضع اتهام، وأثيرت قضية المهندس سامي الحصين ـ طالب الدراسات العليا في الولايات المتحدة ـ؛ لقيامه بتصميم موقع لإحدى الجمعيات الخيرية على شبكة الإنترنت، وبُرِّئ الحصين من جميع الاتهامات، وعاد إلى المملكة.
– محاولة إجبار الجهد الخيري على التخلي عن ربط الدعوة مع الإغاثة؛ إذ بدأت المؤسسات الغربية تثير الغبار حول العمل الإنساني الإسلامي بحجة أنه ليس عملاً إنسانياً خالصاً.
– التضييق على مناشطه التي يعقدها بالتعاون مع (المؤسسات الإسلامية) في الغرب. ويأتي هذا التضييق في صور شتى، منها: عدم منح تأشيرات أصلاً، أو التأخر في منحها إلى أن تفوت المناسبة، أو إرهاب (المؤسسات الإسلامية) في الغرب، والإيحاء إليها بخطورة العمل مع الهيئات الإسلامية في العالم الإسلامي، أو منع الأئمة والخطباء من إمامة الناس في رمضان.. وغير ذلك.
– التضييق على التبرعات والتحويلات المالية للمؤسسات الإسلامية، ولعل الكل يعلم أن المصارف تعيش جوَّ رعب عند تحويل مبلغ ليتيم أو أسرة فقيرة؛ مخافة أن يضل المبلغ طريقه فيقع في غير ما أريد له.
– تصفية المؤسسات نفسها، ولو كانت خارج أمريكا، وهو من الأهداف الرئيسة من الحملة كلها. وقد جُمّدت مجموعة من المؤسسات الإسلامية في أمريكا وغيرها، كما صُفّيت مؤسسة الحرمين الخيرية.
– الهجوم الصهيوني متمثلاً في وسائل الإعلام والمنشورات المتتابعة التي تهدف إلى تسميم عقول الناس عامة والغربيين على وجه الخصوص إزاء العمل الخيري الإسلامي. وقد كسب العدو الصهيوني الكثير بعد أحداث سبتمبر على نحو غير مسبوق. وكنموذج من هذه الحملة ما قاله (ماثيو ليفيت) من اللوبي اليهودي – الليكودي- أمام اللجنة القانونية الفرعية للإرهاب والتكنولوجيا والأمن الداخلي في الكونجرس الأمريكي، إذ يقول في شهادته: "إن كل جمعية إسلامية سمعت بها في الولايات المتحدة هي واجهة لمنظمات إرهابية أو تمول الإرهاب". كما أنه يزعم أن "السعودية تمول الجماعات الإسلامية المتطرفة في الولايات المتحدة، التي تمول بدورها الإرهاب".
– الحملة العلمانية والليبرالية التي يقودها مجموعة من الكتّاب، ويريدون تصفية العمل الخيري الدولي؛ متذرعين بحجج واهية، يقصدون من ورائها تقويض العمل وتصفيته. وقد تجرأ هؤلاء في حملتهم على المؤسسات والعاملين فيها، ونادى بعضهم بإغلاق بعض المؤسسات الخيرية؛ زاعماً أنها استـنفدت الغرض من قيامها.
والغرض من ذكر ما سبق هو بيان بعض التحديات والجهات المتربصة بالعمل الخيري داخلياً وخارجياً، وينبغي ألاّ يؤدي ذلك إلى إخافة العاملين في المؤسسات أو المتبرعين لها أو المتعاطفين معها؛ لأن العمل الخيري باقٍ ما بقي الإسلام، وما المؤسسات إلا أدوات لتنفيذ المبادئ الإسلامية الحاضّة على فعل الخير، وإسداء النفع للناس وخدمتهم. وتقع على عاتق المؤسسات الخيرية – في الوقت ذاته – مسؤولية الاستفادة من هذه المرحلة لمراجعة أوضاعها، والرقي بمستويات العمل فيها، وتحديد أولوياتها في العمل.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70107
